عود على بدء.. جمعية العلماء والثورة والاستعمار!

بقلم: علي حليتيم-

لا تزال قضية مشاركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الثورة التحريرية وموقفها منها حية حاضرة شائكة تثير الجدل والنقاش وتدل دلالات كثيرة؛ منها أن بعض التاريخ لا يدخل التاريخ حتى يكف عن كونه أداة من أدوات الصراع، وهذه القضية بالذات لا تزال تمثل أداة من أدوات الصراع الفكري الدائر في بلادنا وستبقى كذلك إلى عقود طويلة.

وهذا النقاش لا يدور بين مؤرخين وباحثين، ولو كان كذلك لكففنا عن القول ولأمسكنا أقلامنا عن الكتابة، ولتركنا هذه القضيه لأهلها يفتون فيها فالتاريخ للمؤرخين كما أن الفتوى للفقهاء وهلم جرا.

لكن الذين يطرحون هذه المسألة ليسوا مؤرخين ولا تهمهم آراء المؤرخين في قليل أو كثير. إنهم أولا رفاق الأمس من المجاهدين الذين أنكروا أن الجمعية كانت معهم في ثورة التحرير وثانيا العلمانيون الذين يصرون على أن الجمعية كانت تتعاون مع فرنسا بل كانت موافقة على الاحتلال وكانت لا تطالب بالاستقلال وهم ثالثا وأخيرا بعض المثقفين الذين تأثروا بالقول سمعوه هنا وهناك حتى قال لي أحدهم إن الجمعية قد أصدرت بيانا ضد الثورة في ثلاثة نوفمبر، فقلت له: ذلك كان بيان تأييد وهو أول وأسرع بيان تأييد لو كنت منصفا!

شاهت وجوه من يقولون إن جمعية العلماء المسلمين كانت موافقة على الاحتلال ورغمت أنوفهم ونطقت ألسنتهم بالإفك من القول ولم يجدوا من بيان ودلائل على ما يقولون إلا كلمة أو كلمتين قالتهما الجمعية تداهن بهما فرنسا ترد من غلوائها وتخفف من شرورها وتخضع بالقول حتى تصل وتبلغ إلى ما تريد من الفعل.

ابحث في العشريتين الماضيتين ستجد أن كثيرا من الناس كانوا يدا يداهنون السلطة القائمة والرئيس المخلوع لأنه كان يمثل الدولة الجزائرية من جهة – أحببنا أو كرهنا – ولأنه كان يمثل السلطة الظالمة فكان الناس يداهنونه بالقول ويصانعونه بالكلمات يدفعون بذلك شرا أو يستجلبون خيرا كما قال الزهير:

ومن لا يصانع في أمور كثيرة

يُضرَّسْ بأنيابٍ ويُوطَأ بمَنسِمِ

حين تغيب هذه الممارسات عند الإسلاميين يلومهم اللائمون على قلة الدبلوماسية، وحين تكون حاضرة يرمونهم بالتواطؤ والخذلان.

وماذا كانت تملك جمعية العلماء أن تفعل في ذلك الوقت وفرنسا هي السلطة القائمة التي تقتل دون أن يسألها أحد وتمنع النشاط دون أن يسألها أحد،  وكان الحاكم الفرنسي في الجزائر هو المسؤول عن الديانة الإسلامية يأذن لمن يشاء ويمنع من يشاء؟

وهل يكون مؤيدا لفرنسا من لم يجد الناس له في تاريخه الطويل وأدبياته التي لا تجمعها المجلدات الكثيرة إلا تصريحا أو تصريحين يدل منطوقهما وسياقهما  دلالة واضحة أنه يريد بهما أن يبلغ إلى غاية معينة ومحددة.

والزمن اليوم هو الزمن بالأمس، وفرنسا اليوم هي العدو كما كانت بالأمس، فهل من الحكمة أن يقوم رئيس الجمعية اليوم بتصريحات معادية لفرنسا أو أمريكا يثير بذلك حفيظة العدو المتربص القوي ويثير حفيظة حلفائهما داخل الوطن ويجر على الجمعية الويلات وقد قال فقهاؤنا إن درء المفاسد أولى من جلب المصالح؟

لقد كانت كل حركة وسكنة أو فعل أو قول أو برنامج أو درس أو مدرسة أو ناد أو خطبة أو مقالة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين مشروعا مناهضا  للاستعمار، وكان كل منتسب للجمعية مشروع مجاهد في ثورة الفكر على الإدماج والتغريب أو مشروع مجاهد في ثورة التحرير وكانت فرنسا تعلم ذلك جيدا وكان كل الناس يعلمون ذلك جيدا ولقد قال الشيخ البشير الإبراهيمي ذات يوم: والله لو تأخرت جمعيه العلماء 20 سنة لما وجدت من يسمع صوتها!

والعالم كله يعلم أن روح ثورة نوفمبر التي هزمت الاستعمار هي الإسلام، والعالم كله يعلم أن جمعية العلماء كانت الرافع الأول وربما الوحيد في ذلك الوقت لراية الإسلام الصحيح الثائر الذي كان هدفه الأول تطهير البلاد من الاستعمار وكل أجيال المجاهدين في ذلك الوقت يعلمون ذلك ويعلمون أن جمعيه العلماء لم تصنع انطلاقة نوفمبر لكنها صنعت روحها ورجالها وقدمت آلاف الشهداء ولم يخرج من صفوفها الخونة كما خرج من الهيئات الأخرى!

وكان تصرف رجالاتها إزاء الثورة أسمى  بكثير من تصرف من يدعون الثورية والجهاد فلم تتردد الجمعية في أيام الثورة الأولى كما تردد كثير من الزعماء بل سارعت إلى المباركة والتأييد في 3 نوفمبر و15 نوفمبر يوم كان بعض القادة يقولون إن إعلان نوفمبر ” عمل ذراري ” وسارع رجالها وطلبتها إلى الانخراط في الثورة في الوقت الذي كان بعض الزعماء يحثون الناس على مقاومتها أو يصرفونهم عنها على أقل تقدير.

ولم يسارع قادة الجمعية إلى الزعامة كما سارع إلى ذلك كل من يطعنون في قادة الجمعية اليوم بل وضعوا أنفسهم تحت قيادة جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني وهم يعلمون أنهم أولى من كثير منهم بالقيادة والريادة في سابقة فريدة من نكران الذات في تاريخنا المليء بعبادتها وتمجيدها.

لقد قام المجاهدون بتصفية بعضهم البعض، وقام بعضهم بالاتصال بالاستعمار، وقام بعضهم بالتبليغ عن البعض الآخر للعدو، وكانت هناك خيانات كثيرة لم يكشف عنها حتى اليوم بسبب موازين القوى وتملك فرنسا للأرشيف،  واستمرت تلك الروح بعد التحرير وكانت هي السبب المباشر لحصولنا على نصف استقلال وكانت هي السبب المباشر في اتفاقيات إيفيان التي ندفع غرامتها حتى اليوم.

ولا يزال هؤلاء الذين نسقوا مع الاستعمار يطعنون في جمعية العلماء المسلمين التي لم تعط للاستعمار قيد نقير ولم تبع معه ولم تشتر ولم تخرج عن جلدها ولم ينقص إخلاصها لدينها ووطنها أبدا ولو مرة واحدة.

وحين رجعنا إلى التاريخ نسائله، وجدنا أن أحد الذين يطعنون في جمعية العلماء قد أعطى فرنسا نصف بترول الجزائر ثم صرّح سنه 65  أن ذلك الاتفاق مع الاستعمار هو اتفاق رابح/رابح gagnant/gagnant  لكنه أخفى على الجزائريين أن فرنسا قد أخذت بذلك الاتفاق نصف بترولنا بالمجان، ثم عاد وصرح سنه 92 بعدما وضع يده في يد جنرالات فرنسا الذين قتلوا ربع مليون جزائري أنه فعل ذلك لإنقاذ الدولة الوطنية وكان يعلم علم اليقين – وهو رجل الدولة الخبير المحنك- أن العشرية السوداء كانت رجوعا بالجزائر إلى حضن الاستعمار وكانت تكريسا خطيرا للتبعية  ووقع فيها من التنازلات ما الله به عليم.

الوطنية ليست مجرد قول بل هي أكبر من ذلك، ومعاداة الاستعمار ليست مجرد تصريح بل أخطر من ذلك، والاستعمار الفرنسي يعلم جيدا من أصدقاؤه ومن أعداؤه في الجزائر!

إن روح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين  وروح الاستعمار ضدان لا يلتقيان أبدا، وإن مشروعها ومشروع الاستعمار نقيضان لا يتقاربان أبدا، وإن غايتها وغاية الاستعمار خطان متوازيان لا يتقاطعان أبدا ولا تزال الجمعية إلى اليوم – علم الجميع – هي التي تنأى بالجزائر عن العدو بينما يريد لها الآخرون أن تقترب منه، ويذود أبناء الوطن عن حياضه المسمومة بينما يريد الآخرون لهم أن ينشؤوا على حبه وقربه، وتحيي في الجزائر معاني الوطنية والدين بينما يريد لها الآخرون أن تموت باسم العولمة والحداثة.

والغريب العجيب المدهش في الأمر أن الذين يريدون أن يلقوا تهمة القرب من الاستعمار على جمعية ابن باديس هم أحباب فرنسا بالذات!

كيف تنقمون على الجمعية قربها من فرنسا وأنتم أقرب الأقربين منها وتسعون إلى الزلفى منها كل يوم؟

لماذا يكرهون الجمعية التي تؤيد الاستعمار حسب زعمهم؟ كان الأولى بهم أن يحبوها لأنهم يحبون الاستعمار وحبيب الحبيب حبيب؟!

كان الأولى أن يتقربوا منها ما دامت قريبة من أوليائهم وأرباب نعمتهم!

كان الأولى بهم أن يتعاونوا مع الجمعية مادامت منفتحة على الاستعمار الذي يتكلمون هم بلغته ويحملون روحه وينتمون إليه أكثر مما ينتمون إلى هذا الوطن!

هذه المعركة ليست معركة حقائق تاريخية، لكنها معركة حاضر ومعركة الصراع الفكري بين أولياء الاستعمار وأعدائه وأولياء الاستعمار يريدون أن يشوهوا أعداء الاستعمار حتى يخلو لهم الجو وتخلو لهم ساحة العبث الفكري والثقافي بالجزائريين.

ستبقى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كما كانت بالأمس الحصن الحصين للوطنية والدين، تحمل في يدها راية الأمة الجزائرية، وتحمل في فكرها ودربها  مشروع ومبادئ الأمة  الجزائرية، وتحمل في صفوفها وبين جنباتها روحها وآمالها وتطلعها نحو المستقبل.

آخر التغريدات: