الجزائر المريضة

بقلم: محمد الهادي الحسني-

عند تدشين مدرسة بلدة الحنايا، القريبة من مدينة تلمسان، في الحادي عشر من شهر جوان من عام 1950، ألقى إمام الجزائر الإبراهيمي – كعادته في مثل هذه المناسبات- خطابا بليغا، حرّك به السواكن، وهزّ به الجامدين، ونبّه به الغافلين، وبشّر العاملين وأنذر المغترين، وأوعد الخائنين. وقد سجل ذلك الخطاب الأساتذة عبد الوهاب ابن منصور، وعبد الرحمن غريّب، وأحمد ابن ذياب الذي سحره كلام الإبراهيمي فقال عنه إنه “آية الدنيا”. (البصائر في 19 جوان 1950، ص1).

قال الإمام إن أناسا زعموا أن الجزائر ماتت، وبلغ حقدهم عليها وبغضهم لها أن قالوا: “لا رحمها الله”. وما قال هذا الإفك إلا الفرنسيون و”مخلوقاتهم” من العملاء والخونة كما وصفهم الرحّالة الألماني هاينريش فون مالتسن.

ولقد تأمل علماء الجزائر العاملون في أوضاع الجزائر ودرسوا أحوالها فتبيّن لهم أنها “مريضة”، وأنها ليس ميئوسا من شفائها، بل “يرجى لها الشفاء إن وجد الطبيب، وأحسن استعمال الدواء.. فحضر الطبيب في حين الحاجة إليها، وأذن بالإصلاح في آذان المريض، فانتفض انتفاضة تطايرت بها الأثقال، وانفصمت الأغلال”. (المرجع نفسه).

وطرد من ظنوا – غرورا- أنهم مانعتهم قوتهم، و”مدافعهم”- كما قال طاغيتهم للإمام ابن باديس، الذي كان “قويا بالله” واثقا من نصره، ثم من شعبه الذي يفعل “المعجزات” عندما يكون له القائد الراشد، لا الذي يزعم أنه “فريد عصره، ووحيد دهره”.. ورجعت الجزائر إلى “محمد”…

وأخذت شرفاء الجزائر وحرائرها سنة وغفلة، فتسلّل إلى عرشها من أشرب في قلبه حب فرنسا – كما قال الجنرال دوغول- وأحاط نفسه بكل رذل من النسوان والذكران.. ورفع – كذبا وزوار – شعار “الإصلاحات” فكانت “إسلاخات”، وصدق الله القائل: “إنه لا يصلح عمل المفسدين”، وهذا ما نبّه إليه الصالحون المصلحون.. ولكن لم يلق السمع لهم.. فمرضت الجزائر – مرة ثانية- وكان سبب مرضها – في هذه المرة- هو “القريب” لا “الغريب”، وكانت “علة الفولة في جنبها”.

وحتى إذا استيأس الجزائريون، وظنوا أنهم قد غلبوا من “حزب البعث الفرنسي”، وأن وجه الجزائر قد خلا للفاسدين المفسدين أتى أمر الله – عز وجل- فخادع الخادعين، وكشف الخائنين، ومكر بالماكرين، وأتاهم من حيث لم يحتسبوا، فكان هذا الحراك المبارك الذي أسقط “الصنم” ورماه هو وعبيده وعباده إلى خارج التاريخ، رغم زعمه أن هذا التاريخ المعاصر في الجزائر لا يحتفظ إلا بـ”أربعة” أسماء، آخرهم “داداهم”.

إن الفساد عشرة أعشار، يبوء بعشره منفذه، ويبوء بتسعة أعشار الآمر به والحامي له ولأصحابه فلا نخطئ في المحاسبة والمساءلة، ولئن أفلت منهما هذه المرة لنكوننّ من الخائنين لوطننا.

آخر التغريدات: