منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ممارسة النصيحة وأثرها في إصلاح الواقع الاجتماعي الجزائري (3/3)

بقلم: أ.د. كمال لدرع-

رابعا: مجالات النصيحة عند جمعية العلماء:

1. محاربة البدع ومظاهر الشرك:

لقد شنت جمعية العلماء حملة منظمة ومتواصلة على البدع والخرافات والشعوذة والتوسل بالأضرحة، بواسطة الخطب والمحاضرات، ودروس الوعظ والإرشاد في المساجد والأندية، والأماكن العامة والخاصة، حتى في الأسواق، وعبر المقالات في جرائدها الخاصة التي أنشأتها، لكن بالعلم والبرهان، وتوظيفا محكما لنصوس الكتاب والسنة، قال العلامه ابن باديس: (إن الواجب على كل مسلم في كل مكان وزمان أن يعتقد عقدا يتشربه قلبه، وتسكن له نفسه، وينشرح له صدره، ويلهج به لسانه، وتبني عليه أعماله، أن دين الله تعالى من عقائد الإيمان وقواعد الإسلام وطرئق الإحسان، إنما هو في القرآن والسنة الصحيحة وعمل السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأن كل ما خرج عن هذه الأصول ولم يحظ لديها بالقبول. قولا كان أو عملا أو عقدا أو احتمالا. فإنه باطل من أصله، مردود على صاحبه، كائنًا من كان، في كل زمان أو مكان)(68)، وقال الشيخ الإبراهيمي: (الدعوة إلى الله وظيفة أهل الحق من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهي أثمن ميراث ورثوه عنه، وهي أدق ميزان يوزن به هؤلاء الورثة ليتبين الأصيل من الدخيل، فإذا قصر أهل الحق في الدعوة إليه ضاع الدين، وإذا لم يحموا سننه غمرتها البدع، وإذا لم يجلوا محاسنه علتها الشوائب فغطتها، واذا لم يتعاهدوا عقائده بالتصحيح داخلها الشك، ثم دخلها الشرك، وإذا لم يصونوا أخلاقهم بالمحافظة والتربية أصابها الوهن والتحلل، وكل ذلك لا يقوم ولا يستقيم ولا بقيام الدعوة واستمرارها واستقامتها على الطريقة التي كان عليها محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه الهداة من العلم والبصيرة في العلم، والبينة من العلم والحكمة في الدعوة، والإخلاص في العمل، وتحكيم القرآن في ذلك كله)(69)، وقال الشيخ العربي التبسي: (وهذه الطائقة التي نفسها سعيدة بالنسبة إلى السلف وأرجوا أن تكون ممن عناهم حديث مسلم (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة(70)) الحديث. فقد وفقوا لتقليد السلف في إنكار الزيادة في الدين، وإنكار ما أحدثه المحدثون وما اخترعه المبطلون، ويرون أنه لا أسوة إلا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو من أمرنا بالإتساء به، فلما شاركوا السلف وتابعوهم في هذه المزية الإسلامية نسبوا أنفسهم إليهم، ولم يدع أحد منهم أنه يدانيهم فيما خصهم الله به من الهداية التي لا مطمع فيها لسواهم)؛ وقال أبضا: (أما السلفيون الذين نجاهم الله مما كدتم لهم فهم قوم ما أتوا بجديد، وأحدثوا تحريفا، ولا زعموا لأنفسهم شيئا مما زعمه شيخكم، وإنما هم قوم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر في حدود الكتاب والسنة، ونقمتم منهم إلا أن آمنوا بالله وكفروا بكم)(71).

ومن ابدع ومظاهر الشرك التي حاربتها الجمعية الذبح والنذر لغير الله تعالى(72) والاستعانة بغير الله(73)، وبناء المساجد على القبور(74)، والغلو في الصالحين(75)، وتقديس شيوخ الطرق الصوفية، وإثبات علم الغيب لغير الله، والحلف بغير الله(76)، والسحر.

وقد ألف أحد علماء الجمعية وهو الشيخ مبارك الميلي كتابا نفيسا في محاربة كل أنواع البدع والشرك سماه "رسالة الشرك ومظاهره"(77) اعتنى فيه ببيان حقيقة التوحيد الذي هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وبين الشرك الأكبر الذي ينافي أصل التوحيد، والشرك الأصغر المنافي لكماله، وبين أيضا الذرائع والوسائل المقربة إلى الشرك أو الموقعة فيه، والبدع القادحة في التوحيد، والمعاصي المنقصة لثوابه.

2- نشر الأخلاق الفاضلة:

اهتمت الجمعية ببث الفضائل والأخلاق بين الناس واعتبرها أساس صلاح المجتمع، وتوثيق العلاقات بينهم، لذلك ما فتئ علماء الجمعية في خطبهم ومقالاتهم ودروسهم يدعون الناس إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة، لأنها لا تنفك عن تعاليم الإسلام، وهي من أهم ما يثمره التزام المسلم بالعبادات، فالقانون الأساسي للجمعية ينص: (على أنها تهذيبية إرشادية وأنها تحارب الآفات الاجتماعية وكل ما يحرمه صريح الشرع)(78)، يقول الإبرهيمي: (وأما اللازم الثاني، أي للدين، وهو الأخلاق فنحن أحوج ما نكون إليه في هذا الزمان الذي كثرت فيه المبادئ العاملة على هدم الأخلاق الخيرية، وكثرت فيه الأذواق المتطرفة التي تستمرئ الرذيلة على الفضيلة، وإذا كان عقلاء الأمم التي أرقى منا بكثير تشكو فساد الأخلاق في أممها فمن نحن وأين نكون؟ فالواجب على اجتماعنا الذي ننشد تكوينه أن يبذل مجهودات قوية لرفع درجة الأخلاق عندنا، ومن فكري الخاص أن هذه الناحية من أمراضنا هي أيسر معالجة من جميع النواحي إذا أحسنا تسيير الجهود الفردية في التريية المنزلية، لأن لنا أساسا نبني عليه ولا يعسر إحياؤه وهو الأخلاق الإسلامية المتوارثة في الجملة، والتي نجد معظمها في القرآن في أوضح بيان، ثم الأخلاق العربية المأخوذة من آدابهم التي هي أنفس ما خلفوه لنا من التراث. فإذا تمكنا بالتدريج من ضع هذه الجراثيم الأخلاقية التي أشدت مجتمعنا وتكوين أفق أخلاقي صالح نكون قد جنينا من اجتماعنا شيئا هو ثمرة الثمرت وفائدة الفوائد)(79).

وقد اتخذت الجمعية من التعليم طريقا لترسيخ الأخلاق، وجعلت التربية لازمة للتعليم، بل سابقة عن التعليم، فلا معنى لعلم لا تتبعه الأخلاق، وإذا كان العلم ينصرف إلى الرؤوس فإن التربية تنصرف إلى النفوس(80)، واعتبرت المعلمين مربين، باعتبار أن أولى الناس بحمل الناس على الأخلاق هم المعلمون الذين يزاوجون بين التربية والتعليم، فالتربية وحمل النفس على الأخلاق طريق التزكية وبناء الإنسان، والجمعية في ذلك تتأسى بالمنهج النبوي في تربية أصحابه وتزكيتهم وإصلاح نفوسهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يفرغ النفوس من الشرور والخصال الدنيئة ويملؤها بالخير والصفات الحميدة. وهو ما بينه القرآن الكريم واعتبر أن التزكية. بعد بيان عقيدة التوحيد. من أهم وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)(81).

لقد علمت الجمعية أن انتشار الفساد وانحلال الأخلاق عائق خطير أمام التغيير والإصلاح، فعملت على إحياء الأخلاق الإسلامية من أجل إصلاح أحوال المسلمين، سالكة في ذلك منهج التخلية ثم التحلية، الذي عبر عنه بعض الصحابة: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفرعنا ثم يملؤنا). فرجوع المسلمين إلى الأخلاق الإسلامية هو الذي يحيي الأمة، وبزكي نفوس أفردها، ويقوي صلاتهم، ويهذب طبائعهم، فينتصرون على أهوائهم وشهواتهم.

3. الاهتمام بالمرأة وإصلاح شأنها:

كان الجمود واقفا في سبيل المرأة ومانعا من تعليمها، فجاءت جمعية العلماء وأنابت الجمود وكسرت السدود وأخرجت المرأة، من سجن الجهل إلى فضاء العلم في إطار التربية الإسلامية والضوابط الشرعية، والجمعية تبني أمرها على حقيقة وهي أن الأمة كالطائر لا تطير إلا بجناحين، وجناحاها هما الرجل والمرأة، فالأمة التي تخص الذكر بالتعليم تريد أن تطير بجناح واحد، فهي واقعة لا محالة. ولجمعية العلماء جولات موفقة في هذا الميدان، فالنساء أصبحن يشهدن دروسا خاصة بهن في الوعظ والإرشاد وبفهمن ما للمرأة من حقوق وما عليها من واجبات.

وكان أهالي الجزائر في زمن الاستعمار يمنعون بناتهم من الذهاب إلى المدارس الحكومية، لأن القائمين عليها ليسوا مسلمين. فبقيت المرأة بعيدة عن التعليم إلى أن ظهرت بوادر الحرية الإصلاحية، فنادى الشيخ ابن باديس بضرور تعليم البنات، وتوفير المكان المناسب لهن دون الاختلاط بالذكور، معطيا بذلك روحا جديدة للتعليم في الجزائر لم يكن معهودا فيها من قبل، لاعتقاده رحمه الله أن المجتمع لا ينهض إلا بالجنسين الرجل والمرة، مثل الطائر لا يطير إلا بجناحيه، فيقول: (النساء شقائق الرجال في التكليف فمن الواجب تعليمهن وتعلمهن)(82).

والجمعية تعتبر المرة المسلمة هي عماد الأسرة الصالحة وقوام البيت السعيد، وهي منتجة الرجال ومربية الأجيال، فقد أولت تعليمها اهتمانا كبيرا، مدركة الخطر المحدق بالأمة إذا تربت المرأة بغير تعليم، وفي ذلك يقول الشيخ ابن باديس: (علينا أن نكمل النساء تكميلا دينيا، يهيئهن للنهوض بالقسم الداخلي من الحياة، وإعداد الكاملين ومساعدتهم للنهوض بالقسم الخارجي منها، وبذلك تنتظم الحياة انتظاما طبيعيا تبلغ به الإنسانية سعادتها وكمالها)(83). وإذا أريد للمرأة المسلمة القيام بوظيفة تربية الأجيال، قلابد من توافر الشروط التي تؤهلها للقيام بذلك، مثل العلم الشرعي والعمل به، وهو ما يشير إليه ابن باديس بقوله: (علينا أن ننشر العلم بالقلم في أبنائنا وبناتنا، في رجالنا ونسائنا، على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن تصل إليه من العلم الذي هو تراث البشرية جمعاء، وثمار جهادها في أحقاب التاريخ المتطاولة. وذلك نستحق أن نتبوأ منزلتنا اللائقة بنا والتي كانت لنا بين الأمم)(84).

وكان ابن باديس يعرض لتراجم بعض نساء السلف في دروسه ومقالته في جرائده ومجلاته حتي يغرس الفضائل والأخلاق وحب التضحية في المرأة الجزائرية التي كان يرى بأن عبء الدعوة والإصلاح ينهض به معا كل من الرجل والمرأة، فعندما نتاول في بعضى مقالاته قصة استشهاد سمية بنت خياط أول شهيدة في الإسلام وزوجها ياسر، يقول معلقا: (لا تقوم الحياة إلا على النوعين اللذين يتوقف العمران عليهما، وهما الرجال والنساء... وانظر إلى حظ المرأة السبق إلى تأييد الإسلام بالنفس والمال، والعطف والحنان، فأول مال وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مال خديجة، وأول عطف لقيه وأول قلب انفتح لسماع كلمة النبوة. كما في حديث بدء الوحي هو عطف خديجة وقلب خديجة، وأول شهيدة في الإسم كما اتفق عليه علماء السيوخ هو سمية. فلن ينهض المسلمون نهضة حقيقية إسلامية إلا إذا شاركم المسلمات في نهضتهم، في نطاق عملهن الذي حدده الإسلام وعلى ما فرضه عليهن من صون واحتشام)(85). وفي مدارس جمعية العلماء نحو ثلاثة عشر ألف بنت يشاركن الأولاد في السنوات الثلاث الأولى من المرحلة الابتدائية، ثم ينفردن ببرنامج خاص بهن.

لذا كان تعليم المرأة أمرا حيويا بالنسبة لمستقبل الأمة، فبصلاحها يصلح البيت ويستقيم أمر المجتمع. ويذهب الشيخ ابن باديس إلى عدم اختلاط البنات بالذكور في التعليم، لأن في ذلك مفسدة لهم، ويميل رحمه الله إلى أن يجعل لتعليم النساء يوما خاصا، ويتكرر هذا اليوم بقدر الحاجة، ولما كانت الحاجة دائمة فاليوم مثلها. والمرأة تقوم بمهمة عظيمة ومسؤولية كبيرة، فهي صانعة الرجال ومربية الأجيال، لذلك وجب تهيئتها، وإعدادها الإعداد اللازم لمثل تلك المهمة.

ومن مبادرات الجمعية لتشجيع المرأة على طلب العلم، وحث الأولياء على تعليم بناتهم إقرار مجانية التعليم للبنات، وفي هذا يقول الشيخ ابن باديس: (فندعو إخواننا المسلمين إلى المبادرة بأبنائهم وبناتهم إلى المكتب (مكتب جمعية التربية والتعليم بقسنطينة). فأما البنات فلا يدفع منهم واجب التعليم (الرسوم) إلا القادرون، وأما البنات فيتعلمن كلهن مجانا، لتتكون منهن -بإذن الله- المرأة المسلمة المتعلمة)(86).

4 . تقديم النصيحة للمخالفين لها في المنهج:

أ . موقفها من الطرق الصوفية:

ذكرنا سابقا أنه من عوامل ظهور الجمعية اشتداد تأثير الحركات الصوفية المنحرفة على كثير من الجرائريين، وازدياد نشاطها، وتكاثر طرائقها، فانتشرت في كثير من المدن والقرى والبوادي، فأصبحت تصول وتجول، وصار الناس والأتباع منشغلين بسير الشيوخ وكراماتهم، والخوض في أمور الغيب على سبيل اليقين، والتعلق المثير بمشاهد البركة والمناقب والكرمات. أما المريدون فأغرقوا في العبادات والأذكار الموضوعة التي لم يكن عليها السلف. ورغم وقوف الطرقية منذ البداية بقوة ضد تأسيس جمعية العلماء وحاولت بكل ما أوتيت من قوة، إلا أن الأعضاء المؤسسين للجمعية وجهوا الدعوة إلى جميع العلماء والمشايخ، وكان مجلسها الإداري الأول يضم إلى جانب رجال الإصلاح بعض الطرقيين ورجال الدين الرسميين التابعين للسلطة الفرنسية، وهذا محاولة من علماء الجمعية لكسبهم وإرجاعهم عما هم فيه من الانحرف، ومعاملة لهم بالحسنى، لكن نية هؤلاء الطرفيين كانت من أجل إفشال مشروع الجمعية كفكرة وكنتظيم، أو من أجل السيطرة على الجمعية وتسخيرها وفق مصالحهم وأهوائهم، لكنهم أخفقوا في احتوائها، (ولكنهم ما أكملوا السنة الأولى حتى فروا من الجمعية، وناصبوها العداء، واستعانوا عليها بالظلمة، ورموها يالعظائم... ذلك لأنهم وجدوا كثير من الآفات الاجتماعية التي تحاريها الجمعية هم مصدرها، وهي مصدر عيشهم، ووجدوا قسما منها مما تغصب محاربته سادتهم ومواليهم)(87). بل قام رجال الصوفية بدعم من سلطات الاحتلال إلى تأسيس (جمعية علماء السنة) في خريف سنة 1932 م، تضم الطرقيين ورجال الدين الرسميين إضافة إلى بعضى العلماء المأجورين، لمناهضة جمعية العلماء، ومناصبتها العداء. ودعموا حملتهم بإصدار بعض الصحف، منها (المعيار) و(الرشاد)، وقد انضمت إلى هذه الحملة جريدة النجاح التي كانت في بدايتها إصلاحية. إلا أن التنافس بين أعضائها وغياب الاستعداد والإخلاص الحقيقي لله تعالى ثم للوطن أفشل هذا المشروع في مهده.

لقد ادركت الجمعية بعد التروي والتثبت، ودراسة أحوال الأمة ومنشئ أمرضها، أن هذه الطرق المبتدعة ضالة ومضلة، وهي سبب تفزق المسلمين، بل السبب الأكبر في تضليل الناس وتخديرهم. فاتبعت منهج الحكمة والبرهان العلمي في نصحهم وتنبيههم إلى انحرافاتهم، وتحذير الناس منهم، يقول الشيخ الإبراهيمي: (أنها على العلل في الإفساد ومنبع الشرور... ونعلم أننا حين نقاومها، نقاوم كل شر، وأننا حين نقضي عليها -إن شاء الله- نقضي على كل باطل ومنكر وضلال، ونعلم زيادة على ذلك أنه لا يتم في الأمة الجزائرية إصلاح في أي فرع من فروع الحياة مع وجود هذه الطرق المشئومة)(88).

فخطر الطرقية كان عظيما، لأنها ألعوبة في يد الاستعمار، يسخرها لتنفيذ مخططاته، وثني الجزائريين الساذجين عن مقاومة المستعمر، حيت كانت تبث أفكارها ومعتقداتها المسمومة، كالتواكل، والانشغال بالأوراد الموضوعة، واعتبار الاستعمار قضاء وقدر ينبغي التسليم به والصبر عليه.

قكانت الطرقية أحد أهم العوائق والعقبات التي واجهت عمل الجمعية مما جعل هذه الأخيرة لا تكتفي بتوجيه نظرها واهتمامها نحو الاستعمار الفرنسي وإنما نحو هذا العائق الداخلي الذي تحول إلى أداة طيعة بيد المستعمر البغيض، فجعلت الجمعية ضمن أولويات عملها تخليص الناس من شرورهم وخاضت مع هؤلاء المنحرفين في العقيدة والعبادة أنصار الاستعمار حربا صعبة فقاومت بدعهم وضلالاتهم، وتمكنت من تطهير الدين من الخرافات والبدع ومظاهر الشرك المختلفة.

وقد أتت نصيحة الجمعية ثمارها وأكلها حيت تمكنت من تغير نظرة الكثيرين فابتعدوا عن الطرفية، وأصبح هم الشعب يكمن في العمل على إخرج الفرنسيين من البلاد بدلا من الخضوع والمطالبة بالمساواة أو الإدماج.

إن الجمعية صححت عقائد الناس وحاربت الطرقية التي نشرت الشرك وعددت الناس للمشايخ ولفرسا، وحاربت العقائد الفاسدة التي كانت تبثها بين الناس كعقيدة الإرجاء والتواكل والجبر وعدم الأخذ بالأسباب. وهذا إدراكا من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن سبيل الخلاص من الاستعمار هو تخليص الشعب أولا من أمرضه الذاتية، وبعدها يتخلص هو بنفسه من المستعمر، فنجحت إلى حد بعيد في معالجة الأمراض الداخلية ومقاومة التغريب والفرنسة، ومجهودها كان مقدمة للعمل الثوري المسلح(89)، يقول العلامه البشير الإبرهيمي: (إن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين، آت من جهتين متعاونتين عليه، أو بعباره أوضح من استعمارين مشتركين؛ يمتصان دمه ويفسدان عليه دينه ودنياه: استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي. واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثرون في الشعب، والمتغلغلون في جميع أوساطه، والمتجرون باسم الدين، والمتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية. وقد طال أمد هذا الاستعمار الأخير، وثقلت وطأته على الشعب، حتى أصبح يتألم ولا يبوح بالشكوى، خوفا من الله بزعمه. والاستعماران متعاضدان، يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، وغرضهما معا تجهيل الأمة، لئلا تستعين بالعلم. وتفقيرعا، لئلا تستعين بالمال على الثوواً. وإذن فلقد كان من سداد الوأي أن تبدأ الجمعية بمعاوية هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون وهكذا فعلت)(90).

ب. موقفها من الأحزاب السياسية الجزائرية:

كان منهج الجمعية في العمل هو تجنيب جمعيتهم الصراعات السياسية والحزبية مع بقية التنظيمات والأحزاب الجزائرية الأخرى، وحرصت على حسن التعاون معها خدمة للوطن وتخليصه من الاستعمار، ورغم محاولات الاستفزاز التي شنتها بعض التنظيمات الحزبية الوطنية تجاه الجمعية ورئيسها إلا أن الجمعية التزمت الحكمة في التعامل، والرد بالحسنى، حتى لا تنشغل بالصراعات الهامشية عن القضايا الجوهرية لئلا تستغل من قبل الاستعمار المتربص، يقول ابن باديس: (أما موقف الجمعية مع خصومها، فإنها تعلم أن الأمة اليوم تجتاز طورا من أشق أطوارها وأخطرها، فهي تتناسى كل خصومة، وتعمل لجمع الكلمة، وتحيد الوجهة، ولا تنبذ إلا أولئك الرؤوس: رؤوس الباطل والضلال الذين لا تجدهم الأمة في أيام محنتها إلا بلاء عليها، ولا يتحركون إلا إذا حركوا لغايات عكس غاياتها)(91).

ومما يدل على حسن نية الجمعية هو حضورها بقوة في المؤتمر الإسلامي سنة 1936 م التي كانت من بين الداعين إليه من أجل إنشاه إطار يجمع بين العناصر الفاعلة في الساحة الجزائرية، والذي ضم هيئات وحركات وحزاب، والذي قال فيه ابن بادبس: (لا أعرف من معنى المؤتمر الإسلامي الجزائري، إلا أنه اتحاد جميع العناصر الجزائرية للمطالبة بالحقوق الواجبة لها على فرتسا كأمة مرتبطة بها، والمحافظة على المقومات اللازبة لها كأمة عربية مسلمة، وعلى هذه العقيدة دعوت للمؤتمر، وعليها عملت فيه، وعليها سأبقى عاملا)(92).

فالجمعية كانت تقدم النصيحة للأحرب المختلفة إلى ترك أسباب الاختلاف التي تفرقهم وتضعفهم، وإلى ضرور توحيد الجهود والعمل سويا وأن يكونوا يدا واحدة من أجل تحرير الوطن من الاستعمار الغاشم، وأن لا ينشغلوا بالصراعات الجانبية، ويغفلوا عن القضايا المصيرية المشتركة التي تهم الوطن الجزائري. كما كانت تدرك خطورة الصراع والنزاع مع بقية النتظيمات الحزبية التي اختارت النضال السياسي، وهي تعلم مدى حرص السلطة الاستعمارية على تأجيج مثل هذه الصراعات، لما فيها من هدم لأسباب الوحدة ومنع التعاون بين تيارات الحركة الوطنية المختلفة فيتسنى للاستعمار السيطرة أكثر على الشعب الجزائري.

5. تحذير المجتمع من خطر المخططات الاستعمارية:

أ. الزعم بأنه لا وجود للأمة الجزائرية:

قاومت الجمعية المخططات والأفكار الاستعمارية بكل الوسائل الإصلاحية، ومنها أنه لم يعد وجود للأمة الجزائرية ذات الخصوصية الحضارية، والتي تبناها للأسف بعض المثقفين الجزائريين آنذاك.

فعملت بالفكر والعمل والإصلاح على إبطال النظرية الاستعمارية الفرنسية التي أقنعت كثير من النخبة الجزائرية بعدم وجود أي أمة جزائرية في التاريخ وارتباط الجزائر عضويا ومصيريا بمستقبل فرنسا. ورد علماؤها بقوة على هذا الفكر المتحرف الخاطئ الخطير، ومنهم ابن بادبس الذي نشر مقالا بعنوان: "كلمة صريحة" يرد فيه على أحد دعاة الإدماج الذي أنكر فيه وجود الأمة الجزائرية في التاريخ(93)، وجاء فيه يقول: (ثم إن الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها، وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري)(94).

وكرد فرسا عنيفا على رجال الإصلاح، فحاربت جمعيتهم ووضعت في طريقها الدعوي كل العقبات. ففي 16 فبراير 1933 م نشر والي العاصمة بيانا هاجم فيه جمعية العلماء واتهمها بالعمالة للجامعة الإسلامية. وبعد يومين أصدر قرارا بمنع العلماء من التدريس والإرشاد في المساجد دون رخصة من السلطة الفرنسية. وبلغ الصراع أوجه في عام 1938 م، إذ أصدر وزير الداخلية الفرنسي قانون 20 يناير للتضييق على نشاطات الجمعيات والنوادي الثقافية والرياضية التابعة لجمعية العلماء، وبقرار 8 مارس الصادر من الوزير نفسه، أغلقت عدة مدارس حرة، واعتقل كثير من العلماء بذريعة عدم امتلاك الرخصة للقيام بوظيفة التدريس.

ب. إعادة الاعتبار للغة العربية:

لقد انتهج الاستعمار الفرنسي خطة مدروسة للقضاء على كل مقومات الشعب الجزائري، ومحاربته بشدة للدين الإسلامي عن طريق عدم المساجد وتحويل بعضها إلى ثكنات ومرافق عامة، ومحاربة اللغة العرلبة لغة القرآن الكريم. وأدرك منذ الوهلة الأولى أنه لا سبيل لإبعاد الجزائريين عن دينهم وقرآنهم إلا بانتزاع اللسان العربي أو إضعافه، وإحلاله باللسان الفرنسي، حتى لا يكاد الإنسان الجزائري يمت بصلة إلى قرآنه وسنة نبيه. فضيق الخناق على تدريس اللغة العربية في المساجد، وأنشأ مدارس يشرف عليها تدرس اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية، لمسخ الشخصية الجزائرية وإنتاج عنصر بشري يكون مواليا لفرنسا، يقول الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: (لا جرم كانت اللغة هي الهدف الأول للمستعمرين، فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته، إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر، حتى إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشىء على لغة، ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء)(95).

فكان تركيز جمعية العلماء المسلمين على اللغة العرية صائبا، وإعطاؤها الأولوية في التدريس لتفويت الفرصة على المستعمر، فأحيت دراسة متونها كالآجرومية والألفية، وحثت الطلبة أن لا يتكلموا أو يتخاطبوا أو يتكاتبوا إلا بها، وشجعتهم على الكتابة بها في الجرائد، ونظمت المسابقات في قرض الشعر والخطابة، وعرف علماؤها بفصاحة اللسان وبلاغة الخطاب والإبداع في النظم والنثر.

ومن المخططات الاستعمارية في محاربته للغة العربية هو محاولته إحلال اللهجة البربرية مكان اللغة العربية خاصة في منطقة القبائل، تفريقا للأمة الجزائرية وسعيا منه بث النزاع والخلاف والعداوة بين أبناء الوطن الواحد، لذلك ما فتئ علماء الجمعية يدافعون عن عروبة الجزائر ماضيا وحاضر في كل مناسبة، ويؤكدون على رسوخ اللغة العربية في المجتمع الجزائرى(96)، فيقول الشيخ الإبرإهيمي: (اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة ولا دخيلة، بل هي في دارها، ويين حماتها، وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل ممتدة مع الماضي لأنها دخلت هذا الوطن مع الإسلام)(97).

إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعتقد كما يعتقد أي معلم في الأرض أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للإسلام والمسلمين، ولها على الجزائريين حق الحفاظ عليها والاعتزاز بها، لأنها تمثل لغة دينهم، وجزءا من مكونات شخصيتهم، وأساس هويتهم، وعنصر انتمائهم إلى أمتهم، يقول الإبراهيمي: (إن هذه الأمة تعتقد وتموت على اعتقادها أن لغتها جزء من كيانها السياسي والديني وشرط في بقائها، وقد التقى على الكفاح في سبيلها الدين والسياسة، فلم يختلف لهما فيه رأي، ولم يفترق لهما قصد)(98).

كما تعتبر الجمعية أن اللغة العربية عاملا جامعا بين الجزائريين على اختلاف أعراقهم وتنوع لهجاتهم، بها يتفاهمون وبتخاطبون فيما بينهم. وهذه اللغة إلى جانب الإسلام هي العامل الذي يجمع ماضي الجزائر بحاضرها ومستقبلها، يقول ابن باديس في هذا الصدد: (لا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأغر والمستقبل السعيد، إلا هذا الحبل المتين: اللغة العربية، لغة الدين، لغة الجنس، لغة القومية، لغة الوطنية المغروسة.. إنها وحدها الربطة بيننا، وبين ماضينا، وهي وحدها المقياس الذي نقيس به أرواحنا بأرواح أسلافنا، وبها يقيس من يأتي بعدنا من أبنائنا وأحفادنا الغر الميامين أرواحهم بأرواحنا، وهي وحدها اللسان الذي نعتز به، وهي الترجمان عما في النفس من آلام وآمال).

ويشيد الشيخ البشير الإبراهيمي بفضل اللغة العربية ومكانتها وخصائصها فيقول رحمه الله: (وقد كانت هذه اللغة ترجمانا صادقا لكثير من الحضارات المتعاقبة التي شادها العرب بجريرتهم، وفي أوضاع هذه اللغة إلى الآن من آثار تلك الحضارات بقايا وعليها من رونقها سمات، وفي هذه اللغة من المزايا التي يعز نظيرها في لغات البشر الاتساع في التعبير عن الوجدانيات، والوجدان أساس الحضارت والعلوم كلها)(99)، إلى أن يقول: (أيها الإخوان: لو لم تكن اللغة العربية لغة مدنية وعمران، ولو لم تكن لغة متسعة الآفاق غنية بالمفردات والتركيب، لما استطاع أسلافكم أن ينقلوا إليها علوم اليونان وآداب فارس والهند، ولألزمتهم الحاجة إلى تلك العلوم تعليم تلك اللغات، ولو فعلوا لأصبحوا عربا بعقول فارسية ودمغة يونانية، ولو وقع ذلك لتغير التاريخ الإسلامي برمته... لو لم تكن اللغة العربية لغة عالمية لما وسعت علوم العالم، وما العالم إذ ذاك إلا هذه الأمم التي نقل عنها المسلمون)(100).

ج. التصدي للتفرقة بين الجزائريين:

لقد حاول الاستعمار الفرنسي أن يزرع بذور الخلاف والشقاق بين الشعب الجزائري، فقسم الشعب إلى عرب وبربر، وفصل مناطق سكان البربر عن المناطق الجزائرية الأخرى، بسلسلة من الأنظمة والقوانين، وكثف من نشاط تنصيرهم وتجنيسهم، وقد تصدى ابن باديس وغيره من العلماء لهذه المحاولات، وأكد على ضرورة تمسك الشعب بعرويته وإسلاميته، فكتب ابن باديس يوما مدافعا عن وحدة الشعب الجزائري قائلا: (إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصر مسلما جزائريا أمه الجزائر وأبوه الإسلام، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم.. فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم؟ لولا الظنون الكواذب، والأماني الخوادع، يا عجبا لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي، كلا والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرإبطتهم)(101).

اتبعت الجمعية خطة عملية في تحقيق الوحدة بين الجزائريين وتفويت الفرضة على المستعمر الظالم من خلال توحيد الشعائر الدينية، وبخاصة فريضة الصيام، حيث كان يظهر الخلاف مع إقبال شهر ريضان من كل عام في شأن رؤية الهلال بين صائم ومفطر، فيجد أبواب الاستعمار منفذا لتأجيج الصرع بينهم، فتقدم ابن باديس بنصيحة للشعب جاء فيها: (إن الخلاف كله شر، وشره ما كان في الدين، وأشنع أنواعه وآلمها لكل ذي غيرةً على دينه ما يقع كل عام بهذه الديار من اختلافكم في الصوم والإفطار... إن مسألة الصوم والإفطار خرجت عندنا من باب الاعتبار الديني إلى باب التعصب الشخصي أو الحزبي، ومن آيات ذلك أن أصبحنا نرى في هذه الأمة من يصوم لأن فلانا مفطر، ومن يفطر لأن فلانا صائم. ومن القبيح الشنيع أن نجعل الدين الذي هو مناط وحدتنا ومعقد ارتباطنا موضوع اختلافنا ودائرة تفرقنا وسبب تفكك رابطتنا... أيحسن في الشرع أو يجمل في الذوق أن يكون في القبيلة الواحدة مفطر وصائم، ثم لا يكفي ذلك حتى يكون في البيت الواحد مفطر وصائم. أيحسن في الشرع أو يجمل في الذوق أن تكون في البلدة الواحدة أسرة مبتهجة بالعيد، بطالعه السعيد، كبارها يتقبلون التهاني والتبريكات، وصغارها يتقلبون في صنوف الأفراح والمسرات، بينما جار الجنب صائم ممسك وأولاده يتحرقون حسراً ويتميزون غيظا وإن كانوا لا يدرون على من؟ ولو كان الفرق يوما واحدا لهان الأمر، ولكنه اليومان والثلاثة. فلا عجب إذا كان هذا الحال من أسباب الضغائن والحقود تحملها القبيلة للقبيلة والأسرة للأسرة ثم يحملها الأولاد للأولاد)(102).

كما عملت على توحيد الشعائر الدينية المختلف فيها بين أتباع المذاهب الفقهية المختلفة، ودعت المسلمين إلى أن يحترم بعضهم بعضا في هذه الفروع الفقهية التي دلت عليها الأدلة الدينية، من ذلك ما قامت به من جهد لحسم الصراع الذي قام بين الإباضية والمالكية في شأن الأذان بمسجدي غرداية حيث قام الإباضية بمنع المالكية من إقامة الأذان للصلاة في هذين المسجدين، وقد حاول رئيس الجمعية الإمام ابن باديس أن يجد طريقا ينصح فيه الفريقين ويجمع بينهما ويجعل كلا منهما يتنازل للآخر عن بعض ما يراه حقا له، ويصلح بينهما، وقد كتب في ذلك فقال: (...فنحن بهذا برأنا الإباضية من تعصبهم على المالكية لأنهم مالكية، ولكننا من ناحية أخرى نرى أنه حق عليهم أن يرجعوا في هذه المسألة عن رأيهم، ويسمحوا لإخوانهم المالكية بالأذان: أولا: إصلاحا لذات البين بين المسلمين، وهي في الإسلام من أول ما تجب وتتأكد المحافظة عليه والقيام به. ثانيا: حفظا للوحدة الإسلامية بحفظ القلوب غير متصدعة بداء القرقة القتال المعدود في الإسلام من أكبر المحرمات المهلكات. ثالثا: مجاملة لبقية إخوانهم المالكية بالقطر، الذين تربطهم بهم رابطة الدين والوطن والمصلحة. هذه كلمتنا نقولها بعهد الله، لا نقصد بها إلا القيام بواجب الصدع بالحق والدعوة إليه والإصلاح بين المسلمين)(103).

فالجمعية كانت جامعة لكل الجزائريين على اختلاف مذاهبهم وقناعاتهم حتى قال ابن باديس: (وحيث تنضوي كل المذاهب والفرق فيقل الخلاف أو يخف أو ينعدم. فلو كان في الجزائر جميع مذاهب الإسلام لوسعتهم هذه الجمعية بعلاجها الناجع النافع يإذن الله للجميع)(104).

وقد طبقت ذلك الجمعية واقعيا، فكلما وقع الشقاق إلا وسارعت الجمعية عبر علمائها بالإصلاح وتهدئة الوضع وتقديم النصيحة حفاظا على الوحدة الوطنية، من ذلك الفتنة التي وقعت بين اليهود والمعلمين، حيث شهدت مدينة - في 3 و4 أوت 1934م، حوادث دامية بين اليهود والمسلمين، بسبب انتهاك أحد اليهود(105) حرمة المسجد واعتدائه على المصلين بالسب والشتم، وتوجيه الكلام البذيء إليهم وإلى نبيهم صلى الله عليه وسلم ودينهم، فتحكم المسلمون في أعصابهم في البداية ولم يجاروه، ولكنه تمادى في غيه، واستمر يسب ويشتم ويفحش في القول، عند ذلك لجأ المسلمون إلى الشرطة وطالبوها بمعاقبته وتقديمه للمحاكمة، ولم تقم السلطة الفرنسية بواجبها في حماية المسلمين الجزائريين، وتضامن بقية اليهود مع المعتدي، وامتنعوا عن تسليمه للشرطة، وهاجموا المسلمين وأطلقوا الرصاص عليهم، وقام المسلمون بواجب الدفاع عن النفس وحرمة المسجد، وكادت الفتنة تعم المدينة كلها لو لا تدخل رئيس الجمعية ابن باديس وبعض الأعيان الذين حرصوا على تهدئة الوضع. وكان لابن باديس دور كبير في تهدئة الجموع الهائجة وإخماد نار الفتنة، وسجل في ذلك مواقف إنسانية شجاعة، إذ استطاع أن يجمع المسلمين ويقنعهم بتحكيم العقل، وعدم مسايرة الاستفزازات اليهودية حقنا للدماء ومنعا للفتنة(106).

د. النهي عن التجنيس وبيان خطره:

كانت خطة فرنسا منذ وطئت جيوشها أرض الجزائر بالقضاء على كل مقوم للشخصية الجزائرية، والإدماج السياسي الكامل لهذا الوطن، وتذويب شعبه في ثقافتها الغربية بفرنسته وتنصيره. ومع مرور الزمن ظهرت بين الجزائريين فئة منهم تربت في مدارس الاستعمار، وتشبعت بالثقافة الغربية تدعو إلى التجنس بالجنسية الفرنسية، والتخلي عن أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، والتحاكم إلى القانون الفرنسي المسيحي بغية الحصول على بعض الحقوق السياسية. فتصدت جمعية العلماء لهذه القضية، وعارضت بشدة سياسة الاندماج التي تتنكر للشخصية الإسلامية، ونبهوا إلى خطر التجنيس الذي يتعارض في نظرهم مع الإسلام حيث يصبح المواطن خاضعا للقانون المدني الفرنسي لا للشريعة الإسلامية، ولهذا اعتبروا بأن التجنس بجنسية غير إسلامية يعد كفرا لأنه يتحاكم إلى شريعة غير شريعة الإسلام ونعتوه "بالمرتد". وبينوا حكمه الشرعي ومخاطره عن طريق الخطب العامة، والمحاضرات والمقالات في الصحف. ومع إصرار دعاة التجنس، ومطالبتهم الحكومة الفرنسية بتسهيل التجنس عن طريق اجتماع عام عقدوه في ربيع سنة 1934 م، أصدرت جمعية العلماء على لسان رئيسها، الفتوى الشهيرة بتكفير من يتجنس بالجنسية الفرنسية، ويتخلى عن أحكام الشريعة الإسلامية، جاء فيها: (التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة، ومن رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام، عد مرتدا عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجماع)(107).

بل هذه الفتوى لاقت قبولا خارج القطر الجزائري وبخاصة بعض البلدان الواقعة تحت الاستعمار الفرنسي، كتونس مثلا، حيث كانت بعض الأسئلة ترد من بعض التونسيين إلى الشيخ ابن باديس رئيس الجمعية تستفسر عن حكم التجنس بالجنسية الفرنسية. فأحد المتجنسين التونسيين وهو عضو في جمعية المسلمين التونسيين المتجنسين بالجنسية الفرنساوبة الراغبين في الرجوع للجنسية التونسية يرسل رسالة إلى الشيخ ابن باديس يشكره فيها على فتواه الجريئة في تحريم التجنس، وقد قامت الجمعية بنشر نص الرسالة في جريدة البصائر في سنة 1938م، وهذا نصها: (سيدي الجهبذ النحرير العالم العامل الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قسنطينة السلام عليكم ورجمة الله وبركاته، ويعد: فلقد قرأت بجريدة "البصائر" الغراء فتواكم الممتعة في مسألة التجنيس وغيرها، ولقد سرني كثيرا صراحتكم المعهودة وإبداؤكم حكم الله فيما وقع استفتاؤكم فيه، وذلك شأن العالم العامل بعلمه والذي لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يكتم ما علمه الله من كل سائل يريد حكم الله في سؤاله خلافا لبعض علمائنا بتونس(108) الذين آثروا الخنوع للسلطة المحلية وحب الدنيا ورضوا بأن يلجموا بلجام من النار خيرا من أن يغضبوا سيدهم ظنا منهم أن حياتهم ورزقهم متوقفان على رضاه)(109).

هـ. التصدي للتبشير :

راقق التبشير الاستعمار الفرنسي منذ دخوله الجزائر، وقد صحب الجيش الفرنسي في احتلاله للجزائر رجال الدين المسيحي، فالوثيقة الممضاة من قبل القائد الفرنسي دبور مون مع الداي حسين وثيقة استسلام الجزائر في الرابع من شهر جوبلية سنة 1830 م تنص على المحافظة على الدين الإسلامي وأوقافه واحترامه، وهو ما جاء في المادة الخامسة من هذه الوثيقة: تكون إقامة الشعائر المحمدية الدينية حرة، ولا يقع المساس بها أي مساس بحرية السكان من مختلف الطبقات. ولا بدينهم، ولا بأملاكهم، ولا بتجارتهم وصناعتهم, وتحترم نساؤهم وتعهد القائد العام بذلك بشرف".

لكن الذي حدث مخالف لذلك كله، فقد استولى الاحتلال الفرنسي على الأوقاف والمساجد وحولتها إلى كنائس ومدارس منذ البداية، وهدمت بعضها، يقول الإبراهيمي: (وضع أساس التبشير في الجزائر الكاردينال لا فيجري وأسس مراكزه المهمة، ثم أتمت الجمعيات التبشيرية ما بدأ به، وهي جمعيات قوية يمدها الأغنياء من المسيحيين المتسامحين بالملايين من المال، ويمدها رجال الكهنوت ونساؤه بالأعمال، وتمدها الحكومات (اللادينية) بالمعرفة والتأييد)(110).

ورغم المجهودات الضخمة من قبل رحال الدين المسيحي الفرنسيين، واستغلال فقر الجزائريين وجهله لتنصيرهم، ورغم طول مدة ممارسة التنصير على الجزائريين إلا أن النتائج لم تكن في مستوى طموحات المستعمر، فالواقع أن التبشير لم يلق النجاح الذي يتناسب مع الجهود المبذولة فيه، والسبب الأكبر في ذلك يرجع إلى شيء واحد وهو شدة تمسك الشعب الجزائري بدينه رغم بؤسه وفقره(111).

لكن خطر التنصير لم يكن هينا، ما جعل الجمعية تتصدى له بالتخطيط والتنظيم والعمل، خاصة في منطقة القبائل حيث كثفت من نشاطها وعملها الدعوي والإصلاحى في القرى والأرياف، فلم يقتصر دورها على تعليم الناس دينهم والمحافظة على لغتهم فحسب وإنما التصدي لظاهر التنصير الذي تمارسه السلطات الفرنسية منذ بداية احتلالها للجرئر، وكان لجهدها ثمار طيبة في الحفاظ على الدين الإسلامي ولغة القرآن الكريم.

6. تقديم الجمعية النصائح للعلماء خاح القطر الجزائري(112):

1 . تقديم النصيحة لمجلة الزيتونية(113):

لقد فرح علماء الجمعية فرحا شديدا بصدور المجلة الزيتونية، وبحق لهم أن يفرحوا، والكثير منهم من خريجي جامع الزيتونة، وبخاصة الشيخ ابن باديس الذي نفسه معنيا هذا المولود الجديد وهو أحد أبناء جامع الزيتونة، واعتبر هذا المولود معززا لحركة الإصلاح في المغرب العربي عموما وفي تونس خصوصا، فيقول رحمه الله: (يحق لي وأنا تلميذ من تلامذة الزيتونة أن اغتبط بالمجلة الزيتونية غبطة خاصة. ويحق لي وأنا جندي من جنود الإصلاح الإسلامي العام أن أسر سرور خاصا بتعزز معاقل الإصلاح بها. ما كنت لأنسى أريع سنوات قضيتها بالزيتونة، شطرها متعلما وشطرها متعلما ومعلما، فكان لي منها آباء وإخوة وأبناء، فأكرم بهم من آباء وأكرم بهم من إخوة أكرم بهم من أبناء)(114). ثم بعد ذلك يقدم الشيخ ابن باديس النصيحة للقائمين على المجلة التونسية، حيث يقول:(وبعد فإن اسم الزيتونة اسم إسلامي علمي تاريخي عظيم فيجب أن تكون (المجلة الزيتونية) ممثلة له مجددة لعهده، وإن في تعاون أساتذة الجامع: شبابهم وشيوخهم على النهوض بها ما يحقق ذلك إن شاء الله. وإنني أقترح على إخواني القائمين بها أن يضموا إلى قلم تحريرها رجالا من الزيتونيين الذين يعرفون بعض اللغات الغربية ولهم خبرة بحركات العصر من وراء البحر، فإن العلوم والآداب والفنون تراث الإنسانية كلها لا تستقل فيها أمة عن أمة، وأكمل الأمم إزاءها من تحسن كي تحافظ على حسنها وتستفيد من حسن غيرها)(115).

2 . نصيحة رئيس الجمعية الشيخ ابن باديس لعلماء تونس لإصلاح الأوضاع بها:

في مقال نشره ابن باديس في جريدة البصائر، وفي مجلة الشهاب، إلى علماء جامع الزيتونة يبين فيه مسؤولية العلماء في الاهتمام بقضايا الأمة، وتعليمها، ونصر الحق، وما يجب أن يبذلونه في سبيل الله. ثم يبين أن نداءات الإصلاح نهضت في كل أرجاء العالم الإسلامي، التي من بينها ارتفاع صوت الأزهر، كما أشاد بموقف علماء طرابلس بليبيا الذين أصدروا فتوى لتحريم الخرافات والبدع التي تمارسها بعض الطرق الصوفية المنحرفة، وقدموا في ذلك مطلبا لحكومة البلاد التي عملت على نتفيذه، ونفس الأمر يشيد بعلماء المغرب الأقصى المدرسين بجامع القرويين الذين رفعوا عريضة إلى السلطان سيدي محمد يشتكون مما يقوم به بعض المبتدعة، كطائفة العيسوية وغيرهم، ثم يقول بأن صوت الإصلاح قد ارتفع في كل من مصر وطرابلس والجزائر والمغرب لأقصى، ثم يحت علماء جامع الزيتونة على مقاومة البدع وعدم السكوت عن المنكرات التي تمس بالعقيدة والدين، ومما جاء في ذلك المقال: (لقد ارفعت الشكوى في الصحف التونسية هذه المدة الأخيرة من بلدان عديدة من القطر التونسي الشقيق بالبدع والمناكر التي يأتيها الطرقيون به، والفضائح التي ارتكبها بعضهم وسيق من أجلها إلى العدلية كما يساق المجرمون، ووجهت سؤالات صريحة إلى العلماء في حكم الإسلام في ذلك كله، وعلماء جامع الزيتونة وشيوخ الفتوى فيه وشيخا الإسلام منهم واجمون ساكتون كأن الأمر لا يعنيهم، وكأن آيات الله لم تطرق آذانهم، فأين أنتم أيها الشيوخ(116)، وأين إيمانكم؟ لقد سئلتم عن رفض الشريعة الإسلامية بسبب التجنس ذلك الرفض المخرج عن الإسلام فسكتم، وقال الناس إنكم خفتم على مناصبكم، وها أنتم أولاء تسألون اليوم عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدين، تنكر البدع التي أماتت ضمائرهم وخدرت عقولهم، وجمدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم، وتركتهم بلاء على أنفسهم، وفتنة لغيرهم، فهل أنتم اليوم أيضا ساكتون، ويالتخويف على مناصبكم معتذرون؟ إننا ندعوكم بكلمة الله إلى الصدع بالحق وإنقاذ المسلمين(117))(118).

3. نصائح الشيخين ابن باديس والإبراهيمي إلى علماء تونس لإصلاح التعليم في جامع الزيتونة(119):

لقد قام بعض العلماء الزيتونيين بمبادرة إصلاح جامع الزيتونة، وإصلاح التعليم فيه، ومن هؤلاء العلامه الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله(120). وقد أراد الشيخ ابن باديس أن يسهم في هذا المجال باعتبار عايش ظروف جامع الزيتونة، وعاين التعليم فيه، وتلقى العلم فيه، ودرس فيه. وبما أن ابن باديس خاض تجرية التعليم في الجزائر منذ سنوات العشرينات، واكتسب بذلك تجرية في الميدان، هذه التجربة التي تعززت فيما بعد بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد أراد أن يشارك مع علماء الزيتونة الإصلاحيين في إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، حيث بعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكلها حاكم تونس سنة (1350 هـ/1931 م)، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتأريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، وبضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة.

كما تعرض ابن باديس لنقد طرق التدريس التقليدية في جامع الزيتونة التي لا تحقق الغرض من التربية السليمة، وإنما تكون ثقافة لفظية عقيمة طوال فترة الدراسة، حيث يفني الطالب فترة طويلة من عمره في العلوم الآلية دون أن يكون قد طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير، كتفسير الجلالين مثلا، وبتخرج الطالب دون أن يعرف من حقيقة التفسير شيئا، وذلك بدعوى أنهم يطبقون القواعد على الآيات، كأنما التفسير يدرس من أجل تطبيق القواعد لا من أجل فهم الشرائع والأحكام، وهذا يعتبره ابن باديس هجرا للقرآن وهجرا مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم يخدمون القرآن(121). ومن وجوه النقد التي يوجهها إلى طرق التدريس في المغرب الإسلامي، ومنها بجامع الزيتونة الاقتصار على دراسة الفروع الفقهية دون الرجوع إلى الأصول، ودون الاعتماد غلى الاستدلال والتعليل والقياس، بل إنه يعتبره هذا بعدا عن القرآن وهجر آخر له(122)، حيث يقول: (واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها)(123).

وليس بعيدا على ما اقترحه ابن باديس في إصلاح التعليم في جامع الزيتونة، فإن الشيخ الإبراهيمي يضع جملة من الشروط تكون في نظره كفيلة بإصلاح جامع الزيتونة(124)، فيقول رحمه الله: (إن الإصلاح المرجو لجامع الزيتونة لا يبلغ مداه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط: الاستقلال؛ والمال، والرجال. أما الاستقلال - وهو أهم الشروط- فهو أن تصبح الكلية الزيتونية بمنجاة من التسلط الحكومي كيفما كان لونه، بعيدة عن المؤثرات السياسية والتيارات الحزبية،مثبتة وجودها الذاتي بأنها تؤثر لولا تتأثر، فمن حاول إخضاعها لنزعة حكومية، أو جرها لمذهب سياسي، أو توجيهها لوجهة حزبية، فهو مفسد خبيث الدخلة. وأما المال فإن الإصلاحات تتطلب أموالا طائلة، ونفقات سخية، ومهها تبذل الحكومة من الخزينة العامة فإن ذلك لا يكفي ولا يغني على ما فيه من آفات،فإن الحكومات لا تعطي بدون أخذ وبدون أن تتخذ من العطاء وليجة للتدخل ومقادة للمسيرين، ودر در الأوقاف الإسلامية لو لم يفسدها سوء الإدارة وتسلط الاستعمار، إن الكليات حتى في أغنى أمم العالم لا تقوم على مال الحكومة المحدود وحده، وإنما تقوم على عطاء الكرماء وبذل المحسنين، فهل آن لأمتنا أن تعلم هذا فتعمل به؟ وأما الرجال فإن في الزيتونة رجالا لو تعاونوا وسلموا من داء المنافسة على الرياسة لحققوا الآمال في الإصلاح، ولعجلوا به، وقد كانوا ينتظرون القائد الحازم فقد وجدوه. إن الإصلاح المنشود للزيتونة لا يتم إلا في جو بعيد عن القصر ووساوسه، وعن الهيكل الوزاري ودسائسه، وعن الاستعمار ومكائده ومصائده)(125).


الخاتمة:

هذه بعض جوانب النصيحة التي مارستها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ممارسة عملية في واقع المجتمع الجزائري بمفهومها الشرعي الواسع، والتي شملت عدة مجلات إصلاحية، بل تعدت رقعة القطر الجزائري. ولم يكن من السهل بذل النصيحة في تلك الظروف التي كانت قائمة آنذاك، من شرسة المستعمر البغيض، إلى نفوذ رجال الطرق الصوفية المنحرقة، إلى الأحزاب والحركات السياسية، إلى الواقع المنحوف الذي تراكمت عليه أحقاب التخلف والانحطاط وتحكم العادات الفاسدة فيه إلى قلة الإمكانيات والوسائل.

ورغم ذلك فقد بذلت الجمعية النصيحة متقيدة في ذلك بالضوابط الشرعية، ونصوص الكتاب والسنة، وإلى الحكمة في التعامل، مراعية مراتب المصالح المختلفة، والتدرج في الخطاب، تشدد في مواطن الشدة، وتلين في مواطن اللين.

وكان لمنهجها في النصح والإرشاد أثر طيب في إصلاح المجتمع الجزائري، وتخليصه من البدع والخرافات ومظاهر الشرك، وإحياء تمسكه بدينه ولغته، وإعادة الاعتبار لذاته وشخصيته، فكان من ثمار ذلك النصح المخلص الصادق المتواصل الثورة الكبري التي انطلقت بكلمة الله أكبر وانتصر الشعب الجزائري المسلم بإذن الله تعالى انتصار عظيما.

الهوامش:

­68- من رسالة سؤال عن سوء مقال ردا عن أحدهم لما جاوز أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم. آثار الإمام ابن باديس، ج:3، ص:222.

69 - الآثار، ج:4، ص:408.

70- أخرجه الإمام مسلم مع جابر في كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد، رقم: 225، ونصه: " عن أبي الزبير أنه سمع جابرِ بنِ عبدِ اللهِ يقول: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَقُولُ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلَّى الله عليه وسلَّم فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَـنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ).

71- المقالات، ج:1، ص:109 و115.

72- يقول الشيخ ابن باديس: (من أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة والمقامات تنحدرها عندها إرضاء لها وطلبا لمعونتها أو جزء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر). الآثار، ج:2، ص: 96. ويقول أيضا: (كانت عبادة الأوثان في الجاهلية بالخضوع والتذلل لها ورجاء النفع وخوف الضر منها، فينذرون لها النذر وينحرون لها النحائر ويلطخونها بالدماء ويتمسحون بها، وفي الناس اليوم طوائف كثير لها أشجار ولها أحجار تسميها بأسماء ونذكرها بالتعظيم، وتحرق عندها البخور وتتمسح وتتمرغ عليها مثل فعل الجاهلية أو يزيد). الآثار، ج:2، س:97.

73- يقول الشيخ ابن باديس: (إذا نظرنا في حالة السواد الأعظم منا معشر المسلمين الجزائربين، فإننا نجد هذه الكلمات شائعة بينهم فاشية على ألسنتهم، وهي “بربي والشيخ" وهم يعنون أن ما يفعلونه هو بالله وبتصرف الشيخ، "بربي والصالحين وبربي والناس الملاح" إذا حب ربي والشيخ، "شوف ربي والشيخ" وهي كلها من كلمات الشرك كما ترى), الآثار؛ ج:2، ص:113.

74- يقول الشيخ ابن بادس: (هذه هي حالة اليوم... تجد أكثر أو كثيرا من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون، فإن قيل: إنما بنيت المساجد عل تلك القبور للتبرك بأصحابها لا لعبادتهم، قلنا: إن النهي جاء عاما لبناء المسجد على القبر، بقطع النظر عن قصد صاحبه، ولو كانت صورة البناء للتبرك غير مرادة بالنهي على العموم، ذلك لأنها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنها مظنة أن تؤدي إلى ذلك في المآل وذرائع الفساد تسد لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد). الأثار، ج:2، 151.

75- يقول ابن باديس: (والسكوت عن هذا أو نحوه أدى بالعامة إلي الغلو في الأولياء رضي الله عنهم غلو أنطقهم بألفاظ الشرك). الآثار، ج:5، ص، 34 و35.

76- يقول ابن باديس: (ومن أقوال المشركين في الجاهلية حلفهم بطواغبتهم وتعظيمهم لها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمون من الأحياه أو الأموات فلا يكذبون. فهذه الطوائف الكثيرو قد لحقت بالمشركين وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين)(الترمذي). الآثار، ج:2، ص: 96 و97.

77- وقد أجمع مجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجرائريين على محتوى هذا الكتاب لاعتماده في التدريس. وقامت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بطبعه لما رأت فيه من فائدة، ثم قام الشيخ الفاضل أبو عبد الرحمن محمود بتحقيق الكتاب تحقيقا علميا بذل فيه جهدا مشكورا.

78- آثار الإمام ابن باديس، ج:6، ص:218.

79- آثار الإمام الإبرهيمي، ج:1، ص:52.

80- أطلقت الجمعية على المدرسة التي أسستها في مدينة قسنطينة اسم مدرسة التربية والتعليم.

81- الجمعة: 2 و3.

82- الشهاب، ج:2، م:15، صفر 1358 هـ/ماس 1939 م- آثار الإمام ابن باديس، 2، ص: 158.

83- الشهاب، ج:6، م:11، غرة جمادى الثانية 1354 هـ/ سبتمبر 1935 م - آثار الإمام ابن باديس، 2، ص:169.

84 - الشهاب، ج:3، م:15، ربيع الأول 1358هـ/ أفريل 1939م - آثار الإمام ابن باديس، 2، ص: 161.

85- الشهاب، ج:3، م:13، ربيع الأول 1356هـ/ماي 1937م - آثار الإمام ابن باديس، 3، ص:54 و55.

86- آثار الإمام ابن باديس، ج:4، ص:54.

87- الشهاب، ج:8، م:12، شعبان 1935 هـ/نوفمبر 1936م - آثار الإمام ابن باديس، ج:4، ص: 198.

88- من موضع طويل بعنوان: "فلسفة جمعية العلماء"، سجل مؤشر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المطبعة الإسلامية، قسنطينة، س:5 الى 72 - آثار الإمام الإبراهيمي، ج1، ص: 190.

89- كانت الجمعية تؤمن بالعمل المسلح ضد المستعمر الكافر، لكن لم تكن ترى أن أوانه قد حان، وإنما كانت تعمل على الإعداد الروحي والنفسي أولا.

90- د.محمود قاسم، الإمام عبد الحميد بن باديس (الزعيم الروحي لحرب التعرير الجزائرية)‘ دار المعارف بمصر، 968امة ص:25

91- الشهاب، ج:8، م:3ا، شعبان 1356همر 1937م - آثار الإمام ابن باس‘ ج:4، س:207.

92- آثار الإمام ابن باديس، ج:6، ص: 186.

93 -وهو أحد النواب الجزائريين الذي قال سنة 1936 م وهو فرحات عباس: (الجزائر هي فرنسا وإنه على الجزائريين أن يعبروا أشهم فرنسيين) وقال: (إنه فتش عن القومية الجزائرية في بطون كتب التاريخ فلم يجد لها من أثر وفتش في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر) فتصدى له ابن باديس رحمه الله تعالى في كلمة صريحة جريئة جعلت صاحبها يترجع فيما بعد.

94- آثار عبد الحميد بن باديس،ج:5، ص: 294.

95- الرافعي، من وحي القلم، ج:3، ص:29.

96- أنشد ابن باديس قصيدته المشهورة: شعب الجزائري مسلم * وإلى العروبة ينتسب

97- في مقال له بعنوان "اللغة العربية في الجرائر عقلية حرة ليس لها ضرة، نشر في جريدة البصائر، العدد:41، في 28 جوان 1984 م – الآثار، ج:3، ص: 206.

98- من مقال بعنوان: "اختلاف ذهنين في معنى التعليم العربي"، جريدة البصائر، العدد :152، 23 أفريل 1951 - الآثار، ج:3، ص:284 - عيون البصائر، ص: 313.

99- من مقال له بعنوان: "العربية فضلها على العلم والمدنية وأثرها في الأمم غير العربية" الشهاب، ج:1، المجلد الخامس عشر، فيفري 1939، ص:11 - الآثار؛ ج:1، ص:374.

100- من مقال له بعنوان: "العربية فضلها على العلم والمدنية وأثرها في الأمم غير العربية"‘ الشهاب، ج:1، المجلد الخامس عشر، فيفري 1939، ص؛11 - الآثار، ج:1، ص:376.

101- في مقال له بعنوان: "ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان"، الشهاب، ج:11، فيفري 1936 م- آثار الإمام ابن باس، ج:5؛ ص:460.

102- مقال بعنوان: "من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى عموم الجزائريين"، النجاح، العدد 1258 - 07 رمضان 1350 هـ/ 16 جانفي 1932 م. وانظر آثار عبد الحميد بن باديس، مطبوعات وزارة الشؤون الديية والأوقاف بالجزائر، ط1، سنة 1415 هـ/1994 م، ج:6، ص: 68 و69.

103- الشهاب، ج:12، م:6، غرة شعبان 1949 هـ/جانفي 1931م- آثار الإمام ابن باديس، ج:5، ص:453.

104- الشهاب، ج:8، م:12، شعبان 1355 هـ/نوفمبر1936 م - آثار الإمام ابن باديس، ج:4، ص: 198.

105- واسمه "الياهو خليفي". آثار الإمام ابن باديس؛ ج:5، ص: 482.

106- آثار الإمام ابن باديس، ج:5، ص:482 وما بعدها.

107- أصدر الشيخ ابن باديس فتوى مفصلة حول التجنس والتوبة منه، ونشرت كاملة في البصائر، العدد:95، السنة:3، جانفي 1938 م - آثار الإمام ابن باديس، ج:3؛ ص:308.

108- لقد عرف الكثير من علماء تونس بمواقفهم الشجاعة، وبمقاومتهم للظلم والانحراف، وبجرأتهم على قول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم الإمام العلامة محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله.

109- البصائر، العدد:101، 5 ذو الحجة 1356 هـ/ الموافق ليوم 7 جانفي 1938 م.

110- من موضوع طويل بعنوان: "فلسفة جمعية العلماء ، سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المطبعة الإسلامية، قسنطينة، ص:5 إلى 72 - آثار الإمام الإبراهيمي، ج:1، ص: 196.

111- آثار الإمام الإبراهيمي، ج:1،ص: 197.

112- آثار عبد الحميد بن باديس، مطبوعات وزإره الشؤون الدينية والأوقاف بالجزئر، ط 1، منة ١ ج:5، ص: 147 وما بعدها

113- آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، ج:5، ص: 147 وما بعدها - عمار طالبي، ابن بادين حياته وآثار، ج:3؛ ص:15 وما بعدها.

114- آثار عبد الحميد بن باديس، ج:5، ص: 147- عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج:3، ص:125.

115- آثار عبد الحميد بن باديس، ج:5، ص: 147 وما بعدها - عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج:3، ص:129.

116- من مشايخ علماء الزينونة من كان يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، منهم الشيخ العلامه الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى.

117- وقد وقع عن هذه الكلمة، عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المتخرج من جامع الزيتونة عمر الله.

118- البصائر، السنة الأولى، العدد1، الجزائر، الجمعة 26 ذو الحجة 1354 هـ/الموافق لـ20 مارس 1936 م. ص:1 و2 و3 - الشهاب، ج:1، م:12، ص:4-6، بتاريخ غرة محرم 1355 هـ/أفريل 1936م. - عمار طالبي، ابن باديس، ج:3، ص: 115 وما بعدها.

119- آثار عبد الحميد بن باديس، مطبوعات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالجرائر، ط1، سنة 1406 هـ/1985 م، ج:4، ص:57 وما بعدها.

120- اختير ابن عاشور في لجنة إصلاح التعليم الأولى بالزيتونة في (صفر 1328 هـ = 1910 م)، وكذلك في لجنة الإصلاح الثانية (1342 هـ = 1924 م)، ثم اختير شيخا لجامع الزيتونة في (1351 هـ = 1932 م)، ولكنه لم يلبث أن استقال من المشيخة بعد سنة ونصف بسبب العراقيل التي وضعت أمام خططه لإصلاح الزيتونة، وبسبب اصطدامه ببعض الشيوخ عندما عزم على إصلاح التعليم في الزيتونة. ثم أعيد تعينه شيخا لجامع الزيتونة سنة (1364 هـ = 1945م) حيث أدخل إصلاحات كبير في نظام التعليم الزيتوني. ومن جملة ما قام به: إصلاح الكتب الدراسية وأساليب التدريس ومعاهد التعليم، فاستبدل كثيرا من الكتب القديمة التي كانت تدرس، واهتم بعلوم الطبيعة والرياضيات، كما راعى في المرحلة التعليمية العالية التبحر في أقسام التخصص، وبدأ التفكير في إدخال الوسائل التطيقية المتنوعة. وحرص على أن يصطبغ التعليم الزيتوني بالصبغة الشرعية والعربية، بتدريس الطلبة الزيتونيين الكتب التي تنمي الملكات العلمية وتمكنهم من الغوص في المعاني، لذلك دعا إلى التقليل من الإلقاء والتلقين، وإلى الإكثار من التطبيق، لتنمية ملكة الفهم التي يستطيع من خلالها الطالب أن يعتمد على نفسه في تحصيل العلم.

121- عمار طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2، سنة 1403 هـ/1983 م، ج:1،ص:108.

122- طالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ج:1، ص:108.

123- الشهاب، ج:12، م:10، ص:518 -521-نوفمبر 1934م.

124- آثار البشير الإبرهيمي، ج:3، ص:551 و552.

125- آثار البشير الإبراهيمي، ، ج:3، ص: 551.

آخر التغريدات: