الجانب الحيوي في شخص باديس

بقلم: الشيخ عبد الرحمن شيبان-

طلبت منا جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين بتونس، نشر الكلمة التالية، التي ألقاها الشاب عبد الرحمان شيبان في الحفلة الخاصة التي أقامها "الطلبة الجزائريون" بمناسبة الذكرى السادسة لرئيس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس.

وما المرءُ إلا روحه، فهو وحده لبابٌ، وأما الجسمُ فهو له قِشْرُ

بهذه الحكمة السامية كان يؤمن باديس، وهذه هي مَثَلُه الأعلى في الحياة: فقد كان منذ صباه لا يهتم إلا بروحه، ولا يسعى إلا فيما يقويها ويطهرها من أدران المادة الطاغية، لأنه يعتقد أن الروح هي القوة الفعالة التي يجب أن يتسلح بها الإنسان في هذه الدنيا. وأما المادة فهي عنده في الدرجة الثانية من الاعتبار، إذ كان يرى أن الحقيقة الإنسانية، وإن احتاجت إلى الجسم فكَاحْتياج الكاتب مثلا إلى لفظ يؤدي به المعنى المراد، أو كاحتياج الظامئ إلى كوب يتناول فيه الشراب. فأية قيمة للفظ، أو أي اعتبار للكوب مادام الاهتزاز لا ينبعث إلا من المعنى، وما دامت النشوة لا تكمن سوى في الشراب.
فحيوية الإنسان المعتبرة حقا إنما هي حيويته الروحية فحسب، ألا ترى أن عبد الحميد وإن كان ضعيف الجسم، نحيله وقصير القامة ضئيلها، غير أنه مع ذلك ليس رجلا كالرجال، ولكنه مجموعة من الإرادة والقوة والعظمة والعمل! وما ذلك إلا لتفوق "حيويته الروحية" على حيويته المادية!. نعم، إن جانب الحيوية الروحية في باديس متوفر وغزير.

ولكن في أي شيء ظهرت هذه الحيوية؟ إن باديس حيٌ في كل شيء:

حي في إيمانه بربه وبمبادئه السامية القومية.

حي في خلقه العالي الملازم لشخصه ملازمة الشمس لنورها.

حي في علمه الصحيح، المبني على البحث الدقيق المؤسس على الطهارة النفسية واليقين القلبي.
حي في قلبه المطمئن الثابت، الذي لا تهزه العواصف ولا تنال منه الخطوب.

حي في دينه الذي يخلص له ويعتز به أينما حل وحيثما ارتحل.

حي في لسانه الفصيح الذي أوقفه على بناء الحق وهدم الباطل، وتأييد الهدى ومحو الضلال.

حي في قلمه البليغ الذي التزم أن لا يخط إلا ما يمليه الضمير النـزيه وتقتضيه مصلحة "الدين، واللغة، والوطن".
حي في عمله المتزن المثمر الذي لم يعرقل تدفقه أيُ سدٍّ، ولم تقف في وجهه أية محاولة!.

فأي شيء يمنع الشمس أن تطلع، أو يصد النور أن يسطع؟.

ولنقتصر على إيراد مثالين اثنين يتجلى لنا فيهما طغيان هذا الجانب الحيوي الروحي على هذا "الرجل العظيم".

الأول: هجره للسعادة الزوجية التي هي أجمل حلم للإنسان، وعدم احتفاله بالعاطفة الأبوية المحدودة التي هي من أعرق الغرائز في شخص الكائن الحي.

فقد رُزئ في ولده الوحيد، ولم يتخلف عن درسه يوم وفاته، ولما عُوتب في ذلك أجاب: «أي مبرر لي أمام الله والواجب إذا ما تخلفت عن الدرس وأضعت على الطلبة وقتا من أوقاتهم الثمينة!؟».
وما هذا لعمري إلا ظاهرة لمبلغ ما يكمن في طبعه من الانقياد إلى غرضه السامي، والاستجابة لصوت ذلك الجانب الروحي المكين من جهة، ودرْسٌ عملي في التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة من جهة ثانية، وآية صادقة على أن "عبد الحميد" ما خلق ليكون أبا لفرد من الأسرة الباديسية، وإنما خلق ليكون أبًا لأبناء الجزائر أجمعين، من جهة ثالثة!.

والمثال الثاني: هو أنه لما بلغه أن تلميذه المأسوف عليه الأستاذ الميلي ألَّف كتابا في التاريخ سماه "تاريخ الجزائر في القديم والحديث"، بعث إليه برسالة تمنى فيها لو يغير المؤلف عنوان الكتاب فيسميه بدل التسمية الأولى "حياة الجزائر"، فلنستمع إليه إذ يقول: «أخي مبارك سلام ورحمة، حياك الله بتحية مَنْ عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ: وقفت على الجزء الأول من كتابك "تاريخ الجزائر في القديم والحديث"، فقلت: لو سميته "حياة الجزائر" لكان بذلك خليقا» إلى أن يقول: «إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا فكيف من أحيا أمة كاملة وأحيا ماضيها وحاضرها. وحياتهما عند أبنائها حياة مُستقبلها» فهكذا نرى باديس ينشد الحياة في كل شيء حتى في أسماء الكتب!
ولعل من المناسب –ونحن نتحدث عن الحيوية- أن نعرف كيف كان باديس ينظر إلى الحياة؟
لم يكن باديس فيلسوفا فيرى الحياة "شرا وخيرا" وليس هو بشاعر فيراها "دمعة وابتسامة" وما هو بمحب فيراها "فُرقة ولُقيا".

ليس باديس بأحد هؤلاء، ولكنه وارث من ورثة الأنبياء الذين لا يرون الحياة إلا جهادا وانتصارا.
هكذا كان باديس يرى الحياة، وعلى مقتضى ذلك فعل. فقد جاهد جهاد الأنبياء، وانتصر انتصار الأنبياء!
هذه "ياشباب باديس" و"يا طلبة المجد والأسوة" صورة مجملة متواضعة حاولت فيها عرض الجانب الممتاز من شخصية باعث نهضتنا المباركة رجاء أن تدرسوها حق الدرس، وتتخذوها مثلا أعلى في حياتكم.
هذا، وأرى لزاما علي قبل ختم هذه الكلمة المحتشمة أن أترحم على روح باديس الشهيد، وأهتف بحياة خليفته المُعظم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" أبقاه الله ذخرا للإسلام وحِصْنًا للعروبة.


كلمة ألقاها الشيخ عبد الرحمن شيبان سنة 1946 بتونس.

*جريدة النهضة العدد 6978، بتاريخ 22 رجب 1365 هـ/22 جوان 1946م.

*كتاب :"حقائق وأباطيل" للشيخ عبد الرحمن شيبان،منشورات المجلس الاسلامي الأعلى 2009.

آخر التغريدات: