تحرير الأرض أم تحرير الإنسان

تحرير الأرض أم تحرير الإنسان

بقلم: نور الدين رزيق-

هذا الإشكال واجه الحركة الإصلاحية: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحرير الأرض أولا أم تحرير الإنسان، من الذي يبدأ به؟ إن تحرير الأرض دون تحرير الإنسان استقلال ناقص، فلاشك أن تحرير الإنسان يكون أولا بتحريره من شهواته، ومن الأفكار البالية، والمعتقدات الفاسدة، والخرافات والدجل.

الحرية مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، كما ذكر ذلك الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، في كتابه: "مقاصد الشريعة الإسلامية"، وإن كان الشاطبي حصرها في خمسة (الدين، النفس، العقل، النسل والمال).

وكتب الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس: "أيتها الحرية المحبوبة أين أنت في هذا الكون؟ّ أيتها الحرية المحبوبة!

تحتفل بأعيادك الأمم، وتُنصب لتمجيدك التماثيل، ويتشادق بأمجادك الخطباء، يتغنى بمفاتنك الشعراء، ويتفنن في مجاليك الكتّاب، ويتهالك من أجلك الأبطال، وتسفك في سبيلك الدماء، وتدك لسراحك القلاع والمعاقل، ولكن أين أنت في هذا الوجود؟

فمسألة الحرية عند العلامة ابن باديس هو مفتاح لفهم إستراتيجية العمل الدعوي، والكفاح السياسي، فهي تتراوح بين المهادنة والمغالبة حسب الأحوال، وتقدير المصلحة، فهو يقول: "الظروف تستطيع أن تكفينا ولكنها لا تستطيع أبدا أن تتلفنا".

فالحرية في نظر الشيخ صفة لازمة للإنسان، وهي مصدر الوجود وروح الحياة، فتحرير الإنسان يكون قبل تحرير الأرض.

وقال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: "محال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا" وقال أيضا: "أن الاستقلال والتحرر لن يأتي إلا بالوسيلة الفعالة، المتمثل في التعليم والعلم، التعلم نوعا من الجهاد، ويرى المدارس ميادين الجهاد، ويعتبر المعلمين مجاهدين، مستحقين لأجر الجهاد، التعلم هو عدو الاستعمار الألد".

هم يقولوا الاستقلال ثم العلم والتعليم ونحن نقول العلم والتعليم قبل الاستقلال.

لكن السؤال هل جمعية العلماء بتبنيها وتزكيتها للعمل الثوري المسلح (1954) تكون قد حققت أهدافها ومشروعها؟ رفع الجهل.. وصححت العقائد ونفخت حب الوطن في أفراد الأمة... يقول أحمد بود: "تعلمنا حب الوطن في جمعية العلماء والنضال السياسي في حزب الشعب".

أي هل أصبح الفرد مؤهل للعمل على الاستقلال وتحرير الأرض؟ نسبيا وليس عام.

الجواب:

موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من القضية الوطنية وثورة التحرير

إن من الـمـُسلم به لدى الجميع أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، منذ تأسيسها عام 1931، قد اتسم موقفها بالدفاع المستميت عن مقومات الشعب الجزائري، أو ما أصبح يعرف بالثوابت الوطنية، المتمثلة في شعارها المقدس: الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا.

ولم تكتف الجمعية بالدفاع عن مقومات الهُوية الوطنية، بل كان لها إسهام إيجابي وحضور فعال يشهد عليه تاريخها، في المجال السياسي، حيث تصدت –خلال الحقبة الاستعمارية المظلمة- لمقاومة سياسات الإدارة الاستعمارية في مخططاتها الرامية إلى الإدماج والتجنيس ونشر الجهل والبدع والخرافات والجمود، وظلت كذلك إلى اندلاع الثورة.

وعند اندلاع الثورة لم تفاجأ الجمعية بذلك، بل كانت سباقة إلى احتضانها، وتعبئة أتباعها لمساندتها، وقد تجلت هذه التعبئة والتجنيد فيما يأتي:

أولا: صدور بيان رسمي عن مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالقاهرة، بتاريخ 2 نوفمبر 1954، ونشرته الجرائد المصرية يوم 3 نوفمبر 1954، تحت عنوان: "إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر" جاء فيه على الخصوص: (حياكم الله أيها الثائرون الأبطال، وبارك في جهادكم، وأمدكم بنصره وتوفيقه، وكُتب ميتكم في الشهداء الأبرار وحيكم في عباده الأحرار، اعلموا أن الجهاد للخلاص من هذا الاستعباد قد أصبح اليوم واجبا عاما مقدسا، فرضه عليكم دينكم وفرضته عليكم قوميتكم وفرضته عليكم رجولتكم، وفرضه ظلم الاستعمار الغاشم، إما بقاء كريم وإما فناء شريف).

وفي هذا السياق وجه الشيخ الفضيل الورتلاني، باسم مكتب الجمعية في القاهرة، نداء ضمنه ثلاث صرخات:

الصرخة الأولى: نداء إلى فرنسا علها ترتدع،

الصرخة الثانية: دعوة أبناء المغرب العربي للوقوف إلى جانب الثورة،

الصرخة الثالثة: دعوة الشعوب العربية وحكوماتها، إلى الوقوف إلى جانب الثورة ماديا وأدبيا ودبلوماسيا.

ثانيا: النداء الموجه من الشيخين البشير الإبراهيمي رئيس الجمعية والفضيل الورتلاني، بتاريخ 15نوفمبر 54 تحت عنوان: "نداء إلى الشعب الجزائري المجاهد: نُعيذكم بالله أن تتراجعوا" جاء فيه: (أيها الإخوة الأحرار، هلموا إلى الكفاح المسلح، إننا كلما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر، وذكرنا فضائعها في معاملة المسلمين لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، كلما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا واحتقرنا المسلمين، وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم مقصّرين في الجهاد لإعلاء كلمته، وكلما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا إنما هو الكفاح المسلح).

ثالثا: ميثاق جبهة تحرير الجزائر، الذي وقعه في القاهرة، بتاريخ 17 فيفري 55، كل من الشيخ البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني، وأحمد بن بلة وحسين آيت أحمد، وأحمد مزغنة وأحمد بيوض ومحمد خيضر، وقد حمل هذا البيان أهم القرارات التي أجمع عليها الموقعون، ومنها: (تنتهز الجبهة هذه الفرصة لتبعث بتحياتها الأخوية إلى سائر المكافحين في الجزائر، سواء منهم من حمل السلاح أو كان عاملا وراء الميدان، وإلى المساجين والمعتقلين السياسيين ضحايا القمع والإرهاب، مُترحمة على أرواح الشهداء).

رابعا: وضعت جمعية العلماء وسائلها في خدمة الثورة، وفي مقدمتها البصائر، وفي هذا الصدد يذكر أحمد توفيق المدني رئيس تحرير الجريدة المذكورة ما يأتي (إن العلماء أصبحوا منذ غُرة نوفمبر 54 إلى يوم النصر العظيم، جزءا لا يتجزأ من الثورة ومن الكفاح المسلح، ومن كل مسعى قامت به الثورة العملاقة من أجل تحقيق رغائب الشعب)، ويضيف قائلا (إني وضعت البصائر منذ اليوم الأول، وباتفاق العلماء، في صميم المعركة، وتوليت –بتفويض من المجلس الإداري- التصرف بالبصائر وتحرير افتتاحياتها. ولم يكن الأمر يسيرا، فكان علي أن أتولى النضال عن حق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال، وفضح الأساليب الاستعمارية القذرة، وكان عليّ ثانيا أن أتجنب في مقالاتي ما تتخذ منه الحكومة ذريعة للإيقاع بالبصائر، وضرب جمعية العلماء، وكان عليَّ أن أعرض كل مقال افتتاحي –بصفة سرية بحتة- على المكلّف، من طرف قيادة الثورة، بالإشراف على العمل).

خامسا: النداءان اللذان وقعهما ما يزيد على 300 معلم من معلمي جمعية العلماء، أحدهما موجه إلى الضمير الفرنسي، نشر في جريدة البصائر في 25 فيفري 55، وكان الهدف منه تنوير الرأي العام الفرنسي بأن ثورة نوفمبر ثورة الشعب بأكمله، وأنها أصيلة وليست مستوردة. وثانيهما موجه إلى الشعب الجزائري، نشر في جريدة البصائر بتاريخ 11مارس 55 تبنى فيه موقعوه الثورة ودعوا الشعب إلى الالتفاف حولها، وإخراس كل صوت يريد التشكيك في شرعية الجهاد، باسم الدين.

إن كل هذه المواقف قد تمت بتأييد ومباركة قيادة الجمعية، الممثلة في الشيخ العربي التبسي، الذي كان -آنذاك- الرئيس الفعلي للجمعية في الداخل.

سادسا: أما البلاغ الذي صدر سنة 56 عن الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين المنعقد بمركزها في العاصمة، فإنه ليس بداية انضمام الجمعية للثورة، كما يدعي المغرضون، وإنما هو بيان أعدته الجمعية بمباركة قيادة الثورة لمواجهة فرنسا الاستعمارية، بأنه:

لا إصلاحات تُقبل لحل القضية الجزائرية إلا بالاستقلال.

ألا مفاوض صالح لتمثيل الشعب الجزائري غير الذين أظهرهم الكفاح المسلح.

وبعد، فإنه يتضح لكل بصير منصف، أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانت –قيادة وأعضاءً وأنصارا- مساندة للثورة منذ انطلاق الرصاصة الأولى، داعية إلى الالتفاف حولها ماديا وأدبيا وعمليا، متمثلة بقوله تعالى ولينصرن الله من ينصره..

لكن بعد استقلال الأرض ظهر أن الاستقلال ناقص وأن مرحلة تحرير الإنسان لم تكتمل حيث صرح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في خطبته الشهيرة بمسجد كتشاوة (سوق الماعز باللغة التركية) والأولى عهد الاستقلال.. يا معشر الجزائريين إن الاستعمار كالشيطان.. فهو قد خرج من أرضكم ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم ولم يخرج من ألسنتكم ولم يخرج من قلوب بعضكم..

مع العلم أن الشيخ البشير الإبراهيمي ومن بقي من علماء الجمعية طالبوا من الرئيس بن بلة اعتماد الجمعية حتى تستأنف عملها فرفض وعلق على هذا الطلب، إلا أن الجمعية كمشروع وفكرة واصلت العمل الفردي الإصلاحي الدعوي وليس كمؤسسة ممثلة في بعض الأفراد من داخل السلطة أو من خارجها حتى جاء زمن الانفتاح والتعددية الجمعوية والسياسية سنة 1989م حيث هي الآن مدافعة ومنافحة على ثوابة الوطنية المرسومة في شعارها الخالد، وجاء زمن الحراك وقد تنابءت به الجمعية قبل حدوثه بأشهر كما هو مخطوط ومسجل في لسان حالها (البصائر صائفة 2018م وما قبلها).

وقد أعادنا الحراك إلى السؤال الذي بدأنا به هذه المداخلة بعد تحرير الأرض جاء الحراك لمواصلة تحرير الإنسان حتى يستكمل البنيان الذي خططه العلماء سنة 1913م وأسسوه 1931 وسيتجسد إن شاء الله بعد حين وبوادره ظاهرة للعيان.

﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم﴾الروم/5.

والحمد لله رب العالمين

آخر التغريدات: