الشيخ العربي التبسي برؤية أمنية فرنسية -قراءة في الوثائق الأرشيفية-

بقلم: جواد عبد اللطيف-

يجمع جل المؤرخين على الدور الذي لعبه الشيخ العربي التبسي في الحفاظ على الهوية الوطنية ومقومات الأمة الجزائرية، وذلك من خلال نشاطاته الوطنية ضمن إطار الحركة الإصلاحية بقيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هذه الأخيرة التي استطاعت أن تؤسس مرجعية وطنية دينية نقية ومعتدلة حاربت من خلالها البدع والخرافات وتكوين نشء متعلم ومتدين،كما لا يختلف اثنان حول المواقف الثابتة للشيخ العربي التبسي تجاه الاستدمار الفرنسي وسياسته، وهو ما جعله محل مراقبة دقيقة من طرف المصالح الأمنية الاستخبارتية الفرنسية، حيث ورد اسمه في العديد من التقارير الأمنية السرية، وسأحاول من خلال هذا المقال تتبع اسم الشيخ العربي التبسي والمعلومات التي كتبت حوله بقراءة عشر وثائق أرشيفية أمنية ابتداء من سنة 1943 إلى غاية 1961 م.

في 13 ديسمبر 1943م ورد اسم الشيخ العربي التبسي ضمن تقرير سري صادر عن مصلحة شؤون المسلمين – أقاليم الجنوب – يحمل رقم "4051" يتعلق بعلاقة الشيخ العربي التبسي بنشاط كشافة " فوج الأمل"بتبسة حيث جاء ضمنه " أن المسمى بدري عبد الحفيظ بن أحمد موال بقناعة تامة للشيخ العربي التبسي والذي كلفه بمهمة تسجيل طلبة لمدرسته"،ويطلب صاحب التقرير جمع معلومات وتوضيحات حول الموضوع.(1)

16 مارس 1944 تقرير حول نشاط فوج الكشافة الإسلامية " الأمل " بتبسة صادر عن محافظ قسنطينة – مركز الإعلام والدراسة-، مرسل إلى السيد الحاكم العام ( مديرية شؤون المسلمين وأقاليم الجنوب)، يذكر ضمنه كاتب التقرير بأن " السيد بدري عبد الحفيظ مرشد الكشافة بتبسة لديه تكوين ديني صارم مثل الذي نجده عند شباب تبسة وهو أيضا من شبه المؤكد يلتقي بالشيخ العربي التبسي الذي يشاركه في أفكار الإصلاح الديني".(2)

25 سبتمبر 1944 ورد اسم الشيخ العربي التبسي في تقرير خاص صادر عن محافظ شرطة تبسة يحمل رقم "270"، مرسل إلى محافظة قسنطينة – مركز الإعلام والدراسة- جاء ضمنه أنه " بمناسبة العيد الصغير (يقصد عيد الفطر) نظمت الكشافة الإسلامية لمنطقة تبسة سهرة مسرح بقاعة الحفلات، حيث كانت مقدمة الانطلاق بقراءة بعض الآيات القرآنية أداها طالب من مدرسة علماء تبسة، وقد قام الشيخ جدري العربي المسمى" العربي التبسي" وهو مدير المدرسة المذكورة سابقا بالإشادة في بضع كلمات بمدى مزايا وجمال فضيلة العلم والتكوين، كما قدم نداء إلى السكان المحليين بتبسة طالبا منهم تقديم المساعدة إلى البؤساء والمحرومين من أجل تسهيل تعليم الشباب المسلم، كما قامت فتاة مسلمة بالتصفيق مطولا بعد مداخلة الشيخ حول تعليم الفتاة المسلمة". ويذكر صاحب التقرير بأنه خلال الحفل تمت قراءة مجموعة من الأبيات الشعرية باللغة العربية من طرف ثلاثة أشخاص ذكر من بينهم فرحات بشير أخ الشيخ العربي التبسي.(3)

30 جوان 1945 ذكر اسم الشيخ العربي التبسي ضمن تقرير أمني في شكل مذكرة تكميلية ذات طابع سري، صادرة عن مركز المعلومات والدراسة حيث توثق النشاط الوطني لفيدرالية الكشافة الإسلامية الجزائرية في العديد من المقاطعات جاء فيها أنه " تنفيذا للقرار رقم 2106 المؤرخ05/06/1945 الصادر عن السيد محافظ قسنطينة فإن السيد جدري العربي المسمى الشيخ العربي التبسي وهو نائب لجمعية العلماء المصلحين ورئيس شرفي للكشافة الإسلامية " فوج الأمل " بتبسة قد تم حبسه بسجن مدني في انتظار تحويله إلى مركز الإقامة والمراقبة".(4)

09 جانفي 1954 تقرير موضوعه "مدارس جمعية العلماء بالجزائر" صادر عن المقاطعة الفرعية لدائرة قسنطينة، يتضمن معلومات حول الشيخ العربي التبسي حيث جاء فيه ما يلي:" الشيخ العربي التبسي هو أكثر وطنية من العلماء هناك، لا يوجد شيء مذهل، ويكفي التذكير بنشاط الشيخ العربي التبسي في ذلك الوقت الذي عاش فيه في تبسة وأخرج المدرسة من هذه المنطقة بهيبته ثم كان كبيرا بقدر تأثيره على الكتلة. قام بدور نشط في إنشاء جهاز تمرد من منطقة تبسة، هو هكذا كيف شجع قواته بحرارة وأعطى تعليماته الأخيرة. هرب بحذر يوم 7 ماي إلى الجزائر العاصمة حيث تم اعتقاله، وقد تم الترحيب به بحرارة لدى عودته إلى تبسة من قبل العديد من المؤيدين".(5)

جوان 1955 تقرير موسوم بعنوان :" تاريخ جمعية العلماء الأصول والممولين الفرعيين" ورد ضمنه ما يلي: " الشيخ العربي التبسي هو طالب سابق بالزيتونة والأزهر كان من بين المساعدين الأوائل لابن باديس وعند وفاة هذا الأخير في أفريل 1940 تكفل بالرئاسة في محله إلى غاية تحرير الإبراهيمي ثم تم انتخابه كنائب للرئيس، فكان الرجل البديل والذراع الأيمن للإبراهيمي، امتاز بأنه أقل ذكاء من رئيسه كما كان يبدو أكثر إخلاصا كما كانت تقواه ونزاهته غير قابلة لأي شك، تولى بنفسه إدارة معهد ابن باديس في قسنطينة، وتأثيره كان بالغا في ناحية تبسة".(6)

21 أكتوبر 1956 تقرير موضوعه " الموقف الواجب التقيد به حول التعليم الإسلامي الخاص " صادر عن نائب محافظ تبسة مرسل إلى محافظ بون ( عنابة حاليا) يتضمن المعلومات الآتية :"...غادر الشيخ العربي التبسي في خريف 1955 ( جدري العربي بن بلقاسم ) للاستقرار في العاصمة ومارس فيها بأماكن ومقرات الشيخ البشير الإبراهيمي الإدارة التامة لجمعية العلماء الإصلاحيين الجزائريين وكان مخفيا تحت هيئته المتواضعة والمهذبة عموم الإسلاموية الخبيثة. العربي التبسي في الواقع قاد نشاط كل السادة المناضلين في التنظيمات الصادمة، العلاقات اللوجيستية ومراكز الدعاية لجبهة التحرير الوطني. المشاركة الحاسمة من طرف هذه المدرسة- ( والتي كان كل قادتها ومعلميها من النمامشة )- في التمرد المحلي وفي المساعدة التونسية للفارين من الجزائر تبرر بشكل واسع الإبقاء على غلق هذه المؤسسة التي كانت معقلا حقيقيا في الشرق للثيوقراطية المزروعة في الجهاز الفرنسي.

بعد تفتيشها من طرف السلطات العسكرية كانت بنايات " تهذيب البنين " ما عدا المسجد والذي وضعت عليه الأختام مشغولة من طرف ملحقات متمركزة بتبسة ".(7)

08 أفريل 1957 وثيقة أمنية في شكل ملف شخصي محفوظ في المصلحة التاريخية للجيش البري الفرنسي – أرشيف وزارة الدفاع الفرنسي- علبة رقم 1H1244/D4 تتضمن معلومات مفصلة حول سيرة الشيخ العربي التبسي ونشاطاته ( الاسم العائلي، الحالة العائلية، عدد الأولاد، المهنة، تكوينه العلمي، ثروته، حالته الصحية، أنشطته ...) كما يتضمن معلومات دقيقة حول النشاطات السياسية للشيخ العربي التبسي قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، منها أنه أحد مؤسسي جمعية العلماء سنة 1931، معارض للمرابطين ووزراء الدين المعتمدين، مؤسس ومدير مدرسة إصلاحية بتبسة لسنوات، يعتبر متعاطف نشط مع المتطرفين، تولى رئاسة الجمعية بالنيابة بعد وفاة ابن باديس إلى غاية تحرر الإبراهيمي سنة 1943، متهم بالكتابة إلى الألمان، مسجون في قسنطينة في 24 مارس 1943، مؤيد لأصدقاء البيان والحرية لفرحات عباس، اعتقل في 5 جوان 1945 مسجون في منزل مربع في " تنس" حتى مارس 1946 أين أطلق صراحه، عضو مؤسس عن العلماء للجبهة الجزائرية للحرية، في عام 1952 سمح له بإلقاء محاضرات دينية في المسجد الكبير بقسنطينة وفي عام 1954 نجح في نشر الدعوة الإصلاحية خلال رمضان في المساجد الأخرى". كما احتوت الوثيقة على معلومات حول نشاط الشيخ العربي التبسي منذ أول نوفمبر 1954 حيث اقتبست أجزاء من خطبه وحلل مضمونها من الناحية الأمنية، وسجلت ملاحظات حول مواقف الشيخ العربي التبسي من الثورة أهمها ما يلي: " في شهر ماي كان سيعطي للشيوخ الإصلاحيين التعليمات التالية " مهمتنا واضحة، لا لبس فيها، يجب أن توجه جميع قواتنا نحو النضال ضد الامبريالية الفرنسية، ويجب أن يكون العلماء هم المرشدين الروحيين لمحاربي الإسلام " كما يذكر صاحب الملف بأن الشيخ أسهم في إنشاء المدارس الإصلاحية المعادية للفرنسيين في الدواوير وذلك بالتنسيق مع جبهة التحرير الوطني، إلا أن الملاحظة التي يجب ذكرها هي أن الملف يغفل مسألة اختطاف الشيخ العربي التبسي واغتياله.(8)

27 جانفي 1958 تقرير أمني سري صادر عن المفتش العام للإدارة- المكلف بمهمة استثنائية لدى حاكم قسنطينة- مرسل إلى السيد وزير الجزائر-المكتب المدني- يحمل رقم 59/MAC موضوعه "موقف العلماء" مرفق بملحق بعنوان " الأنشطة الرئيسية للشيوخ " جاء فيه أن الشيخ العربي التبسي تم اختطافه في الجزائر العاصمة ليلة 5 أفريل 1957 على أيدي مسلحين مجهولين.(9)

01 جانفي 1961 تقرير استخباراتي مفصل صادر عن المكتب الثاني– الناحية الإقليمية – أركان الجيش بقسنطينة- موضوعه المميزات الكبرى للوضعية الدينية بالشرق الجزائري، يتضمن معلومات هامة حول نشاط جمعية العلماء ومناصب أهم قادتها الذين أصولهم من الإقليم القسنطيني حيث جاء فيه ما يلي " الشيخ التبسي العربي ، نائب رئيس الجمعية ولد سنة 1891 بقنتيس (تبسة)، اختفى في أفريل 1957 بالجزائر العاصمة بعد أن تم اختطافه من طرف مجهولين.(10)

في الأخير ومن خلال ما تم عرضه من المعلومات التي تضمنتها الوثائق الأرشيفية سابقة الذكر والتي وضحت لنا حقائق متعلقة بمسيرة ومواقف الشيخ العربي التبسي ضمن الحركة الوطنية الإصلاحية قبل و أثناء الثورة التحريرية، والتي كشفت لنا الغموض حول هذه الشخصية ودورها البارز في نشر العلم والوعي الوطني ضمن صفوف الجزائريين بالإضافة إلى كونها توضح لنا الموقف الثابت للشيخ العربي التبسي تجاه المسألة الوطنية طيلة الوجود الاستعماري، وكذا تبين لنا مدى اهتمام مصالح الأمن الفرنسي الاستعماري بهذه الشخصية التي كانت محل مراقبة وتضييق دائمين وهو دليل قاطع على أن الأمن الفرنسي هو المتهم الأول بقتل الشيخ حتى وإن أخفى ذلك في تقاريره السرية وراء عبارة "اختطف" و"اختفى".

رحم الله الشيخ العربي التبسي وأسكنه فسيح جنانه.


الهوامش:

1:A.N.O.M, Boite 9h40, préf de Constantine, C.I.E, N°405 le13 dec 1943.

2: A.N.O.M, Boite 9h40, préf de Constantine, N°128 INST, Le16 Mars 1944.

3: A.N.O.M, Boite 9h40, département de Constantine, C.I.E, N°270 Le25 Septembre1944.

4: A.N.O.M, Boite 9h40, département de Constantine, C.I.E, N°1564, Le 30 Juin 1945.

5: A.N.O.M, Boite N°93/4496, département de Constantine, Sous-préfecture de l’Arrondissement de Constantine ,N°15/5/RY ,9/1/1954.

6: A.N.O.M, Boite 4 I /174, département d’Alger, l’Association des Oulama Reformistes d’Algerie,Juin 1955.

7: A.N.O.M, Boite 93/4496, Arrondissement de Tebssa, N°1810/S, Le 21 October 1956.

8:S.H.A, Boite N°1H1244/D4,Notice Individuelle,8 Avril 1957.

9: A.N.O.M, Boite N°93/4496, , département de Constantine, N°59/MAC,27 Janv 1958.

10: A.N.O.M, Boite1H 2864 D4 , Constantine-Etat major 2°Bureau,N°608 CAC/2/A-S , Constantine,Le 16 Février 1961.


جواد عبد اللطيف الجزائري: طالب دكتوراه بجامعة سطيف

المصدر: مجلة التبيان.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: