صورة من الذاكرة عن ابن باديس

صورة من الذاكرة عن ابن باديس

بقلم: محمد الصالح الصديق-

حدثني المرحوم الشيخ عيسى قدور، وهو من تلامذة الإمام ابن باديس الذين لازموه وأخذوا عنه العلم والأخلاق والسلوك، حدثني بما مؤاده:

جاء إلى الشيخ الإمام سنة 1933 أخوان شقيقان من جبل الوحش بقسنطينة للدراسة، وكانا يحفظان القرآن حفظا جيدا، وكان أملهما الوحيد الذي ملك عليهما أحاسيسهما أن يدرسا على الشيخ الإمام، وكان والدهما من مقادم الشيخ بن حملاوي المتزمتين الذين يتصورون ابن باديس عدوا للدين، محاربا لأهله، لأنه يدعو إلى نبذ الخرافات والأوهام التي تصادم الإسلام، وتجعله مثار السخرية في أعين الأجانب. ولما علم والدهما أنهما التحقا بالشيخ وانتظما في سلك طلبته، ثار وهاج وبلغ به الغضب أقصى درجاته وكتب إليهما رسالة تلتهب حنقا واغتياظا يعلمهما أنهما عاقان لوالدهما، ومحرومان من إرثه، وأنه بريء منهما إلى يوم الدين، إلا إذا عادا إلى البيت، وعدلا عن التفكير نهائيا في الدراسة عند ابن باديس!

كانت الرسالة بمثابة صاعقة، ارتج لها الطالبان، ولما كانا يعرفان مكانة الشيخ عيسى عند شيخه ابن باديس أسرعا إليه وبثاه حزنهما وتحسرهما، فما كان منه إلا اتصل بالشيخ ابن باديس وأطلعه على الرسالة، فتأثر تاثرا شديدا وحزّ في نفسه أن يحرم الوالدان من نور العلم بجهل الوالد بطبيعة جمعية العلماء وحركتها الإصلاحية وقال له:

أرجئ أمرهما إلى يوم الراحة فيومئذ إما أن أعيدهما إلى والدهما وهو راض عنهما، أو أتركهما عندي وأنا راض عنهما!

وفي يوم الخميس ذهب الإمام ابن باديس بالولدين إلى والدهما رفقة الشيخ عيسى، فما إن رأى الوالد الإمام حتى اندهش وتأثر تأثرا بالغا، أسرع إليه خطاه، وأخذ يقبل رأسه، وهو يقول من أنا حتى يأتيني الشيخ ابن باديس؟

ثم ترجى الشيخ في عبارات مؤثرة أن يدخل الدار ويتناول الغداء على مائدته، فقبل الشيخ ذلك، ولكن على شرط أن يرضى عن ولديه ويسامحهما.

فقال الرجل قد عفوت عنهما ورضيت، وأنهما منذ اليوم والداك ولن يتخلفا عنك.

ثم مد يده إلى السبحة في عنقه فقطعها وهو يقول:

لعن الله هذه السبحة التي كادت تدخلني النار!

فقال الشيخ: إن السبحة لا تضر ولا تنفع ولم أقل يوما لِمَ تسبحون بالسبحة، وإنما أقول، اتقوا الجهل فإنه أضر بالإنسان من الطاعون، وبعد تناول الطعام، تبرع الرجل لطلبة الشيخ بعشرة آلاف فرنك وتعهد له بهذا المبلغ وثلاثين قنطارا من القمح كل عام، وهكذا عاد الشيخ بالولدين غانما رضيا، فرحا مبتهجا نتيجة هذا السلوك المثالي الذي يجب أن تأخذ منه العبرة.

آخر التغريدات: