الإمام ابن باديس من خلال نص مغمور للعلامة محمد الفاضل ابن عاشور

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

في زيارتي العلمية إلى المغرب الأقصى في شهر سبتمبر 2013، اطلعت على كل أعداد مجلة "العبقرية" التي كان يصدرها الشيخ عبد الوهاب بن منصور في مدينة تلمسان في عام 1947. صوّرتُ منها ما استطعت تصويره من صفحات، ومنها مقالة للشيخ محمد الفاضل ابن عاشور، وهي في الأصل تمثل نص الخطاب الذي ألقاه هذا العالم الزيتوني الشهير في المجلس الاحتفالي بالذكرى السابعة لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس بتونس في عام 1947. ومن المفيد أن أذكر هنا أنه "خلال خمس عشرة سنة من وفاة ابن باديس أحيا التونسيون تارة بمفردهم، وطورا بمشاركة المهاجرين الجزائريين إلى تونس سبع مناسبات لتكريمه بداية من سنة 1946 وحتى سنة 1955".

إن أحدا من الدارسين لنشاطات الإمام ابن باديس في تونس أو المشتغلين على أعمال الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور، لم يذكر هذا النص رغم قيمته التاريخية والأدبية. وحينئذ رأيت ضرورة نشره حتى يستفيد منه الباحثون في العلاقات الثقافية بين الجزائر وتونس. وقبل ذلك، من المناسب أن أقدم نبذة تعريفية مختصرة حول مجلة "العبقرية" المغمورة وصاحبها، وأما الشيخان ابن باديس وابن عاشور، فهما غنيان عن التعريف فلا داعي هنا لسرد ترجمة كل واحد منهما.

مجلة العبقرية وصاحبها في سطور:

أسس الشيخ عبد الوهاب بن منصور مجلة العبقرية في مدينة تلمسان في ماي 1947. وصدر منها 5 أعداد وليس 3 كما ذكر البحاثة الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه القيم: "أدب المقاومة والوطنية في الجزائر (1830-1962). المجلة صغيرة الحجم وتقع في 32 صفحة، وترقيمها متواصل لكل عدد من أوله إلى آخر عدد، وتاريخها محسوب فقط بالتاريخ الهجري. وعنوان مقرها كما هو مسجل في الصفحة الداخلية للغلاف هو: صندوق البريد 88، تلمسان، الجزائر. ورغم أن المجلة تطبع في تلمسان إلا أنها تباع في كثير من المدن الجزائرية والتونسية، وكذلك في المدن المغربية كالرباط وفاس ومكناس وطنجة.

وساهم في تحريرها نخبة من الكُتاب، أذكر منهم: محمد الصالح رمضان، أبو مدين الشافعي، والكُتاب المغاربة عبد الله كنون وعبد القادر مقدم وإبراهيم الألفي السوسي، والشاعر التونسي مصطفى خريف والعالم التونسي نور الدين بن محمود، .....الخ. وكانت تهتم بالأدب والعلوم والفنون، وتنقل أخبارا ثقافية محلية ودولية وتعنى بعرض الكتب.

وكانت العبقرية تقتبس مقالات لبعض الكُتاب الجزائريين والعرب، منها المقالة المتسلسلة للشيخ عبد الحميد بن باديس حول العقيدة الإسلامية، والتي نشرها تلميذه محمد الصالح رمضان بعد استقلال الجزائر، أو مقالات الكاتبين المصريين محمد عبده عزام وعلي حافظ المنشورة في مجلة "الكاتب المصري". كما ترجمت العبقرية الدراسة التي أعدها الأستاذ رونيه باسيه حول "مصادر كتاب "سلوة الأنفاس"، ونشرتها في العدد الخامس.

أما صاحب المجلة، الشيخ عبد الوهاب بن منصور فإنه ولد يوم 17 نوفمبر 1920 بمدينة فاس، وتوفي في مدينة الرباط يوم 12 نوفمبر 2008. نال شهادة الإجازة في الدراسات الإسلامية من جامع القرويين بفاس، وانخرط مبكرا في العمل السياسي الوطني. انتقل إلى الجزائر واتصل بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كلفته بإدارة مدرسة ندرومة. وشارك في نشاطها الثقافي والدعوي، وكتب مقالات نقدية وأدبية وتاريخية في جريدتها الإصلاحية "البصائر".

وبعد استقلال المغرب في عام 1956، عاد الشيخ بن منصور إلى الرباط واشتغل أستاذا للتعليم الثانوي الرباط وسلا، ثم تقلد مناصب إدارية سامية: مدير عام للإذاعة والتلفزيون، ورئيس للديوان الملكي، ومدير الوثائق الملكية... وله مؤلفات عديدة منها: "أعلام المغرب العربي"، في عدة أجزاء، "مشكلة الحماية القنصلية بالمغرب من نشأتها إلى مؤتمر مدريد سنة 1880"، و"وقبائل المغرب"... وحقق كذلك العديد من كتب التراث العربي، أذكر هنا بعضا منها: "روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحاضرتين مراكش وفاس" للمقري، "أخبار المهدي ابن تومرت وبداية دولة الموحدين" لأبي بكر ابن علي الصنهاجي، و"مثلى الطريقة في ذم الوثيقة" لمحمد بن الخطيب السلماني...الخ.

حيثيات نص ابن عاشور:

نشرت مجلة العبقرية نص خطاب الشيخ ابن عاشور في العدد الثالث (3)، الصادر في شهر شعبان 1366هـ، والموافق لـ جويلية 1947، في الصفحتين 79 و80. ورغم أن المجلة لم تشر إلى الهيئة التي نظمت هذه الحفلة التكريمية للعالم الجزائري ابن باديس، ولم تحدد مكان انعقادها أو أسماء المشاركين في فعالياتها إلا أن هنالك بعض القرائن التي تدفع إلى القول أن الهيئة المنظمة هي جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين في مركز جمعية الشبان المسلمين.

وجدير بالقول أن أذكر أن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أرسل رسالة إلى المشاركين في تلك الندوة الاحتفالية التي حضرها نخبة من العلماء التونسيين والطلبة الجزائريين. والمجلة نشرت رسالة الشيخ الإبراهيمي، وكذلك مداخلة الشيخ نور الدين بن محمود والتي عنوانها: " أسلوب ابن باديس"، سأعود إليهما بحول الله في مناسبة أخرى.

العلاقة بين ابن باديس وابن عاشور:

إذا كان ابن باديس قد درس على الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في جامع الزيتونة خلال وجوده في تونس بين 1908و1911، فإنه لم يكن يعرف في تلك الفترة ابنه محمد الفاضل الذي كان يصغر ابن باديس بعشرين سنة. غير أن ابن باديس عاد مرات عديدة إلى تونس والتقى أساتذته القدماء، وكذلك علماء الزيتونة المعروفين، ومنهم الشيخ محمد الفاضل الذي استقبله في ماي 1937 بالجمعية الخلدونية ليقدم محاضرة حول الأستاذ بشير صفر.

ولا شك أنهما التقيا في مناسبات أخرى حينما كان محمد الفاضل يزور الجزائر أيام دراسته في جامعة الجزائر أو خلال مروره بالقطر الجزائري متجها إلى المغرب الأقصى الذي زاره عدة مرات وقدم فيه محاضرات عديدة، جمعها فيما بعد الباحث عبد الكريم محمد تحت عنوان: "محاضرات مغربيات". كما ساهم الشيخ ابن عاشور ببعض المقالات في مجلة "الشهاب" لصاحبها ابن باديس.

ومهما يكن عدد اللقاءات بين العالمين أو تنوع طرق التواصل الفكري بينهما فإن علاقاتهما كانت دائما قوية ومتينة، تجسد روح الوحدة بين البلدين وأواصر المحبة بين الشعبين، وسيرى القارئ للمقال التالي دليلا ساطعا على ذلك.

خطاب ابن عاشور:

«لم يكن من سابق أملي أن أحظي البدن بهذا الشرف العظيم، شرف الاشتراك بالإشادة بذكرى الزعيم الإسلامي الشهير خالد الذكر العلامة المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس الصنهاجي القسنطيني الزيتوني، فقد كان واجب أكيد يدعوني لأن أكون في هذه الساعة بعيدا عن الحاضرة ببلاد الجريد، ولكن لما دعيت من طرف الإخوان الجزائريين لأن أتكلم في هذا المجتمع المبارك الرهيب شعرت بأن واجب الإجابة إلى هذه الدعوة هو أوكد، كما أنه إذا وزن بواجب آخر رجح، فقررت أن أبقى هنا لأخطب بين أيديكم وأن أرجئ الرحلة التي اعتزمت القيام بها في سبيل الواجب.

وهل من واجب على المسلم في مشارق الأرض ومغاربها أوكد من واجب الوقوف في صف الشعب الجزائري وتلبية الوطن الجزائري كلما دعا داعية فإن فضل النهضة الجزائرية على العالم الإسلامي فضل عظيم وإن أثر الشيخ عبد الحميد بن باديس في تلك النهضة أثر إنشائي رئيسي.

وإن الذي يدرك أن العالم الإسلامي من بحر طنجة لأرخبيل الفلبين هو جسم واحد متماسك الأعضاء مثخن بالجراح، يستطيع أن يدرك بوضوح أن كل جرح من الجراح الدامية بذلك الجسم إن أهمل فسد وتعفن واستقر فيه وكان من المستحيل بعد ذلك أن يقف الهلاك عند حد دون أن يطغى على الجسد كله لاسيما إذا لم يكن هذا العضو من الأعضاء التي لا يستطاع قطعها.

لذلك كانت كل قضية من قضايا العالم الإسلامي هي قضية الإسلام كله فليس موقفنا من أند ونسيا ومصر وفلسطين موقف تضامن ومعاضدة أخوية فحسب، ولكنه موقف الدفاع عن الذات ورد لغائلة الخطر المهدد لجوهر الحياة، وما تكريمنا للشيخ عبد الحميد إلا تكريم للفكرة العبقرية والنزعة الإصلاحية الفلسفية التي دفعت به فريدا إلى موقف إحياء التعاليم الإسلامية في وطن أوشكت شمس الإسلام أن تتخلص في ربوعه بعد ثمانين عاما قضاها في أغلال الأسر، فإن وقع المصيبة واستمرارها وطول أمدها وخيبة المصارعات الكبرى التي بذلت في سبيل الإفلات من الغل قد كوّنت حول الشعب الجزائري دائرة من التصوّرات المزعجة إن لم تزرع فيه روح الاستسلام واليأس، فقد زرعت فيه الذهول والسموم والاستلقاء بحر جارف التيار في غفلة عن غايته فأصبحت الحالة المفروضة على الجزائر لا يطمئن إليها الجزائريون، ولكنهم يسيرون معها، ولا يسلمون بها ولكنهم يتقبلونها، فكان ذلك عرضا خطيرا من عوارض الإغفاء القلبي، وكان في حقيقة اجتماعية تحول بين الأمة وبين تفكير في مصيرها لأنها فقدت شعور النفور من الحاضر الذي هو أصل النظر في المستقبل.

فكان الذي راحت في نفسه الدهشة واسترعاه النفور جدير أن يعتبر في منزلة ممتازة من منازل الإدراك الإنساني، هي منزلة الشعور العقلي الذي يفوق محيط العوائد المسلمة وينفر من كل وضعية ويندهش في كل قضية اندهاشا يدفع به إلى تطلب عللها وبراهينها وقديما قال المعلم الأول أرسطاطاليس: "إن الدهشة أول باعث في الفلسفة".

تلقى فقيدنا الشيخ عبد الحميد تعاليم الإسلام، وتشرب روح العروبة، فكانت روحه الفلسفية متوجهة نحو تسليط تلك التعاليم وهاتيك الروح على ما بين جنبيه وجنبي عموم الشعب الجزائري من حالة الذهول عن الذات، والانقطاع عن تأثير تلك التعاليم الطاهرة، والروح الإنسانية.

لقد كان يقول في نفسه كما تلقى حقيقة جديدة في الجامعة الزيتونية، هذه هي نفسي، وهذه حقيقتها لأني مسلم عربي، وهذا أمر يشاركه فيه كل أحد، ولكن الذي كان يزيد به هو على الناس هو تساؤله عن حقيقة الأمر الواقع هل هي كذلك أو لا؟ وهل الجزائريون يعتبرون عند أنفسهم وعند غيرهم بهذا الاعتبار؟ فيجيب الواقع مخالفا، ويندفع نحو بحث الواقع كما هو، ثم كما ينبغي أن يكون وذلك هو عماد الفلسفة ثم يستمد من عزيمته القعساء روح المجاهرة بـ (الذروة) فإذا هو يصرح بالحقائق البسيطة في النظر المتعبة في العمل فيقول: "إن نتعلم غير تعليمنا ونعش في غير مجتمعنا وننظر بغير أبصارنا وندرك بغير عقولنا فهل نحن موجودون؟ كلا! لا يكمل وجودنا إلا بعد أن يستكمل عقولا وأبصارا وعيشا وتعليما وأن نخرج من هذه الفوضى الحيوانية أنت أنت، أنا أنا إلى الحقيقة الناصعة الوضاءة التي وضع قاعدتها في خلاصة فلسفية:

شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله *** أو قال مات فقد كذب ».

مسك الختام

لطرافة هذا المقال وما في كلماته وعباراته من وفاء وتقدير، نقلته كاملا إلى قُراء البصائر، وآملا أن يكون في نشره نفع كثير للمهتمين بتاريخ الفكر الإصلاحي المعاصر، وللباحثين المشتغلين في هذا الميدان.


أ.د. مولود عويمر- أستاذ تاريخ الفكر المعاصر بجامعة الجزائر 2

آخر التغريدات: