دور الإمام عبد الحميد ابن باديس في تمتين الرّوابط الثقافية بين تونس والجزائر

بقلم: محمد بسكر-

ترجع جسور التبادل الثقافي بين البلدين إلى عهد الدولة الحفصية، حيث كانت مدينة قسنطينة تمثل العاصمة الغربية لها ومنتجع ملوكها ومستقرّ بعضهم، ساهمت نخب قسنطينة المثقفة في دواليبها ومناصبها الهامّة الرّفيعة، السياسية والقضائية والثقافية، يقول الدكتور عبد الجليل التميمي:« إنّ بايلك قسنطينة الذي كان جزءا تابعا للحفصيين، لم يفتأ خاضعا للتأثيرات الثقافية الواردة عليه من ولاية تونس، فزيارات القسنطينيين إلى مدينة تونس كانت أكثر ترددا منها على مدينة الجزائر، ثم استمرارهم على التّعلم بجامع الزيتونة»، بقيت هذه الرابطة الوثيقة قائمة في العهد العثماني ولم تنقطع إلّا أواخر القرن التاسع عشر بعد استيلاء المستعمر الفرنسي على الجزائر، والذي ضرب طوقا على البلاد وحال بين الجزائريين وبقيت الدّول العربية، وأدّى احتلاله إلى هجرات جماعية اتّخذت مناحي مختلفة، هي عنوان لمآسي عاشها الشعب الجزائري، وإنّ كان بعض الهجرات – وخاصّة مطلع القرن العشرين-  لها ثمارها الإيجابية إذ « اقترن فيها طلب العلم بالفرار من الظلم وتجنب الوقوع تحت سلطة الاستعمار، وقد أتاحت للرّوح الجزائرية أسباب قوّة جديدة لتعود بعد فتنفخ في الجزائر ما يردّ إليها حياتها، ويدفعها في سبيل استرداد شخصيتها» .

كان الإمام ابن باديس العائد من تونس سنة 1908م يعي الدّور التاريخي الذي يربط الجزائريين بإخوانهم بتونس، فحاول إعادة مدّ جسور التواصل الاجتماعي والعلمي بين البلدين، وأعدّ لذلك خطّة محكمة انطلاقا من بلدته قسنطينة، فأرسل دفعات من طلبته لمواصلة دراساتهم العليا بجامع الزيتونة، وكانت أوّل بعثة تجتاز الحدود سنة 1913م، إلّا أنها لم تُوفّق بسبب قيام الحرب العالمية الأولى، وإغلاق الاستعمار معظم مراكز التعليم التونسية، ثم استأنفت هذه البعثات أفرادا وجماعات بعد انتهاء الحرب، ومن بين الطلبة الذين استقبلتهم المعاهد التونسية:  مبارك الميلي، والعربي التبسي، والسعيد الزّاهري، وعبد السّلام القسنطيني، والعيد آل خليفة.. وغيرهم.  وتعتبر هذه الدّفعة من خيرة طلبة ابن باديس، فمعظم أفرادها لهم مساهمة في النشاط الأدبي والفكري الذي شهدته الجزائر في المرحلة الباديسية، كما ساعدوا الإمام في مهامه التعليمية والصحفية، وجلّهم انخرط في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لمّا تأسست سنة 1931م.

دأب ابن باديس على نفس النّهج الذي اختطّه قبيل الحرب الكونية الأولى، فوسّع من دائرة الدعوة إلى الهجرة العلمية تُجاه تونس، لتشمل الجنوب القسنطيني فشملت وادي سوف، وقمار، وبسكرة، وغرداية،« وهكذا لم تكد الحرب العالمية تضطرم، ويتوقف بسببها كل نشاط للهجرة العلمية، حتى كانت الجزائر وبالخصوص المنطقة المحاذية منها للحدود التونسية تزخر بعشرات الخرّجين الذين تمركزوا للدّراسة بالمعاهد، أو انتصبوا في المساجد يتطوّعون لإعطاء الدّروس المجانية التي كانت تشفع في غالب الأحايين بالتوجيهات الوطنية طبقا للأسلوب الباديسي».

لم تقتصر مبادرة ابن باديس عند حدّ البعثات العلمية لطلبته من قسنطينة وما جاورها، بل سعى إلى تعزيز الروابط بين البلدين بزياراته المتكررة التي ساقته إلى تونس، التقى فيها بالعلماء والأساتذة، ورام من خلالها تحريضهم على مساعدة أبناء الجزائر، فكانت له زيارة ميدانية سنة 1921م، اتّصل أثناءها بالطلبة الجزائريين للوقوف على أحوالهم، وزارها مرّة أخرى في شهر جوان من سنة 1937م بمناسبة ذكرى الشيخ البشير صفر أستاذه الذي درس عليه علم التاريخ، فألقى بالمناسبة خطابا، ثم دعته جمعية التلاميذ الجزائريين الزيتونيين والجمعية الودادية الجزائرية بتونس لإلقاء كلمة حضرتها وجوه كثيرة من رجال العلم والدّين والسّياسة، وكتبت الجرائد التونسية عن زيارة هذا العلم الجليل والمصلح الكبير، من بينها جريدة النهضة التي قالت:« وألقى خطابا ارتجاليا بفصاحة نادرة وامتلاك لناصية الموضوع، أثر كثيرا على الحاضرين وهزّ مشاعرهم وذكّرهم ببعض خصال الفقيد المحتفل بذكراه»، وكتبت جريدة الزهرة ما نصه: « وارتجل خطابا فيّاضا بالشّعور الإسلامي الصميم والعاطفة الإفريقية السّامية».

كان من بين المحتفين بزيارته علماء جامع الزيتونة، وأعضاء هيئة المجلة الزيتونية، وجمعية الزيتونيين، وأقيمت لهم مأدبة عشاء حضرها من هيئة المجلة : الشّيخ محمد الهادي بن القاضي، ومحمد المختار بن محمود، ومحمد الشاذلي بن القاضي، والطاهر القصار، ومن جمعية الزيتونيين:  الكاتب العام الشّيخ محمد الشاذلي، كما حضره االشّيخ الحطاب بوشناق، والشّيخ محمود بن الطاهر، والشّيخ أحمد المهدي النيفر.

وسجّلت بعض الصحف والمجلّات زيارات ميدانية قام بها بعض علماء تونس إلى الجزائر للوقوف على أوضاع إخوانهم، ومن أمثلة هذه الرحلات التي نُشرت، رحلة الشّيخ محمد خضر حسين التي قام بها سنة 1904م ونشرها بمجلة السعادة العظمى، وقام الشّيخ أحمد حسين المهيري برحلته إلى الجزائر ونشر تفاصيلها في جريدة العصر التونسية، كما سجّل الشاعر التونسي سعيد أبو بكر تفاصيل رحلته في جريدة لسان الشعب، والتي قام بها على مرحلتين من سنة 1927 إلى 1928م.

لم تقتصر جهود ابن باديس في إرسال البعثات العلمية إلى جامع الزيتونة، بل كان يتطلع إلى تغيير المناهج الدراسية المعتمدة في مراحل التكوين التي يتلقّاها الطلّاب بجامع الزيتونة والمعاهد الملحقة به؛ لأنّها في نظره بالية وجامدة يغلب عليها الطّابع القديم، ولا تتوافق مع متطلبات النهضة الحديثة، وهي رؤية شاطره فيها بعض شيوخ الزيتونة، وقد فرح الإمام لمّا أعلنت إدارة الجامع عن تكوين لجنة لإصلاح المناهج، غير أنّ الخلاف طغى بين أعضائها وانخراط كتّاب الصحف في نقاش حاد على صفحات الجرائد، جعلت من الإمام يعرض –سنة 1931م-على هذه اللّجنة رؤيته لإصلاح التعليم بجامع الزيتونة، المبنية على استقراء للتعليم العربي في الدول الإسلامية وتجربته الخاصّة التي طبّقها على طلبته بالجامع الأخضر بقسنطينة.


للموضوع مصادره

آخر التغريدات: