الدكتور عبد اللطيف عبادة وداعا!!

بقلم: أد. مولود عويمر-

توفيّ الفيلسوف الجزائري الدكتور عبد اللطيف عبادة صبيحة يوم الجمعة 3 ماي 2019 بعد صراع طويل مع المرض. وهكذا، طوت الأيام علما من أعلام الفكر في الجزائر استطاع أن يخلد اسمه في تاريخ الدرس الفلسفي بفضل مقالاته وكتبه ومحاضراته وطلبته الذين ساروا على خطاه في مختلف الجامعات الجزائرية. فإذا غاب جسد العالم فإن آثاره ستبقى حية تجيب السائلين وترشد السائرين وترفع المجتهدين.

الدكتور عبد اللطيف عبادة في سطور

ولد الأستاذ عبد اللطيف عبادة في 19 ماي 1946 بإحدى قرى مدينة قرارم بولاية ميلة التي أنجبت الكثير من أعلام الإصلاح والفكر وأبطال الكفاح الوطني. درس في مدارس قسنطينة بعدما انتقلت أسرته إلى هذه الحاضرة. بدأ مساره المهني مدرسا في قطاع التعليم الثانوي ثم أصبح أستاذا للفلسفة في جامعة قسنطينة بعد نيله شهادة الدكتوراه في عام 1980، واستقر فيها إلى غاية تقاعده. وقد تخرج عليه عدد كبير من الطلبة والمدرسين والباحثين.

وفي مجال التأليف، كتب الدكتور عبد اللطيف عبادة عدة مؤلفات قيمة في مجال الفلسفة المعاصرة والفكر الإسلامي، أذكر منها:

"صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي"

"فقه التغيير في فكر مالك بن نبي"

"دراسة في فكر الشيخ مبارك الميلي"

"منهج التغيير وعلاقته بالفكر الجزائري المعاصر"

"تقييم إسلامية المعرفة الفلسفية في العصور السابقة"...

وما زالت عدة أعماله مخطوطة أتمنى أن تجد طريقها إلى النشر ليستفيد منها القراء والمهتمون بالفكر الإسلامي المعاصر بشكل عام، والفكر الجزائري بشكل خاص.

كما ساهم في الجرائد (الشعب، النصر، النور...)، والمجلات الجزائرية (الأصالة، الثقافة، سيرتا، الموافقات، الذاكرة..)، والدوريات العربية (المستقبل العربي، رؤى..)، فنشر فيها مقالات وبحوثا في قضايا الفلسفة ومسائل التاريخ والتحليل الاجتماعي.

ومن أهم مقالاته وبحوثه أذكر هنا: "المظاهر السياسية للهجرة"، "الأسس الدينية للبيعة في الإسلام"، "تأثير ابن العربي في ابن باديس ومنطلقاته الإصلاحية"، "تقييم ابن باديس وابن نبي لإسهام الأمير خالد في الحركة الوطنية"، "الاجتهاد في نظر الإمام الإبراهيمي"، "العالم الإسلامي بين مواجهة التحدي والخلق الحضاري"، "مناهج الحركات الإسلامية المعاصرة في التغيير"، "أزمة الفكر العربي المعاصر"، "منهج مالك بن نبي في مواجهة تحديات الحضارة الغربية المعاصرة"، "سوسيولوجية الثورة وفلسفتها في الفكر الجزائري المعاصر"...الخ.

كما حاوره العديد من الصحفيين في الجرائد الوطنية، وكان آخر حوار له نشرته جريدة "البصائر" في حلقتين متتاليتين قدم من خلاله رؤيته للواقع العربي ومشكلاته الراهنة، وكشف نظرته لمستقبله في ضوء التحديات الكبرى التي تحاصره في كل جوانب الحياة المعاصرة.

وبالرغم من انصرافه للتدريس والعمل السياسي والبرلماني، فإنه لم يتوان عن الإسهام في النشاطات الفكرية، بإلقاء المحاضرات في مختلف المؤسسات العلمية والثقافية الجزائرية والعربية (الكويت، مصر، موريتانيا...)، بخاصة في فترة الثمانينيات وبدايات التسعينيات القرن الماضي، ثم غاب عن الساحة الفكرية بعد أن أصابه المرض وألزمه البيت.

ورأيته للمرة الأخيرة في صيف 2018 في مدينة قنزات حيث شارك في الندوة التأبينية لصديقنا الأستاذ عبد الوهاب حمودة (1939-2017). وكان هذا اللقاء العلمي فرصة له لاستعادة نشاطه بعد غياب طويل عن الساحة الفكرية، فتحدث عن قضايا كثيرة وحلّل الأوضاع الراهنة بشيء من التفصيل حتى كاد أن ينسى موضوع مداخلته الأساس الذي كان حول ذكرياته مع الأستاذ عبد الوهاب رحمه الله.

اهتمامه بفكر مالك بن نبي

لقد تعرف عبد اللطيف عبادة على الأستاذ مالك بن نبي (1905-1973) في منتصف الستينيات، وحضر ندواته الفكرية الأسبوعية التي كان يعقدها في بيته بالجزائر العاصمة. وقام الطالب عبادة باستضافة بن نبي في قسنطينة لتقديم عدة محاضرات.

وقد أتاحت له هذه المجالسة والصحبة أن يغرف مباشرة من منبع هذا الفكر الصافي، ويتولى بعد ذلك مهمة التعريف بفكر مالك بن نبي في الجزائر بمقالاته، وكذلك بمحاضراته التي كان يلقيها عبر العديد من المدن الجزائرية حتى صار المرجع في هذا الموضوع، وقد جمع هذه الأعمال في كتابيه: "صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي"، و"فقه التغيير في فكر مالك بن نبي".

كان من حسن حظي الاستماع إلى بعض محاضراته. كانت المحاضرة الأولى في عام 1989 في مسجد الإقامة الجامعية بوراوي (الحراش) حول موضوع فكر مالك بن نبي. كما استمعت إلى محاضرته التي قدمها في ملتقى الفكر الإسلامي الثالث والعشرين المنعقد في مدينة تبسة في سبتمبر 1989، وكان عنوانها: "تصوّر مالك بن نبي للتجدد الفكري والسياسي في العالم الإسلامي المعاصر". وما زلت أحتفظ بنسخة منها في أوراقي الخاصة.

لقد اهتم الدكتور عبد اللطيف عبادة بفكر بن نبي من جوانب متعددة، وخاصة ما له صلة بواقع المسلمين ونهضتهم، وتفاعلهم مع قضايا الراهنة، فقال في هذا السياق: «ويقدم لنا مالك بن نبي تصوّرا للديمقراطية في العالم الإسلامي يلبي حاجياته في ميدان الحقوق والحريات السياسية، وفي ميدان العدالة الاجتماعية بتوفير لقمة العيش لكل فم والعمل لكل ساعد. ويقدم تصوّرا للإقلاع الاقتصادي يراعي الرقعة الجغرافية التي تحقق الاكتفاء الذاتي، ويغلب كفة الواجبات على كفة الحقوق، ويلجأ للاستثمار الاجتماعي كبديل للاستثمار المالي».

ويلمس القارئ في كثير من أعمال الدكتور عبادة معاني إكباره لأستاذه مالك بن نبي، ووفائه لفكره، وحرصه على نشر أطروحاته لكن دون تعصب لها، ويكفي أن أشير في هذا الشأن إلى قوله: «ليس الأستاذ مالك بن نبي مفكرا معصوما من الخطأ ولم يزعم ولا نزعم له بأن فكره صالح لكل زمان ومكان».

الجمع بين العلم والأخلاق

لقد جمع الأستاذ عبادة بين العلم والأخلاق، فقد عرفه الناس عالما ضليعا في الفلسفة الإسلامية والفكر العربي المعاصر، ورجلا متواضعا وإنسانا صادقا. ولا بأس أن أذكر هنا مثالا على ذلك. لقد عادت بي الذاكرة وبه، إلى أيام دراستي في جامعة الجزائر. فقد قرأت إعلانا معلقا في بهو الجامعة عن إلقاء الأستاذ عبادة محاضرة في مسجد الإقامة الجامعية بوراوي حول موضوع مالك بن نبي كما أشرت إلى ذلك سابقا.

حرصت على الحضور في اليوم المقرر، واستمعت إلى محاضرة الدكتور عبادة وإجاباته عن بعض الأسئلة الشفوية لضيق الوقت. لكنه وعدنا بقراءة العشرات من الأسئلة المكتوبة في قصاصات والإجابة عنها في المستقبل القريب.

اقتربت منه بعد نهاية فعاليات هذا النشاط الفكري، وقلت له: رجاء يا أستاذ أن تجيب عن سؤالي الآن فأخاف أن تضيع هذه الأوراق أو لا تجد وقتا للنظر فيها والإجابة عنها. ضحك الأستاذ ثم قال لي: وما هو سؤالك؟ طرحت عليه السؤال، وأجابني بشكل سريع. ثم سألني: ماذا تدرس؟ ولماذا تهتم بفكر بن نبي؟ ثم طلب مني أن أعطي له عنواني البريدي لكي يرسل إليّ الإجابات عن الأسئلة التي وعد الطلبة بالإجابة عنها.

وفعلا، وفى الدكتور عبادة بوعده، فبعد شهر أو أقل- لا أتذكر الآن- حمل إلي ساعي البريد ظرفا كبيرا، ولما فتحته وجدت فيه أوراقا مكتوبة بخط يده أجاب فيها عن الأسئلة الكثيرة. ففي هذا اليوم أدركت صدق هذا المفكر وسر حب الناس له وتقديرهم له، وكأنه عاد بهم إلى علماء حضارتنا في أزهى عصورها.

قرأت تلك الأوراق ثم ذهبت في اليوم التالي إلى الإقامة الجامعية بوراوي وسلمتها لإمام مسجدها. ولا أدري ماذا فعل بها إذ لم أعد إلى ذلك المسجد العامر. وأعترف هنا أني أشعر اليوم بالندم لعدم نسخ إجابات الدكتور عبادة حتى لا تضع جهوده هباء، وكذلك لأستفيد منها، ويستفيد منها غيري من الطلبة والباحثين.

لقد شهدنا في السنة الماضية والشهور الأخيرة رحيل كوكبة من المؤرخين والفلاسفة وغيرهم من رجال العلم والفكر والثقافة. اللهم ارحمهم برحمتك الواسعة، واخلفنا خيرا منهم.

آخر التغريدات: