أصول الولاية العامة كما استنبطها الإمام عبد الحميد ابن باديس

بقلم: كمال أبوسنة-

لم يعرف العرب بعد هدايتهم إلى الطريق المستقيم، واعتناقهم الإسلام، منهاج حكم راشد أعظم من النظام الإسلامي الذي غيَّر العربي الجاهلي فحوّله من راع للإبل والغنم، إلى مؤسس للحضارة، وقائد للأمم، إذ لم يعرف التاريخ حكما نظيفا من الاستبداد والظلم كحكم الخلفاء الراشدين المهديين الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وتابعوا هديه في سياسة الناس، ولم يحيدوا عن منهاجه قيد أنملة، ولم تشهد الدنيا عدلا في الحكم مثل عهد الشيخين، وهذا ما عبر عنه الإمام الراشد علي بن أبي طالب في شهادة له نقلها لنا حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- كما في البخاري ومسلم فقال:

” إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب – وقد وضع على سريره – إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: (رحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرا ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كنت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا وأبو بكر وعمر، وانطلقت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أن جعلك الله معهما). فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب”.

ثم بعد انقضاء عهد الخلفاء الراشدين جاءت عهود تفاوتت فيها نسب العدل والظلم، ولكن ما ميز كل العهود الإسلامية قبل سقوط الخلافة العثمانية على يد الطاغية كمال أتاتورك أن الحاكم المسلم لم يكن يجرؤ على مخالفة النظام الإسلامي العام حتى وإن استبد وتجبر فكانت الشريعة الإسلامية حاضرة ولها كلمتها المسموعة في كل المجالات، حتى دخل الاستعمار أراضي المسلمين غازيا، عسكريا وفكريا، وحين خرج منها تأسست كثير من النظم التي لبست لباس العلمانية بأوجهها المختلفة من اشتراكية وشيوعية وليبرالية وقومية وبعثية وغيرها..!

لقد كان الإمام عبد الحميد بن باديس-رحمة الله عليه- كغيره من المصلحين الكبار صاحب بصر حديد رأى في الإصلاح السياسي جزء من الإصلاح الشامل، ولم يكن بعيدا عن المشاركة بالرأي والتوجيه والتأثير في صياغة الوجهة السياسية الصحيحة التي يجب أن تسير فيها الجزائر قبل الاستقلال وبعده، وهو نفسه كان متيقنا بأن استقلال الجزائر قادم لا محالة حيث كتب في الشهاب بتاريخ جوان 1936 قائلا: “إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا، وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة.. فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ، فمن الممكن أن تزداد تقلبا، وتصبح مستقلة استقلالا واسعا، تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر…”

ولهذا كتب الإمام عبد الحميد بن باديس-رحمه الله-مقالا رائعا في ثلاثينيات القرن الماضي يحدد أصول الولاية العامة في الإسلام التي تعتبر دستورا سياسيا لو التزمت به الأمة لما ضلت الطريق، ولأهمية المقال في وقتنا الحاضر نورده كاملا.

قال الإمام عبد الحميد بن باديس-رحمه الله- في مجلة الشهاب بتاريخ غرة ذي القعدة 1356 هـ الموافق لـجانفي 1938م:

“لما بويع لأبي بكر الصديق-رضي الله عنه- بالخلافة رقى المنبر فخطب في الناس خطبة اشتملت على أصول الولاية العامة في الإسلام؛ مما لم تحققه بعض الأمم إلا من عهد قريب على اضطراب منها فيه، وهذا نص الخطبة:

« أيُّها النَّاس! قد وُلِّيتُ عليكم ولَستُ بِخَيْرِكُمْ، فإنْ رأيتموني على حَقٍّ فأعينُونِي، وإنْ رأيتموني على باطل فسدِدُوني.

أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عَصيتُهُ فلا طاعةَ لِي عليكم.

أَلاَ إِنَّ أقوَاكم عندي الضعيف حتى آخذَ الحقَّ له، وَأَضْعَفَكُمْ عندي القَّوِي حتَّى آخذَ الحقَّ مِنه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم».

الأصل الأول:

لاَ حَقَّ لِأحد في ولاية أمرٍ منْ أمور الأُمَّةِ إلاَّ بتولية الأمَّةِ، فالأمَّة هي صاحبةُ الحقِّ والسلطة في الولاية والعزل، فلا يَتَولَّى أَحَدٌ أَمْرَهَا إِلاَّ بِرِضَاهَا، فَلاَ يُورَثُ شيءٌ من الولايات، ولاَ يُسْتَحَقُّ للاعتبار الشخصي، وهذا الأصل مأْخُوذٌ من قوله :« وُلِّيتُ عليكم» أي قد وَلَّانِي غيري وهو أنتم.
الأصل الثاني:

الذي يَتَولَّى أمرًا من أمور الأمَّة هو أَكْفَؤُها فيه، لاَ خَيْرُهَا في سلوكه، فإذا كانَ شخْصَان اشتركا في الخيرية والكفاءة، وكان أحَدُهما أَرْجَحَ في الخيرية، والآخرُ أرجحَ في الكفاءة لذلك الأمر، قُدِّمَ الأرجحُ في الكفاءة على الأرجحِ في الخيرية، ولا شكَّ أنَّ الكفاءة تَختلف باختلاف الأمور والمواطن، فقد يكون الشخصُ أكفأ في أمرٍ وفي مواطنَ لاتّصافه بِما يُناسبُ ذلك الأمر، ويُفِيدُ في ذلك الموطن، وإنْ لَم يكن كذلك في غيره، فيستَحِقُّ التقديم فيه دون سواه، وعلى هذا الأصل ولََّى النّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بنَ العاص غَزاَةَ ذَاتِ السَّلاَسِلِ، وأَمَدَّهُ بأبي بكر وعُمَرَ وأبي عُبَيْدَة بن الْجَرَّاح فكانوا تَحْتَ وِلَايتِهِ، وكلُّهم خَيْرٌ منه، وعليهِ عقَدَ لواءَ أُسامَةَ بن زيد على جَيْشٍ فيه أبو بكر وعمرُ. وهذا الأصلُ مأخوذٌ من قوله: « ولَسْتُ بِخيركم».

الأصل الثالث:

لا يكون أَحَدٌ بمُجَردِ ولايته أَمْرًا من أمور الأمَّة خيْرًا مِن الأمة، وإِنَّمَا تُنَالُ الخيرية بالسلوك والأعمال، فأبو بكر، إذا كان خَيْرَهُمْ، فَلَيْسَ ذلك لِمجرَّد ولايته عليهم، بلْ ذلك لأعماله ومواقفه، وهذا الأصلُ مأْخُوذٌ أيضًا من قوله: «ولَستُ بِخَيْرِكم” حيث نَفَى الخير عند ثبوت الولاية».

الأصل الرابع:

حَقُّ الأمَّة فِي مُراقبة أُولِي الأمرِ، لِأنَّها مَصدرُ سُلطتِهم، وصاحبةُ النظرِ فِي وِلَايتِهم وعزلِهم.
الأصل الخامس:

حقُّ الوالِي عَلى الأُمَّة فيما تَبذُلُه لَه مِن عَوْنٍ إذا رأت استقامَتَهُ، فيجِب عليها أنْ تَتَضامن مَعَه وتُؤَيِّدهُ، إذ هي شريكة معه في المسؤولية. وهذا -كالَّذِي قبْلَه- مَأخُوذٌ من قوله: «إذا رأيتموني على حَقٍّ فأعِينُونِي».
الأصل السادس:

حَقُّ الوَالِي عَلى الأُمَّةِ فِي نُصحِهِ وإرشادِهِ، ودلالتِهِ عَلى الحقِّ، إذا ضَلَّ عَنه، وتَقْويِمِهِ على الطريق إذا زاغَ فِي سلوكه، وهذا مَأْخُوذٌ مِنْ قوله: « وإذا رأيتموني على باطل فَسَدِّدُونِي».

الأصل السابع:

حَقُّ الأُمَّةِ فِي مُنَاقشةِ أُولِي الأمر، وَمُحاسبتهم على أعمالهم، وحَملهم على ما تراه هي لا ما يَرَوْنَهُ هُمْ، فالكلمة الأخيرة لَها لا لَهم، وهذا كُلُّه مِنْ مقتضَى تَسْديدهم وَتقْوِيمِهم عندما تقتنِعُ بأَنَّهم على باطل، وَ لَمْ يستطيعوا أنْ يُقْنعُوهَا أنَّهُم على حَقٍّ، وهذا مأخوذٌ –أيضا- مِنْ قوله: « وإنْ رأيتمُونِي على باطلٍ فَسَدِّدُونِي».

الأصل الثامن:

على من تَوَلَّى أمْرًا مِن أمور الأمَّةِ أنْ يُبَيِّنَ لها الخطََّةَ التي يَسِيرُ عليها، ليكونوا عَلَى بصيرة، ويكون سائرا في تلك الخُطَّةِ عن رِضَى الأمة، إذْ لَيْسَ له أنْ يَسِير بِهم على ما يُرضِيه، وإِنَّمَا عليه أنْ يَسير بِهم فيما يُرضيهم، وهذا مَأْخُوذٌ من قوله:« أطيعونِي ما أطعتُ الله فيكم» فخُطَّتُه هي طاعة الله، وقد عَرَفُوا ما هي طاعة الله في الإسلام.

الأصل التاسع:

لاَ تُحْكَمُ الأمَّةُ إلاَّ بالقانون الذي رَضِيَتهُ لنفسها، وعَرَفت فيه فائدتها، وما الولاة إلاَّ مُنَفِّذُون لِإرادتها، فهي تُطيع القانون لأنَّه قانُونُها، لاَ لِأَنَّ سُلطة أخرى لفرد أو لجماعة فَرَضَتْهُ عليها، كائنًا مَنْ كَانَ ذلك الفرد، وكائنةً مَنْ كانت تِلك الجماعة، فتشعرُ بأَنَّـهَا حُرَّةٌ في تصرُّفَاتِها، وأنَّها تُسَيّرُ نفسها بِنَفْسِهَا، وأنَّها ليسَتْ ملكًا لغيرها من الناس، لا الأفراد ولا الجماعة ولا الأمم، ويشعرُ هذا الشعورَ كُلُّ فردٍ من أفرادها، إذ هذه الحرية والسيادة حقٌّ طبيعي وشرعي لها، ولكلِّ فردٍ مِن أفرادها. وهذا الأصل مأخوذٌ مِن قوله : « أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عَصيتُهُ فلا طاعةَ لِي عليكم» فهم لا يُطيعونه هو لذاته، وإنَّما يُطيعون الله باتباع الشرعِ الذي وضعَهُ لَهم ورضُوا به لِأنفسهم، وإنَّما هو مُكلَّف منهم بتنفيذِه عليه وعليهم، فلِهذا إذا عصى وخالف لَم تَبق له طاعة عليهم.

الأصل العاشر:

الناسُ كلُّهم أمام القانون سواء لا فرقَ بين قويِّهم وضعيفهم، فَيُطَبَّقُ على القوي دونَ رهبةٍ لقوته، وعلى الضعيف دون رِقَّة لضَعفه.

الأصل الحادي عشر:

صونُ الحقوق؛ حقوق الأفرادِ وحقوق الجماعات، فلا يُضَيَّع حقُّ ضعيفٍ لضعفه، ولا يذهب قويٌّ بِحقِّ أحَدٍ لقوتِه عليه.

الأصل الثاني عشر:

حِفظ التوازن بين طبقات الأمة عند صَون الحقوق، فَيُؤْخَذُ الحقُّ مِن القويِّ دونَ أن يُقسى عليه لقوَّتِه، فَيُتَعَدى عليه حتى يَضعُف وينكسر، ويُعطى الضّعيف حَقََّه، دون أن يُدلَّل لضعفه، فيطغى عليه، وينقلب مُعتديا على غيره، وهذا الأصل واللذان قبْلَهُ، مأخوذة من قوله : « أَلاَ إِنَّ أقوَاكم عندي الضعيف حتى آخذَ الحقَّ له، وَأَضْعَفَكُمْ عندي القَّوِي حتَّى آخذَ الحقَّ مِنه».

الأصل الثالث عشر:

شعور الرَّاعي والرَّعية بالمسؤولية المشتركة بينهما في صلاح المجتمع، وشعورهما -دائما- بالتقصير في القيام بِها ليستمرّا على العمل بِجد واجتهاد، فيتوجهان بطلب المغفرة من الله الرقيب عليهما.

وهذا مأخوذٌ مِن قوله: « أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لِي ولكم».

هذا ما قاله ونفَّذَه أوَّلُ خليفةٍ في الإسلام منذ أربعةَ عشر قرنًا، فأين مِنه الأمم المتَمَدِّنَةُ اليومَ؟ فهل كان أبو بكر ينطق بِهذا من تفكيره الخاص وفَيْض نَفسه الشخصي؟ كلاَّ! بل كان يستمدُّ ذلك مِن الإسلام، ويُخاطب المسلمين يوم ذاك بِما عَلِموه، وما لا يَخْضَعُون إلاَّ له، ولا ينقادون إلاّ به.

وهل كانت هذه الأصول معروفة عند الأمم فضلا عن العمل بها؟ كلا! بل كانت الأمم غارقة في ظلمات من الجهل والانحطاط، تَرْسُفُ فِي قيودِ الذلِّ والاستعباد تَحت نِيرِ المُلكِ، ونِيرِ الكَهَنُوتِ.

فما كانت هذه الأصول -واللّه إذن- من وضع البَشر، وإنَّما كانت من أمر اللّه الحكيم الخبير، نسأله –جلَّ جلاله – أن يتداركَنا، ويتدارك البشريةَ كُلَّها، بالتوفيق للرُّجوع إلى هذه الأصول التي لا نَجاة من تعاسة العالَم، اليوم، إلاّ بها”.

رحم الله الإمام عبد الحميد بن باديس الذي لم يترك بابا من أبواب الخير عرفه إلا ودل الجزائريين عليه، رحمة بهم، وخوفا عليهم من أن يضلوا الطريق.

آخر التغريدات: