الحضارة عند مالك بن نبي

بقلم: أ. د. عبدالحليم عويس-

بدايةً نحن لا نستطيع في هذا المقام أن نتجاهل مهندسًا كهربائيًّا مثل "مالك بن نبي" رحمه الله، الذي يُعَدُّ - بحق - من أكبر فلاسفة الحضارة الإسلامية في القرن الأخير؛ فهو مفكر ومهندس حضاري معًا، ويتمتع برؤية عالمية وإنسانية وإسلامية في سياق واحد.

إن (مالك بن نبي) لا يكتفي بالتحديد التنظيري للحضارة، بل يربطها بعناصرها الأساسية التي لا تقوم الحضارة إلا بمجموعها... فإذا كانت الحضارة في عناصرها الأساسية: الإنسان، التراب، الزمن، كما يشرح ابن نبي في مؤلفاته، والثقافة إذا كانت في حقيقتها أسلوب حضارة تحرك الإنسان، ووسائله عبر القنوات الأربع: المبدأ الأخلاقي، الذوق الجمالي، المنطق العملي، التقنية؛ فإن مسيرة الحضارة هذه تسير بالمجتمع قوة وضعفًا، دفعًا وهونًا، صعودًا وهبوطًا؛ تبعًا لدرجة تمحوره حول الأفكار أو حول الأشياء المحيطة به. ويرى ابن نبي أن لكل حضارة نمطها وأسلوبها وخيارها.

وقد اختار العالم الغربي ذو الأصول الرومانية الوثنية عالم الأشياء، وجنح بصره دائمًا نحو المادة والعقل. بينما الحضارة الإسلامية اختارت عقيدة التوحيد المتصلة بالرسل جميعًا قبلها؛ فسبح خيارها نحو التطلع الغيبي وما وراء الطبيعة: نحو الأفكار(1) أي ضد عبادة المادة وشتى الأوثان الأخرى.

ويوضح (مالك بن نبي) الأمر من خلال المثل الذي تقدمه الحضارة الإسلامية (حضارة الفكرة)؛ ففي مبدأ الأمر، وعندما بدأت عملية اندماج المجتمع الإسلامي في التاريخ؛ تأسس (عالم الأشخاص) فيه على نموذج أصلي، يتمثل في طائفة الأنصار والمهاجرين المتآخين في المدينة؛ ولقد جَسَّد هذا النموذجُ "الفكرةَ الإسلامية"؛ إذ أضحى النموذج المحتذى والمستلهم.

وجميع خطوات المجتمع الجديد نحو عالم الأفكار - أي نحو عمر الفكرة - مرت عبر عالم الأشخاص هذا... أي عبر عمر الشخص(2).

ويؤمن (مالك بن نبي) بأن دور الأفكار، في حضارة ما، لا يقتصر على مجرد الزينة والزخرفة، كزخارف المدفأة في المنزل مثلا؛ فهو لا يصبح كذلك إلا حينما يصبح المجتمع في عصور ما بعد التحضر (أي يميل إلى التخلف).

ففي فترة اندماج مجتمع ما في التاريخ يكون للأفكار دور وظيفي؛ لأن الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة.

وفي رأي (مالك بن نبي) أنه يمكن تعريف الحضارة (من خلال العناصر التي أشير إليها) بأنها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره؛ فالفرد يحقق ذاته بفضل إرادة وقدرة ليستا نابعتين منه، بل ولا تستطيعان ذلك، وإنما تنبعان من المجتمع الذي هو جزء منه(3).

وإذا كان مالك بن نبي قد قدم لنا مفهوم الحضارة مرتبطًا بعناصر الحضارة الأساس من: إنسان، ووقت، وتراب، وفاعلية عقدية... فإن هناك رؤية إسلامية أخرى تربط ربطاً محكمًا بين الحضارة والتربية، وهي ترى أن جذور الحضارة الإنسانية المثلى، هي دائمًا جذور التربية الإنسانية المثلى؛ إذ الحضارة الإنسانية ثمار لجهود التعاون الإنساني؛ انطلاقاً من منهج تربوي متكامل؛ يؤخذ به الإنسان بوصفه فردًا مستقلاً، وعضوًا في جماعة.

وإذا كان القرآن قد وضع بين أيدينا منهجًا متكاملاً لأصول التربية الإنسانية؛ فإنه -بالتالي - يكون قد وضع بين أيدينا نظرية متكاملة للتربية الإنسانية المثلى(4).

ومدار الحضارة إنما يقوم على الجهود التي يبذلها الإنسان في نطاق انتقاله من حياة البداوة وبساطتها، إلى حياة العمران وتعقيداتها.

ولئن كانت الحضارة ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة؛ فإن المشكلة التي تُعانى منها مسيرة البشرية وجهودها أن الحضارة - بدون تربية - قد لا تؤدى إلى الأهداف المرجوة منها؛ فقد تشقي البشر ولا تسعدهم!! ومرد هذا البلاء إلى أحد سببين:

أولهما: رعونات النفس الإنسانية وأهواؤها؛ فإن من شأنها إذا تركت على سجيتها، أن تحمل أصحابها على الظلم والطغيان.

وثانيهما: أن الناس قد ضلوا عن حقيقة الخير والشر بسبب وقوعهم في متاهات المواضعات والأعراف النسبية، ولعدم اتفاقهم على مقاييس ثابتة لمعنى كلٍّ من الخير والشر.

وهذا يؤكد لنا أهمية وجود الإنسان القيمي الأخلاقي... الذي يحسن عمارة الأرض... والذي خضع لمنهاج التربية الإسلامية... الذي هو في الوقت نفسه منهاج الحضارة الإنسانية.

ولهذا فإنه من الطبيعي أن يتلخص منهج الحضارة الإنسانية القرآني في تربية للإنسان؛ تربية ينجح من خلالها في التعرف على حقيقة ذاته، وحياته، والكون الذي يعيش فيه؛ وهذه هي أركان أية حضارة إنسانية على مر التاريخ الإنساني الطويل، وهي كذلك أركان التربية الإسلامية.

وما قامت في التاريخ الإنساني حضارات جانحة؛ أفسدت بدلاً من أن تصلح، وأشقت بدلاً من أن تسعد؛ مما قد سمعت به من أحوال أمم قد خلت وبادت؛ إلا لأن أصحاب تلك الحضارات أخطؤوا في تصور حقيقة كل من: الإنسان، والكون، والحياة... ثم مضوا يبنون تصرفاتهم وتعاملهم مع الكون والحياة على أساس تلك الأخطاء (5).


الهوامش:

(1) مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، ترجمة الدكتور بسام بركة، الدكتور أحمد شعبو، إشراف وتقديم المحامي عمر مسقاوي، ص7، ط 1، 1423هـ / 2002م.

(2) مالك بن نبي: مشكلة الأفكار ص40.

(3) المرجع السابق ص42.

(4) محمد سعيد رمضان البوطي: منهج الحضارة الإنسانية في القرآن ص12، 13 دار الفكر، دمشق الطبعة الأولى 1402هـ / 1982م.

(5) المرجع السابق ص19، 36، 37.

آخر التغريدات: