موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من المظاهرات والاعتصامات

بقلم: علي حمادوش-

لقد اتخذت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من المظاهرات والاعتصامات وسيلة لمقاومة السياسات الاستخرابية الغاشمة لفرنسا لتحقيق أهداف مشروعة والاحتجاج على القرارات الجائرة. ولست في هذا المقام بغرض الكلام عن الحكم الشرعي للمظاهرات والاعتصامات وذكر أقوال أهل العلم في المسألة، وانما اردت ان أسلط الضوء على موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من المظاهرات والاعتصامات من خلال ما اطلعت عليه من كتابات حول تاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتراث علمائها،لأن بعض الناس هداهم الله يريدون أن يحجبوا الحقائق التاريخية على غيرهم حتى يصوروا علماء الجمعية على الوجه الذي يرغبونه.

سأقتصر على بعض الشواهد التاريخية التي تحدد لنا موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من المظاهرات والاعتصامات.

لقد خرج الشيخ محمد خير الدين رحمه الله وهو من علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مظاهرة مع كبار علماء الزيتونة حينما كان طالبا في جامع الأزهر مع بعض الطلبة الجزائريين ،وذكر بأن مشاهدته لهذه المظاهرات في تونس أسهم في تكوينه وتهيئته للقيام بالدعوة الاصلاحية والعمل على نهضة الجزائر.

قال الشيخ محمد خيى الدين في مذكراته 68 - 67 / 1: ( ماذا استفدت من تونس غير العلم؟

كانت رحلتي الى تونس ذات أبعاد متعددة في تهيئتي للدور الذي قدر لي أن اقوم به في حركة الإصلاح الجزائرية فيما بعد، فلم تقتصر فوائد اقامتي بتونس على تحصيل العلم والثقافة العربية الإسلامية فقط،بل أطلعتني على مظاهر النهضة الوطنية أيضا.

فقد شهد العام الأول من اقامتي بتونس انبعاث حركة سياسية قوية عمت أرجاء البلاد،شاركت فيها الحواضر والبوادي ،وصاحبت صدور الصحف الوطنية التي تلهب المشاعر وتنادي بحقوق الشعب فوق أرض ابائه وأجداده ،وانعقاد الاجتماعات العامة في القاعات والبيوت والأندية،والقاء الخطب والمحاضرات.
وفي خضم هذه المشاعر المتأججة قامت مظاهرتان شارك فيهما الشعب التونسي مشاركة لم يسبق لها مثيل ،خرجت الأولى من جامع الزيتونة يقودها شيخنا الصادق النيفر وشيخنا عثمان خوجة من أعلام جامع الزيتونة المعروفين ،سار في مقدمتها الطلاب وتبعهم الشعب،وكان المتظاهرون يهتفون بحياة تركيا،ويستنكرون احتلال جيوش الحلفاء لعاصمة الخلافة الاسلامية اسطنبول ومضيق الدردنيل،وتوجهت المظاهرة الى السفارة الفرنسية في ساحة باب البحر، فلما وصلتها دخل اليها الشيخان وقدما احتجاجا مكتوبا باسم تونس الى سفير فرنسا ليرفعه الى حكومته وحلفائها،وقد شاركت في هذه المظاهرة مع بعض الطلاب الجزائريين.

والمظاهرة_الثانية كان سببها التدخل السافر من الاستعمار في شؤون الباي محمد الناصر ،فأعلن استقالته وصدرت الصحف الوطنية صباح اليوم التالي مجللة بالسواد فقامت مظاهرة كبرى سار فيها الشعب على الأقدام مسافة طويلة - ستة عشر كيلومترا - حتى وصلوا الى قصر الباي بالمرسى، فخرج اليهم الباي وكلمهم مباركا موقفهم مؤيدا صنيعهم ،وتحدث الخطباء من الشعب وأكدوا ولاءهم للعرش، وهتفوا بحياة محمد الناصر ،وكان من جملة الخطباء في ذلك اليوم الشيخ عبد الرحمن اليعلاوي الجزائري الزيتوني الذي عاد بعد الاستقلال الى الجزائر وتقلد ادارة بنك القرض الشعبي الوطني الجزائري، وتوفي من بضع سنوات رحمه الله.

شاهدت ذلك كله في العام الأول من مقامي بتونس سنة 1918م ،كما شاهده كل الطلاب الجزائريين الذين يتلقون العلم بتونس.

عاشت تونس خلال مقامي بها ما بين 1918م و 1925م فترة خصبة من حياتها،عامرة باليقظة والنهضة ،رأيت فيها ما لم أشاهده من قبل في حياتي الأولى بالجزائر ،فأثر ذلك في تكويني وهيأني للعمل على نهضة الجزائر في مجالين متوازيين هما: الاصلاح الديني والاصلاح الوطني.
أولهما يأتي عن طريق التعليم الديني ونشر مبادئ الاسلام الصحيحة واحياء اللغة العربية ،وثانيهما يأتي عن طريق توعية المواطنين بحقوقهم الوطنية والسياسية.

وهكذا استفدت من اقامتي بتونس - زيادة عن العلم - بزاد اخر سياسي واجتماعي ثري ،ورجعت الى الجزائر مؤمنا بأن نهضتنا تتحقق بالعمل في المجالين السابقين : احياء الدين ،واذكاء روح النهضة بين المواطنين) انتهى كلامه رحمه الله.

وذكر الشيخ محمد خير الدين رحمه الله في مذكراته بأن العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله حينما زار مدينة بسكرة سنة 1931م سار مع جمع من العلماء وحشود عظيمة من سكان سيدي عقبة مكبرين ومهللين حتى وصلوا المسجد ،فمنع من التدريس بأمر من الحاكم الفرنسي ومع ذلك وقف متحديا السلطات الفرنسية معتصما أمام المسجد.

قال الشيخ محمد خير الدين في مذكراته 83 - 82 / 1: زيارة الشيخ ابن باديس الأولى إلى بسكرة:

قدم وفد من العلماء على رأسهم الامام الشيخ عبد الحميد بن باديس الى الصحراء للقيام بجولة فيها عام 1931م ،فقوبل بالحفاوة والترحيب الحار في كل مكان ،زار هذا الوفد مدينة بسكرة وأقام بها عدة أيام حفلت بالنشاط والقاء دروس الوعظ والارشاد في المساجد ،وتدفقت وفود الطلاب والأعيان كالسيل المنهمر للمشاركة في الترحيب والاستماع الى الدروس ،وكان هذا التدفق يعبر عن روح جديدة وامال عريضة تبشر بالخير وتطمئن النفوس على مستقبل الحركة الاصلاحية في هذه الناحية وتعكس مقدار عمقها في نفوس الشعب الجزائري المسلم.

وأثناء هذه الزيارة قدم وفد من طلبة سيدي عقبة وأعيانها وأعربوا عن رغبتهم ورغبة مواطنيهم في هذه الناحية أن يزورهم ابن باديس ،فلبى دعوتهم شاكرا فضلهم ،وفي صبيحة اليوم التالي سافر فريق العلماء والطلبة صحبة الامام الى بلدة سيدي عقبة فوجدوا السكان قد خرجوا عن بكرة أبيهم يترقبون قدوم الشيخ وصحبه ،فنزل الشيخ ورفاقه وصافحوا المستقبلين ،ثم مشى ابن باديس وسارت الحشود خلفه رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل الى أن وصل الموكب الى باب المسجد الكبير حيث دفن الصحابي الجليل فاتح افريقيا عقبة بن نافع ،فوجدنا باب المسجد مغلقا بأمر حاكم المنطقة ووجدنا الحاكم نفسه أمام الباب ومعه مترجمه وأعوانه من الفرنسيين والعرب،وبادر المترجم وقال للشيخ ابن باديس: ان الوالي العام للقطر الجزائري أمر باغلاق باب الجامع ومنعك من الدخول اليه ، فجلس الشيخ على الأرض أمام باب الجامع ،وكان يرتدي ثيابا من الصوف الأبيض والأرض مليئة بالغبار الذي تثيره الرياح وقال للحاكم: خبر الوالي العام بأن عبد الحميد بن باديس جالس على الأرض في هذا المكان لا يبرحه حتى يدخل الجامع وجلس الى جوار ابن باديس بعض مرافقيه من العلماء.
اضطرب الحاكم العام وبدأ القلق على وجهه ثم اتجه الى ادارة البريد لتبليغ الوالي العام بهذا الأمر ويطلب رأيه في حل هذا المشكل.

وبعد قليل عاد الحاكم الى مكانه أمام الباب وقال للشيخ : ان الوالي العام أذن لكم بالدخول للزيارة فقط ،ومنعك من القاء الخطبة، فأجابه الشيخ بصوت ينم عدم المبالاة وأشار بيده كأنه يأمره بالفتح قائلا: افتح افتح ،ثم دخل الشيخ واندفع الشعب خلفه ووقف الشيخ أمام الضريح ولم يجلس كعادته أثناء القاء الدروس ،وأخذ يتحدث ساعة كاملة واقفا، وألقى درسه والناس جميعا واقفون فتلا قوله تعالى: المص كتاب أنزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين،وكان هذا الدرس أعظم الدروس التي تعود الشيخ ارتجالها كلما جد الجد....)

وقال الشيخ أحمد حماني في كتابه صراع بين السنة والبدعة في ترجمة العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله :(وأثناء دراسته بتونس جرت أحداث جسام وبدأت الاصطدامات بين الشعب التونسي وبين القواة الفرنسية الغاشمة، وفي عام 1911م نزل الشعب الى الشوارع وسالت الدماء أنهارا ،ولابد لذلك أن يترك طابعه في نفسيته الشابة، ولذلك كانت أول مظاهرات شعبية في الجزائر وقعت في الجزائر وقعت في أهم المدن الجزائرية من أجل اغلاق المساجد في وجوه العلماء الأحرار ،كانت بدعوة وقيادة العلماء عام 1934م ،وكانوا في طليعة المتظاهرين وحملوا على ذلك النواب ،ولعل هذا ما يعنيه المؤرخ الفرنسي الشهير شارل أندري جوليان في كتابه: لافريقيا الشمالية نسير اذ يقول: العلماء هم الذين أيقظوا الرأي العام الأهلي الذي كان كمحكوم عليه بالاعدام في بيت ينتظر التنفيذ)
فبعد منع العلماء من التدربس في المساجد قامت مظاهرات عامة في كل انحاء القطر الجزائري يقودها العلماء،وذلك احتجاجا على هذا القرار الجائر للضغط على الادارة الفرنسية.

وقد شارك العديد من علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مظاهرات شهر جمادى الأولى 1364 للهحرة - ماي 1945م لم تحمل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ،وقد تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات ولم تحمل أي طرف جزائري مسؤولية ما حدث، بل ان علماء الجمعية حملوا فرنسا المسؤولية كاملة، واعتبروا من حق الشعب الجزائري التظاهر.


المراجع:

1- مذكرات الشيخ محمد خير الدين.

2- معالم الفكر السياسي عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للأستاذ يوسف بوغابة.

3- صراع بين السنة والبدعة أحمد حماني.

4- الكفاح القومي والسياسي من خلال مذكرات معاصر لعبد الرحمن العقون....)

 

آخر التغريدات: