الشيخ العربي التبسي وفكرة المؤتمر الوطني الجزائري من خلال وثيقة أرشيفية

بقلم: أ.د جيلالي بلوفة عبد القادر-

طرحت أحزاب وجمعيات وطنية ممثلة لتيارات الحركة الوطنية الجزائرية مشاريع ومقترحات ولوائح وأفكار بغية توحيد الجهود في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وتعاقبت هذه المشاريع الوطنية بداية من المؤتمر الإسلامي الأول والثاني (1936 و1037) تحت تأطير جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والبيان الجزائري (1943)، وتأسيس الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها (آب 1951 - أذار 1952)؛ ووصولا إلى مشروع المؤتمر الوطني الجزائري (نهاية 1953) بمبادرة من حركة الانتصار للحريات الديمقراطية والذي لم يلق نجاحا وبقي مجرد مقترح عام.

لقد كان لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبر إدارتها وقادتها ورجالها إسهام هام وفاعل في بلورة وتجسيد هذه المشاريع السياسية في البحث عن سبل وأطر منظمة للوحدة الوطنية منذ المؤتمر الاسلامي لعام 1936 ومرورا بالجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها في 1951، وإلى مشروع المؤتمر الوطني الجزائري 1953.

نسعى من خلال هذه المقالة إلى إظهار وتبيان مساهمة ودور الشيخ العربي التبسي في بلورة وبلوغ مبتغى الوحدة الوطنية وإقامة المؤتمر الوطني الجزائري في مرحلة تاريخية خطيرة كانت تمر بها الجزانر، ألا وهي مطلع الخمسينات من القرن العشرين، آي قبيل اندلاع الثورة التحريرية وخلال السنوات الأولى منها، وذلك عبر طرح تساؤلات جوهرية وهى:

ما هو مفهوم الوحدة الوطنية عند الشيخ العربي التبسي؟ كيف كان يرى سبل وطرق إقامتها؟ هل كان له مشروع عملي؟ وهذا انطلاقا من آرائه وأفكاره، خاصة المنشورة في الوثيقة الأرشيفية التي عثرنا عليها في دور أرشيف ما وراء البحار بمدينة إكس أون بروفانس (Aix-en-Provence) بفرنسا.

1- الشيخ العربي التبسي: مسار وأفكار

ولد العربي بن بلقاسم بن مبارك فرحات التبسي عام 1985 بقرية إيسطح النموشية (نسبة إلى قبيلى النمامشة الأمازيغية الكبيرة) جنوب غرب تبسة، في عائلة فلاحية، بدأ حفظ القرآن الكريم على يد والده الذي توفي سنة 1903. وفي عام 1907 انتقل العربي التبسي إلى زاوية ناجي الرحمانية بـ الخنقة جنوب شرق خنشلة أين أتم حفظ القرآن خلال ثلاثة سنوات ثن رحل إلى زاوية مصطفى بن عزوز بنفطة جنوب غرب تونس سنة 1910، وفيها أتقن رسم القرآن وتجويده، وأخذ مبادئ النحو والصرف والفقه والتوحيد. التحق العربي التبسي بجامه الزيتونة في 1914، ثم انتقل إلى القاهرة منذ 1920 إلى 1927، ليرجع إلى الجزائر(1)، أين بدأ نشاطه الدعوي بتبسة. لقي العربي التيسي مضايقة من إدارة الاستعمار الفرنسي التي رأت في إقبال الناس على دروس الشيخ في المسجد العتيق بتبسة(2) خطرا عليها. وبنصح من الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889-1940) انتقل الشيخ العربي التبسي إلى مدينة سيق بالغرب الجزائري من 1930 إلى 1932، وبها عمل مدرسا ومرشدا، وأسس مدرسة التهذيب للبنين والبنات، واستطاع بذلك أن يبث الدعوة الإصلاحية السلفية ليس في مدينة سيق فقط، ولكن في أنحاء كثيرة من الغرب الجزائري(3).

أكد الشيخ العربي التبسي منذ البداية دعوته الإصلاحية على دور العلم في بناء الأمم، إذ قال في هذا الصدد: "... وإن المعلم والمعرفة هما وسيلة الإنفاد وسبيل النجاة والطريق السوي الذي يفتح أبواب السعادة والحياة"(4).

وكان سباقا إلى تزكية وتأييد جمعيه العلماء المسلمين الجزائريين في (5 ماي 1931) لأنه كان يؤمن "بأن الجمعية ستكون نقطة جذب لمئات الآلاف من أنصار العلم والتحرر"(5).

وقد كتب عدة مقالات(6) حول أهمية وفعالية تأسيس الجمعية منذ 1926، حث فيها على نصرة الدين الإسلامي واللغة العربية وتوحيد الجهود.

عاد الشيخ العربي التبسي في 1932، أين تم تأسيس مدرسة تهذيب البنين والبنات ومسجد لا يخضع لمراقبة الإدارة. وعين كاتبا عاما لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورئيس لحنة الفتوى فيها في 1935(7)، وهو منصف حساس وحيوي لما له (أي مهمة الوعظ والإرشاد) من قيمة تبليغ رساله الجمعيه وبلوع أهداقها وهو الشئ الذي أكد عليه الشيخ العربي التبسي في تقريره المقدم لمؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1935 (8).

وأنتخب الشيخ العربي التبسي نائبا لرئيس الجمعية سنة 1940، وبدأ التدريس في الجامع الأخضر بقسنطينة في نفس السنة التي، وتراس معهد ابت بادي سنت سنة 1947 إلى يوم غلقه في 1956(9).

وسعى إلى تنظيم الدعوة الإصلاحية بقرنسا منذ سفره إليها (في تشرين الثاني 1950)، وأصبح الشيخ العربي التبسي رئيسا للجمعية نيابة عن البشير الإبراهيني الذي سافر إلى المشرق في 1952(10).

من خلال ما سبق يظهر أهمية وصعوبة المهام التي تولاها الشيخ العربي التبسي خاصة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة منذ مطلع الخمسينات من القرن العشرين، وما زاد الأمر خطورة هو تصلب الاستعمار الفرتسي وتضيقه على عمل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

2- مواقف ومبادئ الشيخ العربي التبسي:

أدرك الشيخ العربي التبسي منذ بداية دعونه الإصلاحية أن نهضة الجزائر لا تتم إلا عن طريق بعث الأمة وإصلاحها قبل مواجهة الاستعمار الفرنسي، فكان يرى أنه لا يمكن في المرحلة الأولى من العمل الوطني الاصطدام بالمحتل ".. فالوعي يفرض أن يأخذ العمل الوطني سمة العمل التربوي الهادف إلى القضاء على الجهل والخرافات التي ألصقت بالدين الإسلامي الحنيف وزرع المفاهيم والمبادئ الصحيحة"(11). و دعى الشيخ العربي التبسي إلى أخذ العقيدة من الكتاب والسنة واعتماد فهم السلف الصالح، حيث قال: "لا يمكن أن يأخذ (أي دين) بحكم العوائد والمحاكات، ولا تعلمه من الجاهلين، وإنما يأخذ حقا تعلما من أهل العلم الحقيقيين..."(12)، وكم جهة أخرى، ألح على مواجهة التعصت المذهبي، فكان مفتيا مجتهدا مرجحا بين المذاهب، معتمدا في ذلك على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. وكان له مواقق صارمة وحازمة من الطرقية، حيث كشف ادعائه بقوله فيهم: "ألا إن أعدى المسلمين للإسلام أولئك النفر الذين يظنون من قبل أنفسهم أنهم أولياء الرحمان وأحباؤه... فاستباحوا من الله المحارم وتعدوا له الحدود وأعرضوا عما فيه من الهدي فاعتز بهم الجهال وانقاد إليهم الأغرار ودخلوا على داخلوا في عقائدهم ولبسوا عليهم أمر دينهم..."(13). وواجه الشيخ العربي التبسي سياسة التنصير وتفهم المبتغى الهادف من الإستعمار الفرنسي في هذا المجال، ألا وهو اجتثات المجتمع الجزائري ومحاولة ومحاربة مقوماته الأساسية وهي الدين الإسلامي واللغة العربية، وهو ما يؤكده قوله الآتي: "إن فرنسا لم تترككم أمة حين نزعت منكم اللغة واحتلت منكم الإسلام وما فيه، فلم تقبض عليه لإحيائه، وإنما قصدت بذلك إلى التصفية على معالمه، ولكنها مغلوبة ومحكوم عليها بالهزيمة"(14).

ويُعرف الشيخ العربي التبسي الجزائر بأنها "أمة شرقية في دينها ولغتها وعاداتها وأخلاقها ومشاعرها"(15)، وهو تأكيد على انتماء الجزائر للأمة الإسلامية ورد مباشر على سياسة التنصير ودفاعا عن اللغة العربية.

ودافع الشيخ العربي التبسي بعزم وصلابة ضد تدخل الحكومة الفرنسية في الشؤون الإسلامية، وكلفه هذا المضايقة والاعتقال عدة مرات، وسجن إثر مظاهر ماي 1945، وبقي مدة تحت الإقامة الجبرية حتى ربيع سنة 1946.

وعند إندلاع الثورة التحريرية في تشرين الثاني 1954، حث الناس على الجهاد وهو القائل: "أنه لا يمكن إرضاء الإسلام والوطن وإرضاء الزوج والأبناء في وقت واحد، إنه لا يمكن لإنسان أن يؤدي واجبه التام إلا بالتضحية"(17)، ونقل عنه آخرون قوله ما يلي: "لو كنت في صحتي وشبابي ما زدت يوما واحدا في المدينة، ولأسرعت إلى الجبل أحمل السلاح وأقاتل مع المجاهدين"(18).

من خلال سرد هذه العينة من مواقف الشيخ العربي التبسي يظهر جليا مدى تمسكه بخط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومبادئها الأساسية القائمة على الإسلام والعروبة والعلم والفضيلة، ومن جهة أخرى نلتمس تطور مواقف الشيخ العربي التبسي تاريخيا من بداية الدعوة إلى الجهاد، وهو ما كلفه مساومة الاستعمار له، وعند فشله قام باختطافه واغتياله في 9 نيسان 1957.

3- الوحدة في منظور الشيخ العربي التبسي:

قال الشيخ البشير الإبراهيمي (1889-1965) واصفا الشيخ العربي التبسي: "...وألزمته وطنيته الصادقة بالذوبان في الأمة والانقطاع لخدمتها بأنفع الأعمال وأعانه بيانه ويقينه على نصر الحق بالحجة الناهضة ومقارعة الحجة بالحجة ومقارعة الإستعمار في جميع مظاهره"(19)، ولقد اجتهد الشيخ العربي التبسي في التدريس والوعظ والإرشاد والكتابة الصحفية، ولم يقصر جهدا في توعية عامة الجزائريين وإبداء رأيه في قضايا وطنية مصيرية، ومنها قضية الوحدة الوطنية وكيفية توحيد جهود الجزائريين بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم الحزبية.

وفي هذا الإطار توجت المجهودات بتأسيس الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها في آب 1951 بمبادرة من حركة الانتصار للحريات الديمقراطية والاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري والحزب الشيوعي الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ممثلة من قبل الشيخ خير الدين والشيخ العربي التبسي، وهدفت إلى إطلاق سراح المعتقلين وإلغاء الانتخابات التشريعية (16 حزيران 1951) والكف عن سياسة القمع وتحرير الدين الإسلامي من قبضة الإستعمار(20).

لم تحقق هزه الجبهة نجاحا لأن برنامج عملها كان محدودا، ولم يستجت إلى تطلعات الشعب الجزائري، مما عجل في فشلها ونهاية وجودها في أواخر 1952(21)، إلا أن هاجس الوحدة الوطنية والسبيل الداعي لها ظل قائما عند الجزائريين. وفي هذا العدد طرحت جريدة المنار(22) استفتاءا شعبيا، هو الأول من نوعه في الصحافة العربية الجزائرية، كان موضوعه الوحدة الوطنية، مفتوحا لكل الجزائريين.

كان الاستفتاء الشعبي عبارة عن استجواب يجيب عليه المشارك بصيغة فردية وشخصية عن طريق إرسال نصه إلى الجريدة التي نشرت هذه المقالات، وكانت الأسئلة الموجهة هي:

- هل تعتقدون أن الإتحاد في الجزائر ممكن؟

- على أي أساس؟

- ما هي وسائل تحقيقه(23)؟

بلغ عدد المشاركين ثمانية وسبعين (78) شخص من أساتذة ومحامين وأئمة وطلبة ونقابيين، رجال ونساء، من داخل الجزائر ومن خارجها، وكان من بينهم الشيخ العربي التبسي، الذي أبدى رأيه في قضية الوحدة الوطنية وكيفية تحقيقها.

ومن خلال قراءة مقاله المنشور في الجريدة، يمكن استخلاص الأفكار التالية حول نظرة الشيخ العربي التبسي للوحدة:

- رأى الشيخ العربي التبسي بأن الإتحاد في الجزائر ضروري لأنه المنقذ في وقت الخطر وهو تكتل الشعت بأكمله(24).

- إن الحالة في الجزائر لا تبرر تعدد الأحزاب، فبقاء الأحزاب فيها إطالة لعمر الاستعمار... وقد ناديت بها (أي الشيخ العربي التبسي) في سنة 1945".

- رأى الشيخ العربي التبسي بأن الاتحاد لا يكون على أساس الأجناس والألوان واللغات، وإنما على أساس اعتبار كل السكان مواطنين لهم في وطنهم من الماديات ما لجميع المواطنين في الأوطان الأخرى(25).

- أما فيما يخص وسائل تحقيق الوحدة، فقد أشار الشيخ العربي التبسي إلى حلول وهي:

· إلغاء التنظيمات السياسية القديمة بما فيها المؤسسات التي تحمل إسم "الفرنسية المسلمة".

· وضع مبادئ تتسع لجميع سكان الجزائر، يكون لهم وطن مشترك محبوب.

· إبعاد الأمور الدينية عن السياسة، فلا يقال "مسلم فرنسي" وإنما يقال "جزائري".

· الدعوة إلى مؤتمر عام تُعلن فيه وحدة شعبية من شأنها تحقيق هذه الأهداف(26).

4- مشروع المؤتمر الوطني الجزائري في منظور الشيخ العربي التبسي:

تعددت محاولات الوحدة وأنعشت الساحة السياسية الوطنية بمبادرات ومشاريع دعت إليها أحزاب وطنية، مثل دعوة اللجنة المركزية لحركة الانتصار من أجل الحريات الديمقراطية بتاريخ 10 كانون الثاني 1953 إلى مؤتمر وطني(27)، حيش أصدر هذا الحزب لائحة مقترحات مبنية على انتخاب مجلس وطني من قبل كل الجزائريين بالاقتراع العام المباشر وتأسيس جمهورية ديمقراطية واجتماعية(29)، ولم تكلل هذه المقترحات بنجاح ظاهر نظرا لعدة أسباب تاريخية، وهي سياسة الاستعمار ونكسة الأحزاب وأزماتها الداخلية(30).

رغم فشل المساعي الحزبية الرامية إلى الوحدة والتفكير فكي وسائل تحقيقها، ظل الجزائريون يفكرون في بلوغ هذا الهدف إدراكا منهم بحتمية وأهمية الوحدة قصد مواجهة الاستعمار الفرنسي، وفي هذا الإطار اجتهد وبادر العديد منهم إلى بلوغ هذا القصد، وكان منهم الشيخ العربي التبسي الذي لم يدخر جهدا، فأبدى بآرائه وأفكاره في سبيل هذه الوحدة الوطنية، خاصة في فترة اشتداد القمع الاستعماري وصعوبة المرحلة التاريخية قبيل وخلال الشهور والسنوات الأولى لبداية الثورة التحريرية، ويمكن الرجوع الى رسالتين شخصيتين للشيخ العربي التبسي موجهتين الى أبي القاسم سعد الله للتدليل على هذا(31).

اضطلع الشيخ العربي التبسي بمهمة إدارة شؤون جمعية العلماء المسلمين الجزائريين حتى سنة 1956، وكان تحت المراقبة الاستعمارية باستمرار ورصدت تنقلاته وتحركاته، وخلال وجوده بوهران في شهر أوت 1955 تتعرك للتفتيش من قبل مصالح الاستخبارات العامة الفرنسية التي حجرت منه وثيقة شخصية مهمة.

أ- مصمون الوثيقة:

الوثيقة عبارة عن كراس عادي من الحجم الصغير يحمل 148 صفحة، كل ورقة مرقمة في الأعلى على اليسار، يحمل عنوان رئيسي: المؤتمر الوطني الجزائري (Le Congres National Algerien) وله عناوين فرعية، كل عنوان فيه شرح لمحتواه وأفكاره، باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية، بترجمة مباشرة ومقابلة، وبلغة مهذبة وبسيطة، وبخط واضح وبقلم أسود(32).

والظاهر أن هزه الوثيقة وجهت إلى الشيخ العربي التبسي لإبداء رأيه فيها.

ب- مضمون الوثيقة:

حملت الوثيقة عناوين فرعية وهي: ضرورة تجديد الفكرة السياسية للوثيقة، عنوان رئيسي باللغتين العربية والفرنسية "المؤتمر الوطني الجزائري وسيلة لاتحاد الشعب الجزائري وضمان لمستقبل هذا الشعب" (على الصفحة الثانية) ثم تلي عناوين فرعية على نفس أسلوب الترجمة المباشرة والمقابلة من اللغتين العربية والفرنسية، وتحت كل عنوان فرعي شرح لمضمونه، وهذه العناوين الفرعية هي:

- ضرورة تجديد الفكرة السياسية.

- القوى المساعدة.

- القوى المعادية.

ومما جاء في الوثيقة ما يلي:

"ان الروح الإسلامية هي شرط نجاحنا وأساس حياة الفرد والرابطة بين أفراد المجموعة وعنصر الشخصية الجزائرية" (ص38).

"ان فرنسا لا تقصد إصابة جيلنا فقط... وما زلنا نمثل المقاومة والمعارضة التي تسعى فرنسا إلى إزالتها وتفكيكها باستعمال كل الوسائل وإنما الخطر مجسم ضد الأجيال الناشئة" (ص52).

"... هذا وقد شهدنا في الجزائر خلال عشر سنوات خيبة ثلاث حركات اتحادية... وهذه الحركات هي أحباب البيان والجبهة الجزائرية وجبهة شمال إفريقيا" (ص58).

"روحنا لا تطمئن ولا تزدهر إلا في عهد الاستقلال، أي في جو الحرية" (ص82).

"هذا وفي جمهورية الغد الجزائرية، سيتبوأ المسلمون نفس حقوق غيرهم من الجزائريين مكانه تعلى بهم إلى مضمار الفكر والقيادة وأداة الازدهار الوطني" (ص84).

"إن عقلية الأوروبيين عقلية استعمارية" (ص94).

من خلال هذه العينة المختصرة مما ورد في هذه الوثيقة، شرح لعمق المسألة الوطنية، وبعد التفكير في ضرورة الخلاص عبر تحقيق الاستقلال، وفي الوثيقة عدة عناوين فرعية: "القوى المساعدة" لتحقين الأهداف الوطنية (أي الوحدة والاستقلال) مثل وحدة الشعب، الجامعة العربية، المؤتمر الإعلامي العالمي، جهود الشعوب المستعمرة، الديمقراطية الفرنسية، ويعدد في المقابل "القوى المعادية" وهي: الضعف والتفرق، الإدارة والعملاء، الحضارة المادية، أحزاة اليمين الفرنسية(32).

وفي الوثيقة سرد لمهام المؤتمر الوطني الجزائري (المهام الآجلة والمهام العاجلة)، وهي: تحقيق الوحدة وتنظيم التعليم، والدفاع عن اللغة العربية وحقوق المواطن وكسب الأخوة الجزائرية(33).

ولكي يضطلع بمهامه على أحسن وجه، سيكون المؤتمر الوطني الجزائري هيئة وطنية وفروع إدارية في هيئة خلايا ونوادي وأقسام ومناطق وعمالات (ص110-113).

وللمؤتمر الوطني الجزائري أسس وضوابط تنظيمية أساسها الإسلام والدفاع عن الحقوق، والخلق والسلوك الحسن.

وعموما تحمل هذه الوثيقة حقائق تاريخية مهمة، تدور حول قيمة فكرة الوحدة وكيفية بلوغ "المؤتمر الوطني الجزائري" في نظر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقادتها، وهو مشروع ظل قائما وهدفا مقصودا.

الخاتمة:

حمل الشيخ العربي التبسي هموم وأفكار، عاش من أجلها بغية نصر الدين الإسلامي والجزائر، ومن بين هذه المبادئ والأفكار:

الوحدة الوطنية: فكان الداعي إليها، واعتبرها ضرورة وحتمية وأن تكون على مستوى القاعدة، أي تكون شعبية لا حزبية، ومحققة للخلاص من الاستعمار اللفرنسي وإنهائه بالجزائر.

ان الوثيقة المكتشفة من قبل مصالح الشرطة الفرنسية بحوزة الشيخ العربي التبسي بتاريخ آب 1955 بوهران، والمتعلقة بالمؤتمر الوطني الجزائري نصت في عمق اهتماماته وتمسكه بفكرة الوحدة الوطنية، خاصة في الفترة الصعبة التي كانت تمر بها الجزائر، ألا وهي بداية الثورة التحريرية.

وحيث الإشارة في الأخير، إلى أهمية هذه الوثيقة التي تكشف حقائق تاريخية مهمة تساهم في دراسة تايخية علمية وبيوغرافية عميقة لشخصية "الشيخ العربي التبسي''.


الهوامش:

1. مسعودان نور الدين، أعلام الجزائر، دار النزن للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2010، ص95-96.

2. المرجع نفسه، ص96.

3. المرجع نفسه، ص97.

4. الشيخ العربي التبسي، مقالات في الدعوة الى النهضة الإسلامية في الجزائر، جمع وتعليق: شرفي أحمد الرفاعي، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، 1981، ط1، ص218.

5. بلعربي خالد، دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، دار الألمعية للنشر والتوزيع، الجزائر، 2010، ط1،ص136.

6. منها مقال بعنوان: "أزفت ساعة الجماعة وتحرم عصر الفرد" في مجلة الشهاب عام 1926.

7. نور الدين مسعودان، المرجع نفسه، ص99.

8. ينظر تقرير كيفية الدعوة والإرشاد المقدم من قبل الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الأستاذ العربي التبسي، سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، دار المعرفة، الجزائر 2009، ص 132-150.

9. نور الدين مسعودان، المرجع نفسه، ص99.

10. المرجع نفسه، ص103.

11. خالد بلعربي، الفكر الإصلاحي عند الشيخ العربي التبسي وسماته الوطنية، المجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية، سبتمبر 2009، جامعة سيدي بلعباس، ص74.

12. نور الدين مسعودان، المرجع السابق، ص101.

13. المرجع نفسه، ص103.

14. الشيخ العربي التبسي، المرجع السابق، ص229.

15. المرجع نفسه، ص53.

16. بلعربي خالد، المرجع نفسه، ص75.

17. الشيخ العربي التبسي، المرجع السابق، ص229.

18. نور الدين مسعودان، المرجع السابق، ص108.

19. المرجع نفسه، ص112.

20. لتفصيل أكثر ينظر: أحمد توفيق المدني، حياة كفاح (1925-1954)، الجزء 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1988، ص402؛ وإبراهيم بن العقون عبد الرحمن، الكفاح القومي والسياسي من خلال مذكرات معاصر (1947-1954)، الجزء 3، المؤشسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ص164-165.

21. عيلالي بلوفة عبد القادر، الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها: محاولة وحدوية مجهنة، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 616، السنة 1991، تونظ، ص99-91.

22. المنار: جريدة سياسية ثقافية دينية، حرة، نصف شهرية، تحت إدارة محمود بوزوزو، صدرت في الجزائر من 23 مارس 1951 إلى غاية 1 جانفي 1954 (51 عدد)، يعود أصل تسميتها إلى جريدة يومية سلفية من مصر أسسها رشيد رضا، وسعت إلى التعريف بقضايا الدول المغاربية والعربية الإسلامية عامة والجزائر خاصة، ينظر: المنار، العدد 1، في: 23 مارس 1951.

23. المنار، ع61، ليوم 61 كجراير 6399.

24. المصدر نفسه.

25. المصدر نفسه.

26. المصدر نفسه.

27. جيلالي بلوفة عبد القادر، حركه الانتصار للحريات الديمقراطية في عماله وهران (1950-1954)، رسالة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة تلمسان، 2008، ص268.

28. Claude Collot et Henry Jean Robert, Le Mouvement national Algerien (1912-1954), OPU, Alger, 1981, p329.

29. جيلالي دلوفة عجد القادر، المرجع السابق، ص270.

30. رسالتان من الشيخ العربي التبسي، تقديم ونص: أبو القاسم سعد الله، مجلة المصادر، العدد 18، السنة 2009، الجزائر، ص133-252.

31. Archives National d'Outre-Mer (ANOM), 51 155, Prefecture d'Oran, Dossier personnel, Larbi Tebessi.

31. ANOM, Ibid.

33. Ibid.

 

أ.د جيلالي بلوفة عبد القادر- جامعة تلمسان - قسم التاريخ.

المصدر: مجلة جامعة كربلاء العلمية - المجلد السادس عثر- العدد الثانى - إنسانى - 2018

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر التغريدات: