مع الرَّافعي وبن نبي في باريس

بقلم: الطيب كمال عيساوي-

مضى القدر ببصري وبصيرتي وأنا أجهِّز نفسي للسَّفر على وحي القلم للأديب الألمعي مصطفى صادق الرافعي ليصحبني في سفري. لم تكن هذه الرحلة كسابقاتها إلى الصين وإسطنبول وماليزيا وإندونيسيا ودمشق والإمارات وتونس، فقد كانت الوجهة هذه المرة إلى بلد له الدَّور المحوري العميق في بناء الحضارة الغربية وتشييد صرحها. إلى بلدٍ ثار العقل البشري فيه على النقل البشري لينفض غبار العجز والشَّلل الذي فرضته عليه الكنيسة سُنون عِجاف؛ إلى بلدٍ مهَّد الفكر فيه فثار قبل أن يثور السِّلاح فأجاد توجيه البندقية حتى لا تُخطأ الهدف؛ إلى باريس الحضارة الغربية؛ إلى باريس المدَنيَّة والتطوُّر؛ إلى باريس الجنِّ والملائكة؛ إلى منبع الفكر الغربي الذي مهَّد لبناءِ الإنسان الغربي بما له من مساهمات في إنقاذِ البشرية في مجالات حياتيَّة عدة، وما عليه من سِلبيات في تعميمِ الفِكر المادي ليَسُود كلَّ مجالاتِ الحياة ويتقلَّص دورُ المعنوياتِ والروحانياتِ التي تنبع من الدِّيانات في تَشييدٍ واضحٍ صارخٍ لصَرحِ العقل واتخاذِه ربًّا يُعبدُ في دِيانة أطلقوا عليها اسم الإلحاد.

في باريس بَهرتني الإنسانية وهي تتمثل لي في صورة جذَّابة جاوزت القُدرة البشرية في الرَّسم إلى القُدرة الإلهية في التَّصوير والإِتقان بِفُسَيفِسَاءَ اشترك في زينتِها وجمالها وروعتها واختلاف ألوانها وبهاء صورتها وتفنُّنِ الفنِّ فيها الجِنسُ العربي والصيني والهندي والأوروبي والمكسيكي والإفريقي وغيرهم من أبناء البشرية. صورة تدفَّقَت منها معاني البهاء والروعة والدِّقة والجمال. صورة اِنبثقت منها معجزةٌ من معجزاتِ الله تعالى في التَّباين والاختلاف البشري الصُّوري. صورة أشعَّت منها معاني قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). صورة أفسدها شيطان الخاطِرِ الذي لم يُعجبه الحالُ فتَسلَّل إلى خاطِري ليُذَكِّره بالحقيقة التي عليها البشرية من صراعٍ واقتتالٍ واختلافٍ وحيادٍ عن الجادة فشوَّه عليه لحظات الاستمتاع بالفسيفساء الإنسانية ودعاهُ إلى الاستيقاظ من حُلمِ المِثالية ومواجهة الواقع بأَسئِلة حيَّرتني فأتعبتني وأفسدت علي جمال التأمل.

لم يُفارقني كتاب وحي القلم طوال رحلتي في باريس، فكنت في فتراتِ راحتي إما مع خاطري في دردشة تساؤلية حِوارية موضوعنا فيها الحضارة الغربية وإنسانها. وإما أن أُجالس صادق الرافعي ليُحدِّثني من وحي قلمه عن خواطِره وتجارُبه التي شهد لها كل صاحب فهم عميقٍ دقيقٍ بالجودة والإتقان وأن منبعها روح التَّجربة والواقع وعُمقهما. لم يكن يخطر على بالي أنَّه سيكون أخذٌ وردٌ بين ما أُدردش به مع نفسي وما سَيُحدِّثُني به الرَّافعي من وحي قلمه. وكأنني بالرافعي مَعي سَمع عقلي وهو يسأل فكري ليدعوه ويعرض عليه الجواب.

بينما كنت أحدِّث نفسي عن الإنسان الغربي في تفاعلاته الاجتماعية والسياسية والثقافية ودور الأخلاق فيها من ناحية التطوُّر والتباين الرَّهيب الذين شهدته بين مرحلتي هيمنة الكنيسة ويقظة العقل، أجد الرَّافعي يجيبني قائلا: ".. ولو اجتمع كل علماء أوروبا ليدرسوا المدينة الأوروبية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثبات الأخلاق". قلت: كيف!؟ فزادني: "انتهت المدنيَّة إلى تبدُّل الأخلاق بتبدُّل أحوال الحياة، فمن كان تقيًّا على الفقر والإملاق وحَرَمه الإعسار فُنون اللَّذة، ثم أيسر من بعد، جاز له أن يكون فاجرًا على الغنى وأن يتمسح لفجوره على مد ما يتطوَّح به المال، وإن أصبح في كل دينار من ماله شقاء نفس إنسانية أو فسادها".

استغربتُ من كلام الرافعي وأنا أشاهد الإنسان الغربي يُبدي من الاحترام واللَّباقة والابتسامة ما يُظهر أخلاقًا حضارية راقية. ثم رددت على نفسي أن قد لا يقصد الرافعي سطحيَّة الأخلاق إنما عُمقها. وإذا بالرافعي يحدِّثني من وحي قلمه قائلا: "وعندي أن للشعب ظاهر وباطن، فباطنه هو الدِّين الذي يحكم الفرد، وظاهره هو القانون الذي يحكم الجميع، ولن يصلح للباطن المتصل بالغيب إلا ذلك الحكم الديني المتصل بالغيب مثله؛ ومن هنا تتبيَّن مواضع الاختلال في المدنيَّة الأوروبية الجديدة؛ فهي في ظاهر الشعب دون باطنه، والفرد فاسد بها في ذات نفسه إذا هو تحلَّل من الدِّين، ولكنه مع ذلك يبدو صالحا منتظما في ظاهره الاجتماعي بالقوانين وبالآداب العامة التي تفرضها القوانين...".
نظرتُ حولي إلى: ما أسهم به العقل الغربي في مجالات الطب من اكتشافات علمية جنَّبت الإنسانية المعاناة عقود مضت وعقود أتت. نظرتُ حولي إلى ما قدَّم الإنسان الغربي للإنسانية في مجالات الهندسة والكيمياء والفيزياء وما لتقديمه من تطويرٍ لنمط الحياة البشرية وتسهيلها. ثم شدَّني الماضي إليه وعاد بي إلى الحربين العالميتين وما لهما من لعنة على البشرية، إلى ما عانى العالم الإسلامي في مرحلة الاستعمار الغربي وما شهدت علاقة الإنسان بأخيه الإنسان من جُرمٍ واعتداء لا مبرر لهما غير أطماعٍ غرائزية شهوانية على قيم الإنسانية.

ثم عاد بي الحاضر مرة أخرى إلى معاناة العالم الإسلامي في بقاعٍ شتى من هيمنة ووصاية واحتلال. فعجبت من تناقضات الشخصية الغربية وعدت إلى الرَّافعي قائلا: وهل لأزمة الأخلاق عندهم وعندنا من حل!؟. فقال: "في الكون أصل لا يتغير ولا يتبدل، هو قانون ضبط القوَّة وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الحكمة. ويقابله في الإنسان قانون مثله لا بد منه لضبط معاني الإنسان وتصريفها وتوجيهها على مقتضى الكمال". قلت: كيف ذلك؟ فقال: "المحافظة على الضوابط الإنسانية القوية التي هي مظهر الأديان فينا، ثم إدخال الواجبات الاجتماعية الحديثة في هذه الضوابط، ثم العمل على اتحاد المشاعر وتمازجها لتقويم هذا المظهر الشعبي في جملته بتقويم أجزائه، هذه هي الأركان الأربعة التي لا يقوم على غيرها بناء الشرق".

فقلت: إنه التمازح والتلاحم الواجب بين روح التديُّن والخضوع للقوانين الإلهية الروحانية الباطنية مع الواجبات الاجتماعية والضرورات الحياتية على شرط أن يكون تفاعل الاثنين تحت قانون وضابط الدّين. فإن كانت المسيحية حاربت العقل وحرَّمت عليه الخوض في علاقة الإنسان بالإنسان والإنسان بالكون. فمن المسائل الكبرى التي جاء الإسلام ليعالجها هي تحرُّر العقل البشري وبناء علاقةٍ بين الإنسان والإنسان والإنسان والكون يكون الضابط فيها والحَكَمُ والقانون هو الإسلام.

وبينما أنا والرَّافعي نناقش الحضارة الغربية وإنسانها في منطقة الفكر والمفكرين "سان ميشيل" إذا ببصري يلمح رجلا عليه من الهيبة والوقار ما يجعل الناس ينظرون إليه من مسافة بعيدة متسائلين عن هويته وكأنه من عالم آخر. كان الرجل يتأمل المباني الحضارية الفرنسية وكأنه خبير بها. يُنزل بصره إلى الأرض متمتمًا يسلبه تأمُّلٌ طويل. ثم يعود ليتأمَّل في الإنسان الغربي وكأنه خبير به ثم مرة أخرى يُنزل بصره متمتمًا يسلبه تأمل طويل. استغربت من تصرفات الرجل العظيم في هيبته فقصدته لأسأل عن هُويَّته فإذا به ينظر إلي نظرة من ترك أمانة ضيعها جيل جاء بعده، نظرة من هندس لمشروع أهمله أحفاده، ثم قال: أنا رجل الحضارة التي هندستها أينَ لا حضارة عشتموها، أين أينتم من الأمم؟! لم أجبه إلا بدمعٍ على العين يُخمد حرقة العقل والقلب معا.

وأنا أتجول في شوارع باريس راودتني رغبة عجيبة في رؤية مالك ابن نبي دون غيره من المفكرين فصوَّره لي الخاطر كما صوَّره.

آخر التغريدات: