مسحة خفيفة وقراءة لطيفة في عيون البصائر للشيخ البشير الإبراهيمي

بقلم : أحمد بن محمد بونوة-

قدم ابن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي لكتاب أبيه معرفا إياه بأنه ذو أسلوب رصين وقدرة في المعالجة والتفنن فقد كان له من المشارقة صفاء البيان، ومن المغاربة منطقية العرض، يستمد من القرآن الكريم أسلوبه واستلهامه وبيانه.

هذا وإن المقالات التي حواها قد كتبت في ظرف عصيب وصعب. هو ظرف الاحتلال الفرنسي للجزائر وبيّن فحواها تاركا باحترام التقديم للشاعر المرحوم محمد العيد آل خليفة الذي دبج الكتاب بقصيدة طويلة رائعة أعادته إلى مجد أيام الشعر والوجد. فكان هو، كما كان من قبل هو.

نفس (بفتح الفاء) طويل ونفس (بتسكين الفاء) جيّاشة، وعقل مميز وقلب صادق ولسان حسن، والحق أن "عيون البصائر" كتاب جمع مقالات جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الذي افتتح بمقال حول عودة البصائر إلى العمل بعد إغفاءة سنين متأثرة بآثار الحرب العالمية الثانية، حين التزم أعضاء الجمعية الهدوء والسكوت حتى لا يعرضوا أنفسهم ونشاطهم وجمعيتهم للتنكيل من فرنسا المجنونة، وأذنابها خاصة بعد غلق كل جرائد الجمعية، وآخرها البصائر .

أما أنا فقد اخترت الكتابة حول كتاب " عيون البصائر " لأنظر ماذا قدم الجزائريون أيام ظلام الاحتلال من جهد، وقرأت الجزء الثاني لعدم وجود الجزء الأول في المكتبة في تلك الفترة أيام التكوين في مركز تكوين إطارات التربية بالجزائر العاصمة في 1999، حيث كنت أتكون مفتشا في التعليم الابتدائي .

وكتبت قائلا : لقد كان الشيخ الإبراهيمي في مقالاته يحمل همّ الأمة الإسلامية كلها فبدأ بالجزائر إلى هموم فلسطين وغيرها من الأصقاع، يكتب ويمحص ويدقق ويحلل ويفكر ويقدر... فهو جبل أشمّ يدفع ويدافع عن كل أرض العروبة والإسلام الهمّ والوهن الذي حلّ بها .

الاستعمار:

فهو في أول مقال تحت عنوان " الحقائق العريانة " يفضح الاستعمار المفضوح أصلا ، قائلا أنه عامل هدم لا يكلّ و لا يملّ عن هدم هيكل الإسلام يمسخ الأصيل، ويبدّل العرى، ويهدم البناء، مبيّنا دور جمعية العلماء الذي هو البناء والإصلاح، وإعادة الإسلام إلى مجده، ومن ذلك المطالبة الشهيرة بإصلاح القضاء والمساجد والأوقاف والتعليم العربي سنة 1944 التي قوبلت بالإهمال.

الجمعية واللغة العربية:

ترى الجمعية أن للغة العربية في الجزائر حقّان يجعلان المحافظة عليها أمر واجب وبديهي، وهما: أنها لغة دين، ولغة جنس الأمة العربية الجزائرية، ولذلك تطالب بإلغاء القوانين الجائرة، وبتحليل التعليم العربي، إذ أن الرخصة في التعليم العربي لا تعطى إلا لمن ترضى عنهم فرنسا، فتكون الرخصة منعا لا ترخيصا .

وقد اعتبر القرار الشوطاني -نسبة إلى شوطان- الذي جعل العربية أجنبية في الجزائر ظالما مجحفا ، وبسببه منعت الصحافة والتعليم العربي، والتضييق على النوادي والمساجد والأوقاف... وفرنسا منافقة كاذبة، فهي تدّعي اللائكية وفصل الدين عن الدولة، ولكنها في نفس الوقت لا تفصل المساجد وشؤون المسلمين الأخرى عن نفوذها وظلمها، وفي نفس الوقت تترك معابد اليهود فضلا عن المسيحيين حرة .

فصل الدين عن الدولة:

فجمعية العلماء تدعو إلى فصل الدين عن الدولة أي فصل الإسلام عن الدولة الاستعمارية الكافرة التي لا علاقة لها به في أي منحى وأي اتجاه، فصلا تاما، فتترك للمسلمين تسيير شؤونهم القضائية " الأحوال الشخصية مثلا " التي لا يمكن أن تكون مسيحية، ولا يهودية، وشؤون تسيير المساجد والجمعيات والأوقاف وتحرير شؤون الحج والصوم أي شؤون رمضان صوما وعيدا. ولذلك فلتخرس ألسنة سمعتها مرة في مسجد في درس أو خطبة تنتقد جمعية العلماء وتقول أنها دعت إلى اللائكية وأيدتها ، وذلك والله دليل جهل ووقاحة ذلك القائل الذي ادعى العلم والفهم وهو أضل من حمار أهله .

إن المرجع الأساسي لجمعية العلماء هو الإسلام بكل صفاته وحضارته وأعداؤها هم الاستعمار وأنصاره وصنائعه ، وجهلة يخطئون الطريق الحق ، وثعالب تسرق مال وجهد ووقت الأمة .

إن الجمعية أحيت روح الأمة وأوجدت لها " رأيا عاما " وحققت للجزائر نسبها العربي الإسلامي .

السياسة عند فرنسا في رأي الجمعية :

السياسة عند فرنسا "بعبع " مخيف، وصفت به حتى المصلّين والحجاج وليست في عرفها تدبير شؤون الملك، وهي أيضا تهافت الأحزاب والطامعين على الكراسي ، والمناقشة في القشور والجدل العقيم والشتم والسب. فالسياسة هنا تكون تجارة ، وبئست التجارة : فهي إذن سلاح اقتناص المتذبذبين وتخويف المخلصين، وجمعية العلماء في نظر الاستعمار جمعية سياسية وطنية تتستر بالدين ، تخدم مصالح أجنبية، وأن جلال العلم والدين لا ينفق مع وسخ السياسة ، ثم يعتقل ويسجن ويقتل أعضاء الجمعية ،وهذا في الحقيقة والواقع ما تقوله وتفعله الأنظمة العربية التي هي بقايا من فلول الأجناد التابعة للاستعمار والاحتلال الغربي أو الصهيوني اليهودي أو الأمريكي .الجاثمة على صدر الأمة، الخادمة للفكر الكفري الارهابي المخرب... والجمعية ردت بدعة فرنسا في إحياء العنصرية والفرقة بين العرب والبربر ، وبدعة " الإسلام الجزائري " في التفريق بين المسلمين في الجزائر، وبقية أصقاع العالم، وهذا أيضا مما يردده ويؤسس له المستشرقون وأبناؤهم وأتباعهم من الفرنكوش والمتفلسفة وغيرهم ممن يدعون الثقافة والحضارة .

وفي ردها على السياسيين أنه لابد من إيجاد الأمة ، والذي لا يمكن أن يوجد إلا بثلاثة أسس : جنس ولغة ودين، وأنها تعمل على سياسة التربية وغيرها يعمل على تربية السياسة التي هي فرع من الأولى .

من مواقف الجمعية السياسية :

حربها للاندماج :

حاربت الجمعية سياسة الاندماج والتجنس، وأفتت بردة من تجنس بجنسية فرنسا ، فأثبتت إسلامية الجزائر وظهر ذلك في حربها للائحة الاندماج الصادرة بتاريخ 07 مارس كل ذلك وخطواتها باسم الدين، والدين يقين لا يتزعزع وبصائر لا تزيغ .

جمعية العلماء واللغة العربية:

العربية في الجزائر ليست غريبة ولا دخيلة بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، ممتدة الجذور مع الماضي مشتدة الأواخي مع الحاضر طويلة الأفنان في المستقبل، وهي باقية ما بقي الإسلام منذ أن دخل فاتحا، وقد كذب وفجر كل من سمّى الفتح الإسلامي استعمارا إنما هو راحة من الهم الناصب، ورحمة من العذاب الواصب وإنصاف للبربر من الجور الروماني البغيض، وبقاء البربرية في بعض الجهات شهادة للعربية بحسن الجوار، وللإسلام بالعدل، وبالعربية ومعها العلم، فلروحانية الإسلام ، ولجمال العربية أصبح الإسلام صبغة للجزائر لا تنصل ولا تحول ، وأصبحت العربية عقيلة حرة ليس لها بهذا الوطن ضرة.

التعليم العربي:

موقف فرنسا من التعليم العربي يجسد الصراع بين المسيحية والإسلام ، بين الجزائر والاستعمار. وقد انتهجت حكومة فرنسا الكافرة المحتلة سياسة التجهيل للشعب الجزائري، فإن وجد التعليم فلفئة معينة تابعة لفرنسا، وباللسان الفرنسي، وقد أسست الجمعية معاهدها في كثير من ربوع الجزائر رغم القوانين الجائرة، والمضايقات المانعة، وكان لها أثر كبير في الحفاظ على شخصية الجزائر، وقد بلغ عدد مدارس الجمعية سنة 1955 أربعمئة "400" مدرسة، وبلغ عدد التلاميذ قريبا من خمسة وسبعين ألفا "75 ألفا " ذكورا وإناثا وعدد المعلمين قريبا من سبعمئة "700 "

وقد وجّه الشيخ البشير كلمات رائعة للمعلمين والمتعلمين، تنم عن صدق نيته وجهده في البناء الحضاري للجزائر والتشوق إلى مستقبلها الزاهر المنوط بالتعليم ومن كلامه الجيد " اثنتان يجب توحيدهما وإصلاحهما بحزم وشجاعة وإخلاص، هيئات التدريس والكشافة " وأن الأمة تريد تعليما عربيا ببرامج ووسائل ومعلمين وفي كل المراحل، وبلغتها العربية مسايرا للعصر مواكبا لكل الأنشطة والعلوم العلمية والإنسانية .

جمعية العلماء والمشاكل الاجتماعية بالجزائر :

في الزواج نرى في كلمة الشيخ البشير دعوة إلى تجديد الدين، وترك العوائد الجديدة والبدع التي أفسدت يسر وصفاء الشرع، ولما كان أيضا الهدف عند كثير من الناس من الزواج حب المال والجري وراء الدنيا وبهرجها، كثر الطلاق وشاع النكد، وذاع الفسوق والعصيان.

...ويرى الشيخ أن في الزواج خدمة للوطن حين يصبح للرجل عرض يدافع عنه، وولد يوسع له الأمل، وكيف تحمي الأرض إذا لم يدفع عن العرض ؟!

ويقول: ليت شعري هل يدري المتساهلون في الطلاق ماذا جنوا على أنفسهم وعلى أبنائهم وعلى أمتهم، وإن الأمة لا تنعم بأطفالها صغارا، ولا تشفع لهم كبارا إلا إذا نشأوا مقبلين في أحضان الآباء والأمهات. كما دعا إلى عدم المغالاة في المهور ليحفظ البناء الأسري والأمة الجزائرية كلها

موقف سياسي:

موقف دعوي عقيدي شرعي :

كما يدعو الشيخ العلماء إلى البعد عن الخرافة والبدع ورفع الهامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأي منكر أعظم من الاستعمار، ومن المنكرات شيوع " الزرد" وعبادة الأضرحة والقبور، التي يشجع عليها الاستعمار، ويدفع الناس إليها ليلهيهم ويأخذ أموالهم وأرضهم،.

جمعية العلماء والسياسة الفرنسية في الجزائر :

دعوة إلى الأحزاب والهيئات :

بالاتحاد في الترشح وفي الدفاع عن قضايا الأمة، ودوافع الاتحاد واضحة للعيان، فأولها التكتل الاستعماري، وثانيها الانتخابات للمجلس النيابي الذي يريد حزب فرنسا الاستيلاء على جميع مقاعده بكل الوسائل، والثالث الحالة العالمية الغامضة..

ويوم 08 ماي 1945 يوم مظلم ويوم شؤم ليس غريبا عن رزنامة الاستعمار، إذ أيامه كلها نحسات، ومن ذلك أيام أسبوع فرنسا التي تسبق كل انتخاب كما سمّاها الاستعمار ليجعلها سببا في الاعتقال والسجن والتعذيب والقتل، وبذلك يكون من عرف فرنسا أن القانون ذريعة انتقام ، والقانون كانون إحراق، ومن أدلة ذلك اعتقال مشايخ الجمعية كلّما زار أحدهم بلدة لمصالح شخصية أو زيارة أقارب أو لإلقاء درس، من قبل بوليس تلك البلدة ، وأيضا غلق المدارس في كل مكان الخاصة بالجمعية، لنشر الفساد ولينسى الجزائري حاله وآلامه وطمسا للدين أحيت فرنسا بدع العوائد والزرد وعبادة القبور .

وأن الجزائر ليست فرنسا ولن تكون فرنسا ولو أرادت ذلك ، ولو أراد لها ذلك المستشرقون من أمثال صاحب فكرة "فرانس إسلام"

جمعية العلماء وفلسطين :

أيظن الظانون أن الجزائريين بعراقتهم في العروبة والإسلام ينسون فلسطين ... ذلك لا يكون، ولكن الاستعمار يحول بينهم وبينها ، والاستعمار ملة واحدة أعطاها الانكليز لليهود، وقسمتها الأمم المتحدة وأقرت اليهود في احتلالها ، والعجيب أنه شاع رأي بأن اليهود لا أرض لهم وذلك يخول لهم ملكية الأرض وهتك العرض وطرد أهل فلسطين منها . والتنازل ؟؟!! لهم عن جزء منها .بل لقد سمعت من الفرنكوش وأشياعهم من يقر هذا ويزيد عليه بقوله ما لنا نحن وفلسطين أهلها أولى بالدفاع عنها. لكن فلسطين وديعة محمّد -صلى الله عليه وسلم- عند المسلمين وأمانة عمر -رضي الله عنه- في ذمتهم، وعهد الإسلام في أعناقهم فلئن لم تتحرر من أيدي اليهود اليوم ونحن عصبة إنّا إذ لخاسرون، ولذلك نريدها أرضا مقدسة مكمّلة لقدسية مكة والمدينة لا يراد فيها بإلحاد بظلم .

جمعية العلماء والشرق الإسلامي :

الشرق الإسلامي يرزح تحت نير الاستعمار بكل أشكاله ، فاليهود دقوا إسفينهم في فلسطين وشركات المستعمر ونفوذه السياسية والاقتصادية تتصارع وتسعى مستغلة كنوز الجزيرة والهند الإسلامي ، فتكت بشرقنا الدسائس والفتن وما حال تركية بخاف بعد سقوط الخلافة ، ولا سبيل إلى السيادة و الرّيادة بعد التحرر إلا بإعادة المجد التليد بالتمسك بعرى التوحيد والتوحد على ذلك الدين المجيد ...

ويخاطب الشيخ البشير الإبراهيمي مصر قائلا: يا مصر نحن وأنت سواء في طلب الحق، ومطاردة غاصبه وما أحوج مصر إلى علمائها يقولون كلمة الله فتكون هادية للصلاح إذ لا نهضة إلا ما خرج من الأزهر قال شوقي:

نبتت قضيتها على محرابه وحبت به طفلا وشبّت معصرا

فصــل من الكلمات المظلومة

جمعية العلماء الشيخ البشير الإبراهيمي وبعض التعاليق الصحفية :

الاستعمار : يراد به التعمير، وهو آلة خراب ودمار لا عمار .

الديمقراطية : ما ظلمت كلمة أكثر من الديمقراطية في العهود الأخيرة ، فهي أداة خداع في الحرب والسلم ، جندها الاستعمار في حربه وسلمه فكانت في الأولى في كتائبه ، وفي الثانية سراب بقيعة ، ولقد كثر أدعياؤها ومدعوها والداعون إليها ، والمدعى لها مغرور ، والداعي إليها مأجور، والدعوة إليها زور .

أصبح الاستعمار –استعمارالأقوياء للضعفاء– ديمقراطية، وتقتيل العزل الأبرياء

ديمقراطية، ونقض المواثيق ديمقراطية ، لك الله أيتها الديمقراطية !.

فيا ويح المستضعفين والجزائريين من الحكومة، ويا ويح الصحافة من حكومة لا تنصح ولا تأمر الصحافة بالاعتدال، واجتناب التهييج والاستفزاز ومن صحافة لا تنصح الحكومة بالرفق وتحري الحق والعدل
وقد تشوش المعمرون بعصاباتهم المسلحة بالقتل والنهب والسلب على قانون كليمنصو الذي أعطى الحق للأهالي في حمل السلاح والترشح للمجالس المنتخبة ، فألغى القانون الذي كان مجازاة لتضحيات الجزائريين مع فرنسا في الحرب العالمية، وكانت مكيدة فتنة اليهود في: 5 أوت 1934 ومقتل المفتي كحول في 1936 مكائد لضرب الحركة الإصلاحية، وبرز الحقد للعيان في 08 ماي 1945 م، وكل القوانين الفرنسية إنما هدفها احتقار وبغض الجزائري، وتدخل المستعمرحتى في الدين فجعل كل شؤونه تابعة له، حتى الصلاة في المساجد، وأما النواب فقد أفسدتهم المطامع، كما أفسدت العنصرية الصحافة، ونحن لا نعرف إلا فرنسا 1830 فاتحة السيف، الحاكمة بالحيف فلم نر منها إلا الهضم لديننا، والمحو للغتنا، ومقوماتنا ....

جمعية العلماء والمغرب العربي :

من وسائل الاستعمار في ضرب مقومات الأمة الأذناب في الصحافة وإنشاء مدارس تابعة له، وكذلك الاعتماد على المغرر بهم الجهلة أو أصحاب الأطماع من رجال الطرق والزوايا، وكذلك أئمة المساجد، بإنشاء مجالس لهم تكون في يد الاستعمار معول هدم وسوط قهر وطنبا يشد خيمة الاستعمار في الجزائر، ومن ذلك إحياؤه للنعرة العرقية العنصرية بإنشاء إذاعة باللسان البربري، وإنشاء بما يسمى بالظهير البربري، وإبعاد البربرعن العربية والإسلام بإنشاء مراكز للتنصير .

وجمعية العلماء تدعو المغاربة إلى الوحدة والتكاتف والتفطن لمكائد الاستعمار، الذي نفى الملك، وآذى الشعب، وإن المشكلة الليبية يجب أن تكون العمل على الاستقلال وليس طلبه... لأنه حق مسلوب، وما عمل مجلس الأمم المتحدة وديدنها ودينها إلا أن يركب للقرناء قرونا، وليس أن يقتص للجماء من القرناء، ولكن الاستقلال في ليبيا كان نتيجة تشاكس الدول الكبرى، وتضحيات الشعب الليبي المسلم... كما تؤيد الجمعية إضراب الزيتونيين وهبّتهم من أجل الاستقلال .

وموقف الاستعمار من الشمال الإفريقي هو العمل على محو عروبته وإسلامه واستنزاف خيراته بإذكاء نعرة البربرية، وهو المستعمر: غريب في تصرفه إذ ينكر على البربري أن يكون عربيا مع أنه يجنس السوداني بالفرنسية ويسميه فرنسيا ويقتله كذلك .

الشيخ البشير والشباب الجزائري:

أتمثله متساميا واسع الوجود ، يرى كل عربي أخا له أخوة الدم ، وكل مسلم أخا له أخوة الدين ، وكل بشر أخا له أخوة الإنسانية ، ثم يعطي لكل أخوة حقها فضلا وعدلا ، مقبلا على العلم ، مقبلا على العمل والارتزاق.

وأهوى منه ما يهوى المتنبي :

وأهوى من الفتيان كل سميـــــــدع --- أريب كصدر السمهري المقـــــوم

خطت تحته العيس الفلاة وخالطت --- به الخيل كبات الخميس العرمرم

خاتمـة

أن مقالات البصائر التي جمعت في العيون كانت فعلا بصائرا وعيونا جمعت فأوعت، وشملت واتسعت ولامست قضايا الأمة الإسلامية كلها دون نسيانها في خضم نزف الجزائر دمها، وبذلك أكدت أصالة وإخلاص حركة الإصلاح الجزائرية في سعيها إلى مكافحة الإرهاب الاستعماري الفرنسي وأذنابه بالدعوة إلى العلم والرجوع إلى الأصالة والدفاع عن دين ولغة وشخصية الجزائر، والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية قاطبة، وإن أشد ما شدني في هذه المقالات أسلوب الشيخ الرائع، الأسلوب السهل الممتنع الصافي البيان، المنطقي العرض، القوي الحجة والبرهان، المتأدب في ألفاظه الواضح في معانيه، المستمد لحلاوة القرآن والسنة في أسلوبه، ولما كانت قضايا الأمة هي نفسها، وأن جرحها مازال ينزف - واقرأ ما استخلصته من تلك المقالات أعلاه وطعمته ببعض أفكاري ومسحت عليه بخفة من أسلوبي وطابقها مع الواقع الحالي في أيامنا هذه - فإن المقالات تجعل البشير رحمه الله حيّا معنا طبيبا يعالج ، وسيفا يخادج ، ونورا ينير وهاديا يسير، فلنتبع آثاره ، ولنسر مساره، لعلنا نبرأ من الداء ونزيل الأدواء.

آخر التغريدات: