كيف نظر مالك بن نبي للمجتمعات المتحضرة؟

كيف نظر مالك بن نبي للمجتمعات المتحضرة؟

بقلم: أسامة خضراوي

يبرز مالك بن نبي في نظريته أن الإنسان اجتماعي بطبعه، ويسعى دوماً عبر أعماله لتحقيق فطرية الاجتماع الغريزية فيه، ونتيجةً لهذه الميزة الاجتماعية التي ترضي وتلبي حاجياته الفطرية فهو بحاجة دائمةٍ ماسةٍ إلى تحقيق آليات الانصهار الاجتماعي مع بني جنسه، الأمر الذي يدفعه إلى البحث عن وسائل للتفاهم والتواصل اللغوي والفكري والاجتماعي والثقافي، وبهاته الآليات تتشكل نواة المجتمع.

ولا يقوم المجتمع، ولا يعرف الاستقرار إلاّ بالفاعلية الثقافية، ولا تتحقق الفاعلية الثقافية فيه، إلا بالممارسة والحقن الحضاري. وأيّ تقاعسٍ في عملية الزرع الثقافي الدؤوب في مسيرة وبنية وعمق المجتمع ستجعل من المجتمع مجتمعاّ متخلفاّ/بدائياّ تسوده الهمجية ويحيا بالتخلف والفوضى، ولذلك فقد عرّف المفكر مالك بن نبي الحضارة قائلاً (إنني أؤمن بالحضارة على أنها حماية للإنسان، لأنها تضع حاجزاً بينه وبين الهمجية). وبذلك، يعرف الأستاذ مالك بن نبي الحضارة بالنظر إلى عناصر تركيبها الأساسية، وهي: معادلة تركيبها الحدود التالية:( إنسان - تراب - زمن - حضارة).

كما أن عناصر الحضارة لن تجدي نفعاً إذا لم يكن الجامع بينهما هو فكرة الوازع الديني، الذي يسيطر على روح الفرد وحياة الأمة، وبذلك يظل هذا العامل هو المتحكم في سيرها التاريخي، وهذا ما يؤكده مالك بقوله: (فالحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية، والحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعةً ومنهاجاً فكأنما قدر للإنسان ألا نشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية).

وإن الفكرة الدينية تبث في روح معتنقيها الأخلاق الرفيعة، ومن بلسم روحها تنتشر وتنبعث حياة المجتمع الفكرة المتطورة، فإذا فقدت الأخلاق تحررت الغريزة، وهنا تنتصر الهمجية وتتقوى، وبذلك تطلق العنان إلى سقوط الحضارة على إثر تحرر الغرائز، فإذا ما تحررت الغرائز في الأفراد وسيطرت عليهم توجهت عقولهم نحو الكم والأرقام، وفق الإنسان قيمته الروحية الحقيقية وصارت الحضارة في يده وسيلة استعمار، ووسيلة اضطهاد وظلم وفساد وضغط، كما يرى بن نبي أن الحضارة تبدأ ببزوغ فكرة دينية فيه، وتسمى هذه المرحلة بمرحلة الروح، وتكون الحضارة في طور الميلاد والنشأة، ثم تليها مرحلة انتشار وتوسع الحضارة، وتسمى مرحلة العقل، لتنتهي إلى مرحلة الغريزة وهي مرحلة الأفول والتلاشي.

ومن خلال هذا العرض السريع لمفهوم الحضارة عند مالك بن نبي نتبين أنه قد عرفها من خلال ثلاثة مستويات، فتعريفه لها من حيث تركيب عناصرها، يشير إلى النظرة النشوئية التكوينية، وتعريفه لها من حيث وظيفتها، يشير إلى النظرة الوظيفية، وتعريفه لها من الناحية التاريخية يشير إلى النظرة التاريخية التطورية البيانية.

تيمات الحضارة عند مالك بن نبي:

يرى الأستاذ مالك أن الحضارة لا تستقر في مكان واحد في الأرض، كما أنها لا تتمركز في رقعة جغرافية معينة، أو عند شعب معين، بل تسير وتتحرك من مكان لآخر، ومن شعب لآخر:( لأن الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر.).

وتتقاسم حركية قيام الحضارات وسقوطها ثلاثة مستويات نظرية رئيسة كبرى، هي:

1- نظرية حركة التقدم الصاعد للحضارة.

2- نظرية حركة النكوص المتدهور.

3- نظرية التعاقب الدوري.

وتدخل رؤية مالك بن نبي ضمن سياق النظرية الثالثة، التي درست الحضارة كحركة تعاقب دوري سنني، وقد تميزت هذه النظرية بنوعية العلماء والباحثين الذين قدموا قراءاتهم فيها بعمق وموضوعية وإنصاف، وهم:

1-المؤرخ والباحث الموسوعي عبد الرحمن بن خلدون، الذي يرى أن خط سير الحضارة في أي أمة من الأمم يمر بالمراحل الأربعة الآتية: (مرحلة البداوة، ومرحلة الحضارة، ومرحلة الترف، ومرحلة التدهور).

2-المؤرخ والباحث الموسوعي اشبنجلرت، الذي يرى أن الحضارة كائن حي، يولد وينمو، ويكبر ويهرم، ويموت.

3-المؤرخ الموسوعي أرنولد توينبي، الذي يرى أن العامل الرئيسي في نمو الحضارة هو التحديات البيئية والجغرافية والبشرية المحيطة بالمجتمع.

4-المؤرخ والفيلسوف هيغل، الذي يرى أن قيام الحضارة متوقف على الصراع القائم بين المتناقضات في نطاق المادة ووسائل الإنتاج.

المجتمع المتحضر في رؤية مالك بن نبي:

إن المرحلة الأولى من مراحل الحضارة هي المرحلة التي تسودها القيم الروحية، وميزة هذه المرحلة هو الالتزام بالمبدأ التعبدي الشخصي، أو التعبد الجمعي (العلاقات الاجتماعية). فالمبدأ هو مركز الدوران الذي يحققه هدف نشاط الفرد والمجتمع، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أراد أن تكسر علاقة المبدأ في بعض جوانبها لفائدة علاقة العواطف: (والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها). وكذلك قوله تعالى لمن أرادوا أن تكسر علاقة المبدأ في بعض جوانبها لفائدة الحسابات الظرفية: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

وقد نبه الأستاذ مالك بن نبي إلى أن مرحلة الروح تطبع المجتمعين بطابعين مهمين هما:

1- خنوس الأنا الذاتية، وانسجامها مع المسار العام للمجتمع.

2-انسداد الفجوات الاجتماعية وغياب الفراغ الاجتماعي.

وفي هذه المرحلة تكون كل الملكات (الغرائز، العقل) تحت سيطرة الروح، فإذا ما أفلتت الروح، وظهرت بوادر الفتور، انتهت مرحلة التألق والإشعاع، لتبدأ مرحلة لها ميزاتها الخاصة وهي مرحلة العقل، حيث تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة العقل، متجهة نحو المشكلة المادية. وتصبح مرحلة العقل مرادفة للحسابات الشخصية والأنانية والمصلحة، وتمزق الجوانب الاجتماعية من خيوط شبكة العلاقات كما حدث في معركة صفين32 هـ.

ثم تحصل بعض التفككات الروحية في الفرد وفي روح الجماعة والمجتمع بانفصال الأساس المعرفي عن البعد الثقافي، وبانفصال الأساس الإيماني عن البعد السلوكي، وتبدأ مرحلة الغريزة المتحررة من وصاية الروح والعقل، ويسود المرض الاجتماعي، وتظهر آثاره في علاقات الأفراد وأخلاقهم، فيكون تضخم الأنا وانتفاخها، وتتحلل شبكة العلاقات الاجتماعية عندما يسترد استقلاله وسلطته في داخل الجسد الاجتماعي. وتميل الكفة في هذه المرحلة إلى التشيئية، ويسود قانون الكم والعدد.. ويسود المجتمع الانحطاط، وينتهي المجتمع، ويخرج عن الحضارة، ويعود الإنسان إلى مستوى الحياة البدائية، ولا يعود الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل تصبح عناصر خاملة لا صلة بينها.

وهذه الظاهرة الحضارية لا تمس الأمة الإسلامية فحسب، بل تتعداها لكل الأمم والشعوب الأخرى لأن (التجارب التاريخية العامة تؤكد أطوار الحضارات هذه، ولا تكاد حضارة ما تشذ عن هذه القاعدة).

انطلاقاً من نظرية الأطوار العمرية للإنسان عند مالك بن نبي فإن المجتمع المتحضر هو المجتمع الذي بلغ عمر الفكرة، وتتمثل هذه الفكرة في جملة عوامل معنوية ومادية تتيح لهذا المجتمع أن يوفر لكل فرد من أفراده جميع الضمانات والضوابط الاجتماعية اللازمة لمواصلة عملية التحضر. لأن الحضارة هي:

القدرة على القيام بوظيفة أو بمهمة معينة تخدم تقدم ونمو المجتمع.

ووضع الأستاذ مالك بن نبي شروطاً لتحضير المجتمع، وهي:

1- انتصار عالم الأفكار السليمة على الأفكار الميتة والمشوشة.

2- وضوح وأصالة المنهج المتبع في تنمية الفرد والجماعة.

3- انعدام فاعلية عقدة القابلية للاستعمار.

4- تفاعل مجموع الأشخاص مع ضروب التراب ومجموع الأزمنة في تفاعل معاجلة الناتج الحضاري (إنسان- تراب - زمن - حضارة).

وحتى يحقق المجتمع رقيه الحضاري لابد من حل إشكالات الحضارة الثلاث والسيطرة عليها، وهي:(مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت).

ولحل مشكلة الإنسان يجب توجيه وضبط العوامل الثلاثة المنوطة بنجاحه، وهي:

- مشكلة الإنسان:

1- توجيه الفكر والثقافة للإنسان المتحضر، وذلك بتشبيعه وريه بأبعادها الأربعة: الدين والخلق، والتذوق الجمالي، والعلم، والتمكن الصناعي والتكنولوجي.

2- توجيه قيم العمل الجماعي في الإنسان لصناعة الإنسان الكائن المتحضر.

3- توجيه ووضوح سياسة المال لخدمة الكائن المتحضر.

ولتبيين الفرق بين العلم الحقيقي القادر على نقل الإنسان لدائرة التحضر يبين الاستاذ مالك أن الإسلام وفر المناخ والنفسي والروحي والاجتماعي المناسب لنمو العلم وازدهاره. فالقرآن الكريم لم يحمل أسرار صناعة الذرة أو غزو الفضاء، ولكنه بث آياته روح وحركية العلم، على العكس من التوراة التي ابتدأت في سفر التكوين على توضيح الظاهرات المادية، والإنجيل الذي استفتح على عملية تجسيد الأقانيم الثلاثة، فإن القرآن الكريم بدأ بالعلم والحث عليه، وبذكر أدواته ومناخه الملائم.

- مشكلة التراب: وهنا يبدو أثر وفاعلية الإنسان ككائن يسعى للتحضر لتحريك التراب الجامد وتحويله إلى منجزات حضارية.

- مشكلة الوقت: وهنا يتجه الإنسان لتبيين تأثيره في الاستفادة من الوقت. وهكذا يصبح حل مشكلات الحضارة يعني دخول المجتمع في مرحلة التحضر.

آخر التغريدات: