ابن باديس… ملهمنا في جميع الأوقات

بقلم: جمال نصر الله-

مر علينا يوم العلم لهذه السنة مرور الكرام.. ولربما جاء هذا الفتور إذ تمت مقارنته بسنوات مضت، على إثر  تزامن الذكرى وأحداث الحراك الذي كما هو معلوم انخرط فيها الكل وبجميع أطيافهم…

في إحدى المرات قرأت بأن العلامة الشيخ ابن باديس كان يجمع الكثير من المصادر ويملأ بها مكتبته الخاصة سواء كانت مجلات أو كتب أو مخطوطات لكبار الكتاب والعلماء الذين سبقوه أو عاصروه، وأن فضيلة الشيخ وعلى الرغم من قصر عمره في الحياة الدنيا كان ينشر مقالاته في الكثير من المجلات والدوريات العربية النشطة آنذاك.. وقلت في قرارة نفسي ما أعظمك أيها الرجل.. وماذا كنت ستكون لو أطال الله سبحانه في عمرك؟! قلت بأنه وعلى الرغم من قصر العمر هذا فإن العبرة هي في أن نتمعن جيدا فيما تركه لنا هذا العبقري الفذ، وإلا ما تهافت على أعماله كبار النقاد والدارسين، وألّفوا بشأنه عشرات الكتب والبحوث؟! وهذا بفضل شخصيته أولا وأخيرا ليس إلا ؟!

ابن  باديس مثله مثل البشير الإبراهيمي ومالك بن نبي والفضيل الورتلاني وغيرهم ممن يفتخر بهم تاريخ الجزائر الثقافي، بحيث يُعدوا أمثلة حية ونماذج وجب الإقتداء بتجاربهم وال انتفاع برؤاهم الفكرية وتبصرهم الناضج…هذه الرحلة الشاقة التي امتهنها شيخنا الفاضل لم تكن مجرد كونه راصدا لمصادر وبواطن العلم والمعرفة بل انعكست جملة وتفصيلا على حياته الشخصية، بحيث كانت شخصيته أقرب للمتصوف والعالم الجليل الخلوق التقي، ومن هذا المنحنى بالذات نكتشف السر في خلود هذا النوع من الأعلام والرجال، فلم تكن جهودهم منصبة على الجري والهرع نحو الشهادات قدر ما كانوا يُصرون على تحذيق شخصياتهم وشحذ هممهم لغاية في ذواتهم وهي أن الثقافة والمعرفة هي قبل أن تكون نظريات ومعادلات على الورق، هي سلوك على أرض الواقع، وهنا يحضرنا قول مالك بن نبي يوم قال:(الثقافة نظرية في السلوك أكثر منها نظرية في المعرفة) لأن ابن باديس وغيره كانوا يدركون بأن الشخصية البشرية لابد لها من تكوين وتطعيم حتى يصبح باستطاعتها الاعتماد على نفسها كلما حان وقت الحسم والخطر، وإلا ما فائدتها إن كانت مجرد معلومات نحفظها ولا تنعكس بالإيجاب على نفوسنا وتكون فاعلة وفعالة في حياتنا…هكذا هي المعرفة التي نحصّلها هنا وهناك..لابد  لها أن تصبح كائنا حيا يقظا فطنا توجه حياتنا بانتظام ودقة فائقة وكذلك تصبح منتجة للأفكار وليست مستهلكة فقط، وتقف عند حدود معلومة ومرسّمة.. لأن الاعتماد على الشكل دائما يُذهبُ الجوهر والمعنى، وقس هذا عبر كافة مناحي الحياة من فنون وآداب ومجالات…هذه النقطة بالذات ولعلم جميع المهتمين بالفلسفة نجدها عند الفيلسوف الألماني كانتحين قال ذات مرة (لا تهمني الشهادات التي يحوزها الدكاترة والجامعيين يهمني الإنسان البسيط، فأنا اتواصل مع إسكافي أو بائع خضار يملك من الأخلاق والطيبة والصدق أفضل بألف مرة من حامل شهادة وفيه من السلوكات السيئة ما ينفر حتى الحيوان وليس الإنسان فقط) إن الإنسانية أولا وقبل كل شيء أخلاق ومعاملة يومية، ولنعتبر من ديننا الحنيف حينما نحفظ بأن الدين معاملة، وهذه هي الثقافة الحقيقية وليس حيازة الشهادات الكبرى التي تعتبر في هذا المقام مجرد غطاء أجوف وديكور براق.


جمال نصر الله- شاعر وصحفي جزائري

آخر التغريدات: