جمل مالك بن نبي

بقلم: أ.د. ليلى محمد بلخير-

كلنا نعرف مالك بن نبي رحمة الله عليه، المفكر العبقري المتخصص في طرح مشكلات الحضارة، ولكن المذهل في شخصيته تأثره باختصاصه العلمي في الهندسة الكهربائية، مع أنه لم يشتغل مهندسا طيلة حياته، حيث وجه هذا الاختصاص لهندسة الأفكار، وتنسيقها، وتحويلها إلى حركة وحياة بالمنطق العملي التطبيقي؛ فالعمل لا ينهض بنفسه، بل بمقوماته ووسائله المادية والمعنوية كشروط لازمة وضرورية، كما البناء لا يتم بزخرفة الواجهات وتلوين الشرفات، قبل تعميق الأسس وضرب الأعمدة بقوة، هذه هي بالضبط هندسة مالك بن نبي في بناء الإنسان الوصفة النظرية موجودة (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، ومن ذلك حاول في جملة كتاباته أن يقرب إلينا التقنية المناسبة، وفق آليتي الهدم والبناء قال الله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة: 62].

تعزز الآية الكريمة التوجه العملي بمنطق واضح كمشروع حضاري يغير ويبدل من فعلي (يزكيهم/يعلمهم)؛ التزكية هي تقنية تشبه عملية الغسيل والتنظيف ضرورية للإنسان، كي يتخلص من الرواسب والسموم والمثبطات والمنغصات والتكلسات، التي تصيب القلب بالوهن والضعف، ثم تكون الخطوة الثانية التعلم والتدرب والممارسة؛ التزكية هي الهدم للتخلص من أسباب الضمور والفتور والفشل، والثانية البناء، القيام بشأن اكتساب أفانين ومهارات، لتحقيق شروط النجاح، ويستحضر مالك بن نبي قصة الجمل المسكين، وهو في وضع صعب ينوء بأثقاله، لا يملك القيام من مكانه، وبدل تخليصه من بعض الأحمال على الأقل حتى يتمثل واقفا، ولكن سوء التقدير يجعلهم يضعون على ظهره المزيد والمزيد حتى لا يعرف النهوض أبدا، يقول أستاذنا مالك بن نبي رحمه الله ضاحكا من الوضع -وشر البلية ما يضحك طبعا-:”هو بارك ويزيدو يحطو عليه الرّحى” ميلاد مجتمع ص 94 ونستشف من هذه الومضة أننا في أكثر الأوقات لجهلنا بالقوانين والسنن نضع العمل في شروط تعجيزية، وغير ممكنة على الإطلاق؛ مثل أن نطلب من طفل لا يعرف الحروف أن يكتب جملة مفيدة تامة المبنى والمعنى. وكحل لهذه المعضلة يلخص لنا مالك بن نبي التقنية، وتفعيل هذه التقنية في الحياة وفق شروط لازمة، تسهم في إنتاج أسباب الحركة والنهوض، لتكون البداية من الداخل من الضمير، الذي يعمل وفق رؤية شاملة للتأثير بعد ذلك في الآخرين، حركة من الداخل نحو الخارج ما وقر في القلب وصدقه العمل، التقنية هنا هي الممارسة الحقيقية للأفكار والقيم وفق سننها، حتى تكتسب فعاليتها، بعيدا عن الفردانية والأنانية إلى المجموع المتراص المتناصر في شبكة علاقات قوية، ومثلما تعلمنا من نملة بن باديس الوعي بالدور الرسالي في الحياة، تعلمنا من جمل مالك بن النبي أن نوفر كل الشروط الضرورية والمساعدة على النهوض بهذا الدور على أكمل وجه، حتى لا يصيبنا البوار/والعطالة، فإن أردنا النجاح في أي مشروع حياتي لابد من التحكم في شروطه ووضعه في دائرة الحركة من الإيمان إلى العمران حركة ربانية المقصد يصطبغ بها المجموع الإنساني برمته، وبالتالي الحرص ثم الحرص (حتى لا يبرك الجمل المسكين) على إنتاج أسباب النهوض، وتحديد وجهة السير، واليقين بالطريق يدفعنا بقوة إلى الأمام رغم الضعف والوهن.

آخر التغريدات: