الدرس التفسيري في الجنوب الجزائري -الشيخ الأخضر الدهمة نموذجا-

بقلم: د. محمد عبد الحليم بيشي-

على فترة من فوات الدرس التفسير عند مالكية الجنوب الجزائري في القرون المتأخرة، وخاصة في الفترة الاستعمارية البغيضة كان هناك صوت عبقري جديد استلهم الرؤى الإصلاحية واستعاد درس التفسير الهدائي لمدرسة المنار العتيدة، وقد كتب لهذا الصوت أن يترك آثاره الجليلة وخطاه النبيلة في واحات متليلي وغرداية الوارفة، وهو صوت المفسر اللغوي العلامة الأخضر الدهمة صاحب كتاب (قطوف دانية من آيات قرآنية). والذي سنعرض له بالتعريف والوصف لجديد تفسيره لكتاب الله الحكيم.

1: الدرس التفسيري في الجنوب الجزائري

كان الدرس التفسيري قليلا في الحواضر الجنوبية، مقارنة بالكم الضخم لمؤلفات العقيدة والفقه والتصوف، وربما كان السبب في ذلك بقاء الهيبة في صدور العديد من التعرض للتفسير واستصحاب مقولة أبي بكر الصديق :” أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إذا قلت في كتاب الله برأيي”، وكذا المقولة المتداولة بين الأعلام:” إن الصواب في التفسير خطأ، والخطأ فيه كفر”.

ولقد شهدت في صغري الإمام علي بن الذيبة في محاضر متليلي ينهى الطلبة عن مطالعة التفسير حتى لا يزاحم ملكة الحفظ عند الطلبة، وإن كانت حلق العلم لا تخلو من مدارسة تفسير الجلالين أو البيضاوي أو تفسير الشيخ عبد الرحمن الثعالبي الذي طبعته مطبعة ردوسي في الجزائر مطلع القرن العشرين.

لكننا لم نعدم مؤلفات في التفسير أشهرها تفسير البدر المنير للإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي (909هـ) والذي لا ندري عنه الكثير خلا تفسيره المتداول للفاتحة، وهي السورة التي وضع عليها العلامة الكنتي المختار بن أحمد الكبير(1730-1811م) تفسيرا حافلا سماه (كشف النقاب على فاتحة الكتاب)، إضافة إلى تفسيره المعروف بالذهب الإبريز.

كما يبرز لدينا في حاضرة توات تفسير لغوي لمحمد بن عبد الرحمن التنلاني (1121-1189هـ) اختصر به كتاب الدر المصون في علم الكتاب المكنون للحلبي السمين. أما الحواضر الإباضية فكانت تتداول تفسير أبي يعقوب الورجلاني (570هـ)، وهود بن محكم الهواري (300هـ)، في حين شهدت النهضة العلمية الأخيرة مفسرين كثرا مثل قطب الأئمة اطفيش (1914م) الذي صنف ثلاثة تفاسير، وكذا العلامة محمد بن ادريسو (1896م)، وانتهاء بالشيخ بيوض إبراهيم (1981م).

2- المهاد الأول للشيخ الأخضر الدهمة:

ولد الشيخ بحاضرة متليلي الشعانبة سنة (1925م) وبمسجدها العتيق والمدارس الملحقة به حفظ القرآن الكريم وتلقى علومه الأولية، حيث شهدت المدينة نهضة علمية بعد فترة من انقطاع أسانيد العلم بسبب الهجمة الاستعمارية التي أخلت الديار وأقفرت بهمجيتها ووحشيتها المعاهد والزوايا والكتاتيب والمحاضر.

وبتلك العلة انتهضت ثلة من الأسر الحضرية لاستقدام مشايخ من حاضرة أولف بتديكلت حيث استمرت المدرسة المالكية على قوتها، فقدم من تلك النواحي الفقيه المفتي أحمد بوكادي وابنه محمد، ومحمد بن عبد العلي بختي ومحمد مباركي. هذا فضلا عن السند العالي الذي تركه الفقيه عبد الله السوسي المغربي (1917م)، الذي أنشأ مدرسة علمية انتسبت لها النخبة العلمائية كالطالب علي بن الذيبة ومحمد كديّد وهما الشيخان المباشران للعلامة الأخضر الدهمة.

ولفرط ذكاه وقوة حافظته انتدب في البعثة العلمية التي أُرسلت من متليلي لمدرسة الشيخ محمد الأخضر الفيلالي أصيل مدينة الخنقة حيث ولد في (1889م) والذي توفي بمدينة بوقرة بالبليدة سنة (1976م)، والذي فتح مدرسة إصلاحية بمسجد خالد بن الوليد بغرداية بدعم ومؤازرة من الشيخ البشير الإبراهيمي الذي كان منفيا إبان الحرب العالمية الثانية في مدينة آفلو، وكانت مركزا متقدما للحركة الإصلاحية في الجنوب، وحاولت أن تضاهي النهضة الإصلاحية الصاعدة عند إباضية وادي ميزاب وخاصة عقيب فتنة الأذان المالكي. وكانت المدرسة تعمل بنظامي الفصلين الشتوي في مسجد خالد بغرداية، والصيفي بضاحية بني ضحوة عند المدابيح. وكانت المدرسة مجالا لتفتّح قريحة الشيخ الأخضر الذي كان صاحب القدح المعلى وأنجب تلامذة الشيخ في التحصيل، حيث تضلّع هناك من علوم العربية والفقه والأدب، وزامله في الدراسة محجوب محمد وعبد السلام مولاي لخضر، ومولاي إبراهيم عمار، وموسى بن كريد، وقدور غزيل، وبوحميدة عمر، وبوعبدلي الطيب وغيرهم  سنوات (1942-1946م).

لم يطمئن الاستعمار لهذه الحركة العلمية الناهضة والتي فكّت أغلال الفكر لدى المالكية، وناهضت التبشير المتصاعد من كنيستي غرداية والمنيعة، فقام بمحاصرة الشيخ الفيلالي والتضييق عليه، ولم يجد سبيلا لذلك إلا تدبير المؤامرات بكون الشيخ ظهيرا للحركة السنوسية المناهضة للاستعمار الإيطالي بليبيا، وأنه يورّد الأسلحة من هناك عقيب هزيمة فرنسا النكراء أمام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، فكان إغلاق المدرسة ونفي الشيخ من غرداية سنة (1946م)، كما استظهر الاستعمار ببيادقه من القياد والضمّان لمحاصرة التوجه الجديد في الجهة، ومن ذلك أنه ألّب المشايخ المحافظين ضد النخبة الشبابية الجديدة التي حاولت النهوض بالتعليم في المحاضر والمساجد بالوسائل الجديدة (السبورة والطبشور) بدلا عن الوسائل التقليدية، إذ كان لسان المحافظين: ماذا نفعل بالحصير الذي جلس عليه الشيوخ المباركون؟.

3- مرحلة التحصيل العلمي في الزيتونية:

بعد النكسة التي أصابت المدرسة الإصلاحية للشيخ الفيلالي من الاستعمار الفرنسي وحكمه العسكري الذي كان يغل أقاليم الجنوب لم يجد أعيان المالكية بغرداية بدا من تقفي آثار البعثات الإباضية إلى تونس حيث المعاهد العريقة كالزيتونة والمدرسة الصادقية، فكان انتداب نجباء الطلية الذين التحقوا بجامع الزيتونة المعمور، وعلى رأسهم الشيخ الأخضر الدهمة الذي التحق بالزيتونة أيام عطائها الوقاد بالإصلاح المنهاجي والعلمي الذي وضعه شيخ الإسلام محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973م)، ومن شيوخه بها:الحبيب بلخوجة، الطاهر الغمراسني، صالح النيفر، فأمضى فيها أربع سنوات (1946-1950م) لينال منها شهادة التحصيل، وعاد شهابا ورأيا من العلم وقدحا مشتعلا من الوطنية. ولم تكن يد الاستعمار قاصرة عن تقفي آثارهم فعمدت إلى التضييق على أهاليهم، حتى أن أذنابها أحرقوا حانوت أبيه بمتليلي ليقطعوا عنه المعونة والمدد، ولكن قضى الله أمرا كان مفعولا.

4– الأعمال الوطنية للشيخ:

وكغيره من رجالات الإصلاح وأعمدة التعليم الحر وبتوجيه من رجالات الجمعية اشترك في الجهاد العلمي والتربوي لتكوين الجيل الذي يتحرر ذاتا ليحرر الوطن من غاصبيه، فانتقل إلى مدينة عين بسام (ولاية البويرة حاليا) ليدير ويعلم في مدرسة حرة بإشارة من الشيخ مصباح الحويدق، واستمر في ذلك العمل إلى غاية (1957م) أين أشتد أوار الثورة وكانت المدرسة من معاقلها، وترامت الأنباء باعتقاله، فيمم شطره إلى غرداية ليدير ويعلم في مدرسة العرفان الملحقة بجامع حمزة بن عبد المطلب، والتي كانت من قلاع الوطنية في غرداية، وآزره في عمله الشهيد الإمام عيسى عمير والشيخ محمد قباني، وقد تخرج منها المجاهدون والشهداء وكانت معقلا لإدارة العمل الثوري والفعل التربوي الذي نافح به معلموها ومشايخها ضد المخططات التغريبية والرامية لفصل الشباب عن دينه في مشاريع المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (مشروع فرنسي لفصل الصحراء أي إقليمي الواحات والساورة عن الوطن الكبير الجزائر). وبعد الاستقلال كان الشيخ عمدة التعليم العربي في المنطقة فأدار باقتدار دفة التعليم تأسيسا وتفتيشا وتوجيها إلى غاية سنة (1984م).إضافة إلى عمله الطوعي في القضاء قبل انتظام سلكه بإنشاء وزارة العدل، وكذا تأسيس الاتحادات والمنظمات الجماهيرية لجبهة التحرير.

5– الدرس التفسيري الشفهي:

لم تخل أيام الشيخ الأخضر الدهمة من الإرشاد والتوجيه في المساجد والمحافل والأفراح والمآتم، فكان الصوت الصداح بقيم الإسلام وشيم العروبة في مجتمع لمّا يبرأ بعد من علل الاستعمار وأدران التخلف، فكان عمدة المساجد والمدارس، واتخذ لذلك مسلك الإمام الأستاذ محمد عبده في جمع الأمة على القرآن الكريم في منطقة معروفة بتناقضاتها القبلية والمذهبية والطائفية، فكانت دروسه الشفهية لا تنقطع بعد صلاة الصبح وبين العشائين، وخصص دروس الجمعة للتفسير الهدائي، وكان مسلكه تربويا عاليا لا ينزعج فيه المثقف بضياع وقته، ولا الأمي بعسر فهمه. وقد أمضى في تفسير البقرة وحدها ثماني سنين.

أما طريقة التفسير الشفهي فهو البدء بتلاوة الآيات المختارة، واقتناص المعاني القريبة والبعيدة، والاستعانة بأقوال المفسرين الكبار ومقارنتها، مع عدم الإيغال في القضايا اللغوية والبلاغية مراعاة للحال، ولكن التركيز الأكبر على واجب الوقت في القضايا الاجتماعية والأخلاقية، مع حسن السبك والبيان واسترجاع مآثر النهضة اللغوية للحركة الإصلاحية، والقفز على مواريث عصور الانحطاط وانشداها للإسرائيليات والغرائب والخرافات، وولعها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في قضايا التصوف والسلوك.

6– التفسير المكتوب للشيخ الدهمة:

استجاب الشيخ لطلب أبنائه الروحيين بنقل خواطره ورؤاه إلى المكتوب خطا، فهو أبقى أثرا وأعم نفعا، فكانت رائعته “قطوف دانية من آيات قرآنية” خصصها لتفسير قصار المفصل وسورة الفاتحة وسور: يس، الحجرات، والحشر. وكان الكتاب غاية في السبك وفتحا جديدا في الدرس التفسيري وقد اعتمد فيه المنهج الآتي:

تفسير القرآن بالقرآن عن طريق جمع نظائر الآيات، واستخراج الإيماءات الخفية باستحضار المتشابه السياقي، وبيان مقتضى الأساليب، والتركيز على المناسبات القرآنية.

استصحاب متعلقات الألفاظ، وبيان العلاقة السببية بين الآيات.

اللفتات البلاغية في مناسبات اختيار الألفاظ مع المقارنة بالمواضع المختلفة.

الاهتمام باللغة والإعراب المعين على بيان المقصد من السياق.

الاستعانة بصحيح السنة في التفسير، وكذا بالأقوال المرفوعة للسلف.

كثرة أساليب التعجب والاستفهام لتحريك ذهن القارئ لمزيد التمعن والتدبر.

جمع الآيات لدفع توهم الاضطراب كما هو المنهج عند الشنقيطي في أضواء البيان.

التعرض الخفيف لبعض القضايا الفقهية مثار الخلاف مثل قضية التأمين والسحر.

الاهتمام بالقضايا الاجتماعية مماهاة لصنيع رشيد رضا في تفسيره القرآن الحكيم.

التركيز على القضايا الوقتية كما في الكلام عن الصراع مع اليهود في سورة الحشر.

وبالجمال فالكتاب فتح جديد وتجديد في الدرس التفسيري أحيا به الشيخ الإمام الأخضر الدهمة الدرس التفسيري الهدائي الاجتماعي لمدرسة المنار العتيدة في حواضر متليلي وغرداية، أسأل الله أن يجعله مع الصالحين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

آخر التغريدات: