الأستاذ مالك بن نبي: فيلسوف مشكلات الحضارة

بقلم: محمد صلاح الدين المستاوي-

رحل الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله إلى دار البقاء في وقت اشتدت فيه الحاجة إليه: إلى دراساته العميقة وتحليلاته المستفيضة ونظرته الواقعية للأشياء. رحل والأمة الإسلامية تخوض معركة البقاء بعد أن كشر أعداؤها عن أنيابهم فظهروا كأجلى ما يكون الظهور أعداء حقيقيين.

كم والله عرفت المجامع والنوادي صولاته وجولاته في دحض الباطل وقهر دعاته وكم أثلج الصدور بروائع استنباطاته، لقد كان مالك بن نبي رحمه الله نموذجا فريدا من بين المفكرين في العالم الإسلامي إذ انه سلك منهجا غير تلك المناهج التي اعتدناها في التحليل لأوضاع الأمة الإسلامية، لم يكن يسمح لخياله أن يسبح ولا لملكاته الخطابية أن تنطلق بل كان يدرس الظواهر دراسة العالم الذي لا يترك للعاطفة سبيلا إلى أحكامه واستنتاجاته.

ولعل لتكوينه أثر في شخصيته الفكرية: فلقد ولد الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله سنة 1905 بقسنطينة بالجزائر في وقت تأهبت فيه السلطات الاستعمارية للاحتفال بالذكرى المائوية لاحتلال الجزائر وقد خطت خطوات كبيرة في مجال الفرنسة والتنصير ومحو الشخصية الجزائرية في المواطن الكبير والصغير على الأخص، وفي المدرسة الثانوية انكب مالك التلميذ على كتب مكتبة المعهد فقراها جميعها، ثم انتقل إلى فرنسا فغير اتجاهه تماما والتحق بكلية الهندسة، وبعد أن تخرج اعترضته مشكلة كل جزائري يحمل الشهادة ولا يجد الوظيف فاضطر إلى تغيير اتجاهه من جديد: اتجه نحو الفكر ولكن ليس الفكر الاستهلاكي الرخيص بل الفكر العلمي الأصيل الذي يحلل الظواهر تحليلا منهجيا فبدأ بالمشكلة التي واجهته وتواجه كل مواطن جزائري وكل إنسان يعيش تحت الاستعمار فانكب يدرس هذه الظاهرة بعد أن عرف مجتمعه الجزائري المختلف: خصائصه وخطورة المخططات الاستعمارية وما تقوم به بعض التجمعات الحزبية والسياسية والإصلاحية مع ما عرفه عن المجتمع الأوروبي: فكره ومفكريه.

خرج الأستاذ مالك بن نبي من كل ذلك بكتب كانت فرنسية اللسان عربية إسلامية الروح. كانت كتبه تتوالى في الخمسينيات والستينيات وتسلك منهجا فريدا لم يعتده القراء العرب والمسلمون. عالج مشكلة الاستعمار فإذا هو يرى أن الاستعمار مسبوق دائما بقابلية للاستعمار في الأمة المستعمرة ولا سبيل إلى الاستقلال والتحرر إلا بمحو هذه القابلية وأنت في كل كتابات الأستاذ مالك بن نبي لا تجده ينهال على العدو بالسب والشتم وعلى الظواهر المرضية بالكراهية والسخط بل انه يأخذ الإنسان المريض ذاته فيدرسه ويعرفه بنفسه ويحي فيه شخصيته.

وفلسفة الأستاذ مالك بن نبي تجد جذورها في الإسلام إذ منه ينطلق ومن معطياته الحية دائما يندفع. حلل بإطناب كيف أن الإنسان العربي فقد فعاليته وأصبح يطالب مع المطالبين ويستغيث مع المستغيثين بدون إن يحاول الدخول في مشكلاته عمليا والبحث عن حلولها وتغيير ما بنفسه أولا وآخرا حتى يغير الله ما به، ويستوي في هذه الحالة المرضية حسب رأي الأستاذ مالك بن نبي الجاهل “والمتعلم” ويضرب أمثلة شاهدها بعينيه هنا وهناك إذ انه دارس بالفعل لأوضاع أمته محتك بكل أوساطها ولا يصدر أحكامه كما اعتاد أن يصدرها منزلة من أبراجهم العاجية جل مفكرينا ورجال الإصلاح عندنا. ولقد صحح الأستاذ مالك بن نبي العديد من المفاهيم الخاطئة وقضى على الكثير من المركبات لدى الإنسان العربي أو على الأقل من أتاحت لهم الظروف بالإطلاع على فكر الأستاذ مالك بن نبي. فليس بالتكديس نبني الحضارة فلقد كاد يمضي اليوم قرن على قيام الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي.

ولقد كنا في نفس الحالة واليابان حسبما يلاحظ الأستاذ مالك بن نبي إلا إن اليابان حققت ما أرادت لأنها عرفت كيف تبني الحضارة: ماذا تستورد من الأشياء، هذه الأشياء التي لا يتم البناء الحضاري بها وإنما يتم بالدوافع التي تحرك تلك الأشياء. أما نحن فقد حاولنا أن نبني الحضارة بمنتوجاتها فما أفلحنا لأننا بذلك نسلك سبيل الصدفة لقد كنا نظن أن تفوق الغرب علينا يعود إلى الأشياء فاستوردنا ما شاء الله أن نستورد ولكننا بقينا مستهلكين.

إن طريقنا إلى الحضارة حسب ما يقرر الأستاذ مالك بن نبي يجب أن تعتمد على خصائصنا وميزات امتنا ومركزها. والحضارة ومشكلاتها كانت شغل الأستاذ مالك الشاغل في إطاره عالج في كتبه العديدة التي أخرجها: شروط النهضة، مشكلة الثقافة، ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة وما إلى ذلك من المشكلات لقد خصص لكل مشكلة منها كتابا حيث عالجها علاجا لا عهد لقراء الدراسات الإسلامية به.

واهتمامات الأستاذ مالك بن نبي تجاوزت العالم العربي والإسلامي إلى العالم الافروآسياوي والعالم الثالث بصفة اعم فهو يرى أن محور طنجة-جاكرتا له نفس المشاكل ويعاني نفس الأزمات بل إن مستوى العيش والتفكير لدي سكان هذا الجزء من العالم متقارب ومتشابه إلى حد بعيد. لن أستطيع مهما حاولت في هذه العجالة أن أحيط بما استنبط الأستاذ مالك بن نبي في الفكر الإسلامي فذلك ما يجب أن تؤلف فيه الكتب وتكتب فيه البحوث وحسبي أنني بهذه الأسطر أثرت عينات من فكر هذا الفيلسوف العملاق إذ أن من حقه علينا وعلى هذه المجلة المجاهدة “جوهر الإسلام” أن تنشر مآثره وأفكاره بين قراء العالم الإسلامي. ففكر الأستاذ مالك بن نبي في نظرنا جدير بالدراسة. إن مالك ابن نبي رحمه الله أدى رسالته كاملة غير منقوصة فجاب العالم الإسلامي غربا وشرقا محاضرا على منابر جمعياته ومعاهده ومنظماته، فمن لا يعرف الأستاذ مالك بن نبي من المهتمين بالفكر الأصيل في العالم الإسلامي.

كان رحمه الله لا يخلو من مشاركته لقاء أو مؤتمر إسلامي في العالم الإسلام أو خارجه: في القاهرة كل سنة أثناء انعقاد مؤتمر علماء المسلمين بالأزهر الشريف أو في مكة بمناسبة الحج.

في باريس بفرنسا أو اميريكا أثناء انعقاد مؤتمرات اتحادات الطلبة المسلمين في الخارج، أو في ليبيا أثناء انعقاد المؤتمر الأول للدعوة الإسلامية. ولقد كنت امني النفس بلقائه أثناء انعقاد المؤتمر الأول للشباب الإسلامي العالمي بطرابلس فلم ييسر الله الأمر فقد اعتذر رحمه الله عن الحضور للمرض الذي ألم به والذي كانت نهايته التحاق الروح ببارئها راضية مرضية فانا لله وإنا إليه راجعون. ولقد ترك الأستاذ مالك بن نبي زيادة عما دون من كتب ودراسات ترك تلامذة أوفياء تشربوا من فكره والتزموا به منهجا في عملهم الإصلاحي في شتى أنحاء العالم الإسلامي.

وفي الجزائر حيث ولد وعاش مناضلا مدافعا عن أصالة البلاد، كانت مشاركاته في الدورات الأولى لملتقى التعرف على الفكر الإسلامي متميزة، وتوجه هذه اللقآت المباركة، وفي المسؤوليات التي تحملها حرض على تنفيذ ما آمن به في برامج التعليم والتوجيه. وتلامذة الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله هم اليوم أساتذة بالجامعات الجزائرية ومراكز البحث والتوجيه على كاهلهم مهمة مواصلة الرسالة التي آمن بها الأستاذ مالك بن نبي وآمنوا بها معه وناضل من أجلها وحرم نفسه لذات الدنيا في سبيل إيصالها إلى النشء الذي حاولت سلطات الاستعمار وأفلحت إلى حد ما في فرنسته ومسخه فإلى رياض الخلد يا أستاذ مالك بن نبي بجوار النبيئين والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

آخر التغريدات: