روحُ الجزائر

روحُ الجزائر

بقلم: محمد الهادي الحسني-

قال “جاهل متعالِم” ظن هو في نفسه، وآمن أراذِلُهُ أنه لم يُخلق مثله في الجزائر؛ قال ما معناه: إن تاريخ الجزائر المعاصر لم يعرف من العُظماء إلا أربعة، مُدرجاً نفسه المغرورة ضمن هؤلاء الأربعة… والحقيقة هي أن هؤلاء الأربعة ليس منهم إلا واحد يستحق هذه العظمة النسبية، أما الثلاثة الآخرون فينطبق على كلٍّ منهم قول أستاذنا محمد الصالح الصديق، الذي يرويه عن أستاذه محمد بوشَرِبيّة، وهو: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، أي إن هؤلاء الأشخاص الثلاثة يجوز التيمّم عليهم لِشَبَهِهِم بالجمادات..

لم يذكر هذا “الجاهل المتعالم”– حسداً من عند نفسه- ؛ الإمامَ المرتَضَى عبد الحميد بن باديس، الذي نعتقد أن الشعب الجزائري النبيل والأصيل لم يُقدّر أحداً من أبنائه الكرام كما قدر ابن باديس، ولم يحب أحداً كما أحبه، وما نُرجع ذلك إلا لإخلاص هذا الإمام لشعبه ولوطنه حتى قال: “أعيش للإسلام وللجزائر”.

لقد أطلق الجزائريون على هذا الإمام كثيراً من الأوصاف تؤكد حبّهم الشديد له، وتقديرهم الكبير له.. وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾.. وقد شرح هذا المعنى رسول الله– عليه الصلاة والسلام- في قوله: “إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل إني أحبّ فلاناً فأحبوه، فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض”.

من الأوصاف التي أطلقت على الإمام ابن باديس ما جاء في كلمة كتبها الأستاذ محمد مقيدش بمناسبة زيارة الإمام إلى مدينة جيجل لوضع حجر أساس “مدرسة الحياة”، التي حوّلها “الجاهلون” إلى “متحف للأموات”، وجاء في هذه الكلمة: “فالأمّة الجيجلية عن بكرة أبيها تحترمه– ابن باديس- وتوقره، وتقدرُ له قدره، وتجزم بأنه “روح الجزائر”. (جريدة البصائر ع 168 في 2 جوان 1939، ص 8).

لقد رفع الشعب الجزائري في حَرَاكه المبارك شعاراً يعبر عن نفسيته النبيلة، واعترافه لمن خدمه بإخلاص، دون طمع في منصب ولا مغنم؛ وهذا الشعار الذي جاب أقطار الأرض هو: “نحن أبناء باديس، لا أبناء باريس”، وكأنهم يَردُّون– من حيث يدرون أو لا يدرون- على من قال: “أنا ديغولي”، وقال عنه دوغول: “هذا الشاب لا يريد لفرنسا إلا الخير”. (انظر: محمد عباس: في انتظار المهدي، ص 23).

لقد أثبت الجزائريون للصُمِّ البُكمِ العُميِ “عُبّاد الكادر”؛ أنّه لا يخلد في نفوسهم، ولا يسكن في قلوبهم إلا من أخلص لهم، وأحبّهم بصدق، أما “الزبد” فيذهب جفاء.. ونعيد مع الشاعر الفحل، غير المتملق، محمد العيد آل خليفة، مخاطباَ “روح الجزائر” ابن باديس:

نمْ هادئاً فالشعبُ بعدك راشدٌ  ***  يختطُّ نهجك في الهدى ويسير

لا تخش ضيعة ما تركت لنا  ***  سدىً فالوارثون لما تركت كثير

رحم الله الإمام ابن باديس، الذي أيقظ ضمائرنا، ونفخ من روحه في أرواحنا، فنهض آباؤنا يحطّمون أغلال فرنسا، ونهض أحفادهم يحطمون أغلال “ورثة فرنسا” في الجزائر، رغم “السفهاء” الذين يزعمون “تحرير جمعية العلماء من مغتصبيها”.

آخر التغريدات: