مؤهلات تفسير القرآن الكريم وأغراضه عند الإمام ابن باديس

بقلم: د. علي الصلابي-

إنَّ غاية تفسير القرآن الكريم والتذكير فيه هي هداية البشر إلى الحق وتعريفهم به، وهذا ما أكده ابن باديس حين قال إنَّ القرآن هو كلام الجبار وسيد الأذكار، فيه من العلم ما يفتح البصائر ومن الأدب ما ينور السرائر، ومن العبر ما يبهر الألباب ومن الحكم ما يفتح للعلم كل باب، فيه علم مصالح العباد في المعاش والمعاد، وبسط أسباب الخير والشر والسعادة والشقاوة، وعلم النفوس وأحوالها، وأصول الأخلاق والأحكام وكليات التشريع وحقائق الحياة والعمران والاجتماع ونظم الكون المبنية على الرحمة والقوة والعدل والإحسان، فينال كل تال منها على قدر ما عنده من سلامة قصد، وصحة علم بتقدير وتيسير من الحكيم العليم.

لقد كان الإمام ابن باديس يعدُّ نفسه خادماً للقرآن الكريم، حيث قال كلمة رائعة افتتح بها خطابه: أنتم ضيوف القرآن، وهذا اليوم يوم القرآن وما أنا إلا خادم القرآن. فكان شديد التأثر بالطريقة الهدائية في التفسير، التي انتهجتها مدرسة المنار، فقد استهدف ابن باديس في تفسيره تخريج أجيال مؤمنة، متخلقة بأخلاق القرآن، لأنه يؤمن بأن القرآن الذي كون رجالاً في السلف لا يكثر عليه أن يكون رجالاً اليوم لو أحسن فهمه وتدبره، فقال رحمه الله: فإننا نربي ـ والحمد لله ـ تلامذتنا على القرآن من أول يوم نوجه نفوسهم إلى القرآن، من أول يوم غايتنا التي ستتحقق أن يكوّن القرآن منهم رجالاً كسلفهم، وعلى هؤلاء الرجال تعلق هذه الأمة امالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها.

مؤهلات تفسير القرآن الكريم عند الإمام ابن باديس

إنَّ التفسير ليس كلاماً مباحاً لكل من هبَّ ودبَّ، وإنما يحتاج المفسر إلى مؤهلات علمية وأخلاقية، حتى يكون أهلاً لتعاطي التفسير، وإلا شمله ذلك الوعيد الشديد الذي توعد به النبي (ص): من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وقد حقق العلامة ابن باديس العلوم والمعارف التي يجب أن تتوفر في المفسر، من الملكة اللغوية وسعة الاطلاع على السنة، ومقاصد الشريعة وأسرار التشريع والأطوار والتقلبات التي مرت بها المجتمعات الإسلامية والبشرية على العموم، ولقد أدرك الإبراهيمي هذه المؤهلات في ابن باديس فقال: ثم جاء أخونا وصديقنا الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس قائد تلك النهضة بالجزائر بتفسيره لكلام الله على تلك الطريقة، وهو ممن لا يقصر عمن ذكرناهم في استكمال وسائلها في ملكة بيانية راسخة وسعة اطلاع على السنة وتفقه فيها وغوص على أسرارها، وإحاطة وباع مديد في علم الاجتماع البشري وعوارضه وإلمام بمنتجات العقول ومستحدثات الاختراع، ومستجدات العمران، بعد ذلك كله قوة خطابية قليلة النظير وقلم كاتب لا تفل له شباه.

وعاد العلامة محمد بشير الإبراهيمي في موضع آخر إلى الحديث عن مؤهلات التفسير عند الإمام ابن باديس، فقال رحمه الله: له ذوق خاص في فهم القرآن كأنه حاسة سادسة خاص بها، يرفده بعد الذكاء المشرق والقريحة الوقادة والبصيرة النافذة؛ بيان ناصع، واطلاع واسع، وذرع فسيح في العلوم النفيسة والكونية، وباع مديد في علم الاجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه، يمد ذلك كله شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يرزقها إلا الأفذاذ المعدودون في البشر. ومما يؤكد تضلع الإمام ابن باديس في علوم التفسير ما لاحظه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من أنه رحمه الله: سلك في درس كلام الله أسلوباً سلفي النزعة والمادة، عصري الأسلوب والمرمى، مستمداً من آيات القرآن وأسرارها أكثر مما هو مستمد من التفاسير وأسفارها.

أغراض تفسير القرآن الكريم عند الإمام ابن باديس

يؤكد ابن باديس أن القرآن هو منطلق الإصلاح، فبعد تقسيمه الأمراض التي تعترض المجتمعات البشرية إلى نوعين، أمراض أرواح وأمراض أبدان، في تفسيره قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا *} [الإسراء  : 82]، أوضح بأن القرآن الكريم هو منطلق الإصلاح، وهو شفاء المجتمع البشري بما شرع من أصول العدل وقواعد العمران ونظم التعامل، فقال رحمه الله: على أن القرآن هو شفاء لأفراده، فقد شرع من أصول العدل وقواعد العمران ونظم التعامل وسياسة الناس ؛ ما فيه العلاج الكافي والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني في جميع أمراضه وعلله، شفاء العقائد فلا تكاد تخلو آيات القرآن من معالجته وبيان ما هو شفاء لها، ولا شفاء لها إلا بالقرآن، والبيان النبوي راجع إلى القران، ومن طلب شفاءها في غير القرآن فإنه لا يزيدها إلا مرضاً، فهذه الأمم الغربية ـ بسجونها ومشانقها ومحاكمها وقوتها ـ قد امتلأت بالجنايات والفضائح المنكرة التي تقشعر منها الأبدان، وهذه الممالك الإسلامية التي تقيم الحدود القرآنية كالمملكة النجدية الحجازية والمملكة اليمانية، قد ضرب الأمن رواقه عليهما، واستقرت السكينة فيهما دون سجون ولا مشانق مثل أولئك، وما ذلك إلا أنهم داووا الملك بدواء القران، فكان الشفاء التام.

لقد استهدف ابن باديس من خلال تفسيره عدة أهداف من أهمها:

1- أن يكون الهدف الأول للتفسير هو بيان كيفية معرفة الله المعرفة الحقة والإيمان به الإيمان الكامل قلباً وعقلاً، فكراً وسلوكاً.

2- أن تكون الغاية الواضحة التي يجب أن يشترك فيها المفسرون هي هداية البشر جميعاً إلى الحق وتعريفهم به مع العناية بطرح مشاكل الإنسان وتحليلها وكيفية معالجتها.

3- ضرورة تخليص الفكر الإسلامي مما علق به طوال القرون الماضية من تقاليد وبدع وخرافات وعادات زائفة، فإذا ما تحقق هذا الهدف من خلال التفسير، أصبح التفسير علماً مقنعاً ووسيلة للرد العلمي على اتهامات بعض رجال الاستشراق، الذين يتهمون الدين والقران بالبعد عن المنطقية والعلم، كما يتهمون أصحابه بالرجعية والتخلف على اعتبار أن هذا الفكر يقوم على الظن والسماع وبعيد عن العلم والتجربة، وبالتالي عن الحقيقة لأنه فكر لا منهج له.

4- ضرورة تحقيق الوحدة الفكرية عن طريق توحيد المنهج في الاستدلال، فذلك هو السبيل لمنع الخلاف بين رجال التفسير وأصحاب المذاهب مثلما كان يحدث بين الفقهاء والمحدثين من جانب وعلماء الكلام من جانب آخر.

5- ضرورة تدعيم الاتجاه نحو الإنسان والعلم، وبدلاً من الاتجاهات التقليدية المصطبغة بالصبغة المذهبية أو البلاغية والنحوية، فذلك هو السبيل لمعالجة نواحي النقص والضعف في الاتجاه العام للتفسير، وتحويل الأنظار نحو الإنسان والعلم بدلاً من نواحي النسخ والإعجاز والقراءات وما نتج عنها من خلافات مذهبية.

6- ضرورة أن يكون الهدف العام من التفسير هو تذكير الإنسان، ففي التذكير علم بمبادئ الدين الصحيح وبكيفية بناء الإنسان وحل قضاياه الفكرية والعلمية، وبيان طريق سعادته في الدنيا والآخرة. وعلى ذلك فلا إصلاح حقيقي للإنسان إلا بالتفسير والتذكير، ولا إصلاح شامل للجانب الديني والخلقي والاجتماعي إلا عن طريق الاهتمام بالإنسان وتعليمه وتفهيمه عن طريق التفسير.

إن رؤية ابن باديس للإصلاح تنطلق من القرآن الكريم، إذ احتوى كتاب الله عز وجل على علاج كل المشاكل التي تعترض الاجتماع البشري، ولذا فإن ابن باديس استهدف من خلال دروسه في التفسير، بعث إحياء القرآن على الطريقة الصحيحة ليحيي به الأمة الإسلامية التي تدين بهذا القران، وكذا التقريب بين المسلمين وأخلاق القرآن لتعود أمة الإسلام إلى مكانتها التي أرادها الله تعالى لها، تؤدي رسالتها إلى باقي الأمم والشعوب، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ *} [البقرة : 143].

وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ *} [آل عمران: 110].

ومن يطالع تلك المقالات النفيسة في التفسير في مجالس التذكير يدرك صدق هذا الذي نقول، ويلاحظ كيف جلّى ابن باديس الهداية القرآنية في أسمى معانيها وأوضح صورها، وكيف ارتقى ـ الإمام ابن باديس ـ بدرس التفسير وخلصه من مرحلة الركود والانحطاط التي كان عليها.


مراجــع البحث:

د. علي محمّد محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج (2)، دار ابن كثير، دمشق، بيروت ، ط 1، 2016م، ص (257 : 261).

أحمد طالب الإبراهيمي، آثار الإبراهيمي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م، (2 / 252).

الترمذي، سنن الترمذي، دار الفكر، 1398ه، كتاب تفسير القرآن، (2 / 139).

عبد الحميد بن باديس، تفسير ابن باديس (مجالس التذكير في كلام الحكيم الخبير)، دار الرشيد، الجزائر، ص 190- 191-  474- 476.

د. عبد الحميد درويش النساج، عبد الحميد بن باديس وآراؤه الفلسفية بين النظرية والتطبيق، مكتبة الثقافة الدينية ، ص 101- 102- 119.

د. محمد الدراجي، الشيخ عبد الحميد بن باديس السلفية والتجديد ، دار قرطبة، الجزائر، ط1، 1428 هـ - 2007 م، ص 36 – 37 – 40.

آخر التغريدات: