الفقه المالكي عند ابن باديس بين التعصب المذهبي والتحرر الفكري (ج1)

بقلم: علي الصلابي-

1ـ المنهج التربوي التفقيهي عند الإمام عبد الحميد بن باديس:

إن الشيخ عبد الحميد بن باديس جعل من مادة الفقه مادة أساسية في دروسه العلمية، ولكي نتعرف على المرجعية الفقهية عنده فلا بد من إلقاء نظرة على الكتب التي كان يدرِّسها الشيخ عبد الحميد بن باديس لطلابه ويستقي منها مادته الفقهية في التدريس، لقد نشر الشيخ عبد الحميد بن باديس في التقرير السالف الذكر عناوين الكتب المدروسة، فذكر: الموطأ، أقرب المسالك، الرسالة، ابن عاشر، البرذوي، المفتاح، التنقيح، السلَّم، المكودي، القطر، الأجرومية.

وبالإضافة إلى هذه الكتب ذكر الشيخ عبد الحميد بن باديس كتاباً آخر مهماً وهو كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، للفقيه المالكي الكبير أبي الوليد ابن رشد (595هـ)، وذلك في التقرير الذي وافى به علماء الزيتونة الكرام وأعضاء لجنتها الموقرين الذين انتدبوا للقيام بإصلاح التعليم في الجامع المعمور.

لقد اعتمد ابن باديس في تكوين طلابه فقهياً المذهب المالكي السائد في شتى أقطار الشمال الأفريقي، وهذه المدونات الفقهية هي الموطأ، ومختصر خليل، أقرب المسالك، الرِّسالة، متن ابن عاشر، وغيرها.

أ ـ موطأ الإمام مالك بن أنس الأصبحي توفي عام (179هـ):

وهو كتاب جليل، حافل بالأحاديث الصحيحة، المرفوعة، والموقوفة والمقطوعة، وكذا المراسيل والبلاغيات وفيه عدد هائل من فتاوى الصحابة والتابعين، وما صح عند مالك من عمل أهل المدينة، وكذا اجتهادات مالك رحمه الله واختياراته الفقهية، فهو كتاب جامع بين الفقه والحديث، وهذا الكتاب عمدة المالكية الأوَّل، لذا كثر اهتمامهم به وأفردوا له عدة شروح، وفي هذا الإطار، اهتم الشيخ عبد الحميد بن باديس بالموطأ، فقرر على طلاَّبه دراسة هذا الكتاب والتفقه فيه، لأنه في نظره يمثل المنهج الأمثل في صنع الملكة الفقهية، وهو التفقه في نصوص الكتاب والسنة، والتعرف على ملاحظة الأئمة في الاستنباط من النصوص، وحسن الاستدلال، فقال ـ رحمه الله ـ: وإذا رجعت إلى موطأ مالك سيد أتباع التابعين، فإنك تجده في بيان الدين قد بنى أمره على الآيات القرانية، وما صح عنده من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وما كان من عمل أصحابه الذي يؤخذ منه ما استقر عليه الحال آخر حياته، لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث، فالأحدث من أمره، وكذلك إذا رجعت إلى كتاب الأم لتلميذ مالك الإمام الشافعي، فإنك تجده قد بنى فقهه على الكتاب وما ثبت عنده من السنَّة.

وقد بينا أن الشيخ عبد الحميد بن باديس درَّس موطأ الإمام مالك رحمه الله وختمه لطلابه في الجامع الأخضر وأقيم حفل بهذه المناسبة.

ب ـ مختصر خليل وشرحه:

وثاني الكتب التي قرَّرها الشيخ عبد الحميد بن باديس مصادر لطلابه ينهلون منها مادتهم الفقهية، فهو كتاب مختصر خليل لصاحبه خليل بن إسحاق المتوفى (776هـ)، وهو كتاب طبقت شهرته الافاق، وأقبل عليه العلماء وطلبة العلم حفظاً وفهماً ومدارسة، وشرحاً وتعليقاً، إقبالاً منقطع النظير، لأن صاحبه قد اجتهد فيه في جمع أمهات مسائل الفقه المالكي، بل خلاصة الفقه المالكي وما عليه المعوَّل في الفتوى في المذهب، ولذلك قال رحمه الله في مقدمة المختصر: وبعد، فقد سألني جماعة أبان الله لي ولهم معالم التحقيق، وسلك بنا وبهم أنفع طريق، مختصراً على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى مبيناً لما به الفتوى، فأجبت سؤالهم بعد الاستخارة، مشيراً بـ «فيها» للمدونة وبـ «أوَّل» إلى اختلاف شارحيها في فهمها، وبـ «الاختيار» للّخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو نفسه، وبالاسم فذلك لاختياره من الخلاف، وبالترجيح لابن يونس كذلك، وبالظهور لابن رشد كذلك، وبالقول للمازري كذلك وحيث قلت خلاف فذلك الاختلاف في التشهير وحيث ذكرت قولين أو أقوالاً فذلك لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة ، ولما كان لخليل شروح متعددة فإن الشيخ قد اختار شرحاً مختصراً هو «أقرب المسالك» .

ج ـ رسالة ابن أبي زيد القيرواني (386هـ):

وأما الكتاب الثالث الذي قرره الشيخ عبد الحميد بن باديس على طلاَّبه ينهلون منه مادتهم الفقهية كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني المتوفي (386هـ) وهو كتاب جليل الفائدة الفقهية، كثير النفع، تميز بمكانة خاصة بين كتب المذهب، إذ أقبل عليه الجمع الغفير من العلماء بالشرح والتدريس ما لم يعرف لكتاب اخر. قال الشيخ أحمد زرُّوق في مقدمة شرحه على الرِّسالة: إن رسالة ابن أبي زيد شهيرة المناقب والفضائل، عزيزة النفع في الفقه والمسائل، من حيث أنها مدخل جامع للأبواب، قريبة المرام في الكتب والحفظ والاكتساب، وقد اعتنى بها الأوائل والأواخر، وانتفع بها أهل الباطن والظاهر، وحتى صارت بحيث يهتدي بها الطالب المبتدأئ ولا يستغنى عنها الراغب المبتدأئ، ولم يزل الناس يشرحونها على مرَّ السنين والدهور، والعلماء يتداولونها ويتناولون ما فيها من الأمور، نحو من خمسمائة سنة، ولم تنقص لها حرمة، ولا طعن فيها علم معتبر في الأمة، مع ما فيها من عظيم الشكال، ودواعي الارتكاز من الحساد والأشكال، وهذه كرامة من الله لا تنال بالأسباب .

د ـ متن ابن عاشر وشروحه:

ومن الكتب الهامة التي برمجها ابن باديس رحمه الله وقررها على طلاَّبه متن ابن عاشر وهو نظم للعلامة عبد الواحد بن عاشر، كثير الفوائد والتحقيقات، قال عن قيمته العلمية العلاَّمة محمد بن أحمد ميارة المالكي في مقدمة شرحه لهذا النَّظم: هذه المنظومة العديمة المثال في الاختصار وكثرة الفوائد والتحقيق، وحاذا مختصر خليل، والجمع بين أصول الدين وفروعه، بحيث أنَّ من قرأها وفهم مسائلها خرج قطعاً من ربقة التقليد المختلف في صحة إيمان صاحبه وأدى ما أوجب الله عليه تعلمه الواجب على الأعيان .

2ـ وجوب التفقه في الكتاب والسنة:

إن كل إمام من أئمة الفقه والاجتهاد إنما كان ينطلق من نصوص الكتاب والسنة، في استنباط الأحكام الفرعية، ولكن الذي وحّد عليه ابن باديس الدرس الفقهي في شتى المدارس، وحتى الجامعات هو الاحتفاء بالفروع الفقهية، وحفظها مفصولة عن أدلتها من الكتاب والسنة، فأعلن عن تبرمه ورفضه لهذا الواقع التعليمي المشين فقال: هذا هو التعليم الديني السلفي وأين منه تعليمنا؟

نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله، ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوماً منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك، هذا في جامع الزيتونة، فدع عنك الحديث عمَّا دونه بعديد المراحل .

وكان الشيخ ابن باديس مدركاً لصعوبة التغيير، بل ومقدراً لمخاطره، ولكنه مع ذلك اقتحم هذا الميدان، وكله أصرار وعزم على العودة في دراسة الفقه إلى طريق السلف المتقدمين، الذين كانوا يربطون الأقوال بأدلَّتها فقال رحمه الله: فإذا كان الحال هكذا من تلك الأيام في تلك الدِّيار، وقد مضت عليه القرون في هذه البلاد وغيرها ، فإن قلعه عسير والرجوع بالتعليم إلى التفقه في الكتاب والسنة، وربط الفروع بالمآخذ والأدلة أعسر وأعسر، غير أن ذلك لا يمنعنا من السعي والعمل لصدق الرجاء وقوة الأمل، وسننفذه في دروسنا هذا العام والله المستعان .

3ـ مراعاة المستوى والدعوة للتخصص:

قسَّم ابن باديس طلبته إلى أربع طبقات، فرسالة ابن عاشر، يناسب الطلبة المبتدئين، إذ يقول عنه ناظمه في نظم أبيات للأمي تفيد رسالة أبي زيد القيرواني أرفع مستوى إذ اجتهد صاحبها في تقديم ملخَّص واف عن المذهب المالكي، وأرجح الأقوالَ فيه مركزاً على البعد العملي، وأما مختصر خليل بشروحه المتعددة فهو خلاصة الفقه المالكي، وما هو عليه المعوّل في الفتوى في المذهب، وهكذا نجد العلامة ابن باديس يؤمن بمبدأ التدرج في التعليم، والبدء بالسهل واستيعابه للوصول إلى الصَّعب الغامض وفهمه، وهو أمر كان قد تنبَّه إليه العلامة عبد الرحمن بن خلدون، فقال في مقدِّمته مبيناً أهمية التدرُّج في تلقي المعارف: فاعلم أنَّ تلقين العلوم للمتعلمين يكون مفيداً لو تمَّ ذلك بالتدرُّج شيئاً فشيئاً قليلاً قليلاً، فيلقى على المتعلم مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب .

وفي المقترح الذي تقدَّم به الشيخ عبد الحميد بن باديس لإصلاح التعليم في جامع الزيتونة المعمور، راعى كثيراً مسألة التدرج في التعليم، حين قسم الدراسة في الكلية إلى مرحلتين أساسيتين، مرحلة المشاركة إلى وجوب الاقتصار في تدريس الفقه، على تقرير المسائل دون تشعباتها، ثم يترقى إلى تطبيقها على المسائل الفقهية ليتحصل من هذا ومن ذكر أدلة المسائل الفقهية كما تقدم ملكة النظر والاستدلال، وأما مرحلة التخصص، فالطلبة الذين يخصَّصون في القضاء والفتوى، فيتوسع لهم في فقه المذهب، ثم في الفقه العام، ويكون بداية المجتهد من الكتب التي يدرسونها، ويدرسون آيات وأحاديث الأحكام، ويدرسون علم التوثيق، ويتوسعون في علم الفرائض والحساب، ويطلعون على مدارك المذاهب حتى يكونوا فقهاء إسلاميين ينظرون إلى الدنيا من مراة الإسلام الواسعة لا من عين المذاهب الضيقة.

4ـ الاهتمام بعلم أصول الفقه:

وممَّا يشحذ الملكة الفقهية، وينمي قوة الاستيعاب لأقوال الفقهاء، ومعرفة كيفية استدلالهم لها من الكتاب والسنة وغيرها من الأدلة الإجمالية، علم أصول الفقه، ولذا اهتم الشيخ عبد الحميد بن باديس بهذا العلم وقرّره على طلابه، واختار كتاب أبي عبد الله الشريف التلمساني المتوفي (771هـ) المسمَّى «مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول» وهو كتاب بعيد عن تقرير القواعد الأصولية نظرية مجرَّدة، بل هو كتاب عملي عمد صاحبه إلى تخريج الفروع على الأصول، فيتمكن الدَّارس للكتاب، المستوعب له من الاطلاع الواسع على أقوال أئمة المذاهب وكيفية استدلالهم لأقوالهم الفقهية، فيأخذ حظاً وافراً من اختلافات الفقهاء، ويعرف أسباب اختلافهم ويدرك الراجح من أقوالهم، فينشأ بعيداً عن التعصب المذهبي الضيق ؛ لأن القول الراجح لا يكون بالضرورة إلى جانب مذهبه بالضرورة.

5ـ مؤهلات المفتي عند الشيخ عبد الحميد بن باديس:

الفتوى منصب خطير، وخطة جليلة القدر، ذلك أن المفتي يوقع عن الله عز وجل ويبلِّغ أحكامه، ولذلك اشترط العلماء فيمن يتصدَّى لهذا المنصب الخطر جملة من الشروط وهي في الجملة الاستبحار في علوم الشريعة، علوم الالة وعلوم الغاية، وإدراك مقاصد التشريع وأسراره، والتضلع في علوم العربية والإحاطة بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمستفتين، بالإضافـة إلـى كون المفتي صالحاً متديناً، حسن السلوك، رضي السـيرة، حتى تكـون فتواه مقبولـة عند المستفتين، يتعبدون الله عز وجل بها وهم كلهم ثقة وإطمئنان.

ولا يختلف اثنان في كون الشيخ عبد الحميد بن باديس، كان مستكملاً لأدوات الاجتهاد، فهو عالم بالكتاب والسنة، متبحر في الاطلاع على الفروع الفقهية وربطها بأصولها، متضلع في فنون العربية وادابها، خبير بالواقع الإسلامي، وتكفينا هنا شهادة رفيق دربه في الجهاد، وخليفته في رئاسة جمعية العلماء الإبراهيمي وهو أعرف الناس بابن باديس ومكانته العلمية المرموقة، وتميزه عن كثير من علماء العصر، فقال: وعبد الحميد بن باديس باني النهضة وإمامها، ومدرب جيوشها، عالم ديني ولكنَّه ليس كعلماء الدين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر، وأربى عليهم بالبيان النَّاصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللمَّاح، والفهم الغوَّاص على دقائق القران، وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين، ومناشأئ أمراضهم، وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات من فقه الإسلام، والإلمام بمعارف العصر مع التمييز بين ضارها ونافعها.


مراجع:

– علي محمّد محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج (2)، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 1، 2016م، ص423:417.

– محمد الدراجي، الشيخ عبد الحميد السلفية والتجديد، دار الهدى للطباعة، الجزائر, 2012 ص159.

– أحمد طالب الإبراهيمي، آثار الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1997، 2 / 196.

– عبد الحميد بن باديس وعمار الطالبي، آثار بن باديس، الشركة الجزائرية، الجزائر، الطبعة الثالثة، 1997(3 / 240).

آخر التغريدات: