يوميات تلميذ في معهد ابن باديس أيام لابد أن تروى 2

بقلم: نورة بوحناش-

لم تكن جزائرنا لتسترد بالأماني إنها قصة شعب ثائر صنع الملاحم للعالم

3 - فلسفة الجمعية -تثوير الروح الجزائرية-: في تلك الأيام التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية، أدرك الجزائريون أنه لم تكن في نية فرنسا البتة إنصافهم، وأنهم ليسوا إلا قطيعا من البهائم، لا حق لها في الحياة سوى سد الرمق، وتناسل في فراغ، فقد حكم على الإنسان الجزائري بالموت حيا من قبل المغتصبين. بما أن الجزائر قد أدمجت في جغرافيا فرنسا، وهي امتدادها فيما وراء البحر. أما تاريخها فقد عملت الأيديولوجية الاستعمارية على مسحه، وإعادة تأسيسه بحيث يكون تابعا لتاريخ أوروبا، رومانية ومسيحية لاتينية.

إتماما لمشروع فرنسا الكولونيالي، تُقْطَعُ الصلة بين الجزائري وتاريخه العربي الإسلامي، وتُطمس المرحلة طمسا متعمدا، إلى حد اعتبار اللغة العربية لغة أجنبية. وقس على ذلك من أعمال الإرهاب الذي أدته فرنسا في الجزائر، لذلك نعترف صادقين ومخلصين، إذ لا وجود لشعب في العصور الحديثة والمعاصرة، تعرض لاضطهاد الهوية والحق في الوجود كما تعرض الشعب الجزائري، وأن التشكيك الماكر في هذه الهوية، هو المهمة الأولى للكولونيالية الفرنسية، ومن هنا سرى العفن الاستعماري في أوصال الوجود الجزائري، لتستوعب هذه المهمة العفنة ما بعد الكولونيالية، فيستمر تألم الجزائري من طغيان هذا الكيان دائما، ويتشكل دوما عبر أشكال مختلفة ومتنوعة. والحق أن البرء من هذا الداء يأتي عبر مرحلة جهادية تالية لجهاد جمعية العلماء، صدا لما يحاك للجزائر من مؤامرات تدمير الجزائري.

يتذكر سي عمرو أنه في مرحلة طفولته المتأخرة، وهو زمان بعد الحرب العالمية الثانية، كان الجميع يدركون حقيقة الاستعمار، على الرغم من انعدام الإمكان الثقافي، وعموم الأمية بل طغيان الجهل بين الكل، لكن بعد أحداث 8 ماي 1945، انتعش الوعي بين كل فئات الجزائريين على الرغم من أنهم لم يكونوا لا يقرؤون ولا يكتبون، لذلك فإن سكان القرى في منطقته، استقبلوا اقتراح جمعية العلماء المسلمين الجزائيين، القاضية بإنشاء مسجد ومدرسة، بجد وحزم وفرح وحبور. فهي عملية إجرائية تفتح الذاكرة، وتعيد وصل الجزائري، بثقافته العربية الإسلامية. وكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي السبيل إلى ذلك وقد جعل الله على يدي علمائها إحياء الدين ومعها إحياء الشعب الجزائري، عبر قسم تحقق بعد سنوات قليلة، حيث بدأ التمفصل عن فرنسا حقيقة سنة 1954 وهو مستمر إلى يوم الناس هذا.

في تلك الفترة تيقن الجزائريون أنه لا أمل في الإصلاح من قبل من جعلوهم غرباء في أرضهم، ويصفونهم بأنهم أهالٍ وهي كنية، تعني أن وجود الإنسان الجزائري وجود منقوص على أرضه بالإضافة إلى عدم الرغبة فيه كليا. كما تطلعت الكولونيالية عبر مشروعها إلى أرض بلا شعب، وفي سبيل تحقيق هذه الرغبة قامت بإبادة جماعية للجزائريين منذ 1830، عاملة على إنجاز مهمتين أساسيتين: إبادة الجسد، ثم إبادة الذاكرة.تم جلد الذاكرة الجزائرية، وبعث الخوف في النفس الجماعية، عبر إرهاب الدولة الوطنية، التي تتطلع دائما إلى قيادة الأهالي، باعتبارهم قطعانا من حيوانات، لا ترجو من الحياة إلا سد الرمق البيولوجي.

بالنسبة لفرنسا السيدة الكولونيالية الكبرى، فقد اعتبرت نفسها منتصرة، وأن الجزائري انتهى ولم تعد في ذاكرة المستعمر، وفي ذاكرة التاريخ معنى لهذه القطعة من الأرض، إلا كونها مجال استرداد قام به أحفاد فرسان المعبد. ولأن الجزائريين قد دخلوا في نفق أسود، يقود الكل إلى نسيان من هم، فلم تعد لهم هوية إلا كونها هوية مشروخة. فما يتردد بين الكل عبر صدى الزمان والمكان أنهم فرنسيون مسلمون، وبالفعل قامت فرنسا بتدابير حثيثة بغية استبدال الشخصية الجزائرية، وجعلها رويدا رويدا، تحت إرهاب عارم بغية إنكار ذاتها التاريخية.

لكن مكر الله يفوق حدود التصور البشري، إذ الروح تزرع مجددا في عروق التاريخ، لتُسْتَرد الذاكرة وتحيى الذات من بين الخراب الذي أحدثته فرنسا، ها هو الشيخ بلقاسم مزهود يحل في القرية بتكليف من جمعية المسلمين الجزائريين. ولا يمكن تصور وضع المنطقة في تلك الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فقر لا يوصف وجهل تغلغل في القلوب والعقول. يُرَددُ القرآن عند القليل ويتلى في الصلوات محرفا نطقا ولغة، ويكرر على الموتى ولكن دون فقه لمضامينه ومقاصده سواء بالنسبة للسامع أو القارئ، فقد يحدث عندما يذهب الرجل إلى زيارة القبور أن يؤدي فروض الطاعة والصلاة، وهو يتعبد للقبر واستجدى صاحبه استجداء الإله في الوقت نفسه. عندما حل الشيخ بلقاسم ضرب النور بين جنبات الظلمة المطبقة، وأخذ يضيء المكان.

وهكذا سارت الأيام على وتيرة الزوال، إلى أن قررت الجمعية بناء المسجد، المدرسة وإرسال المعلم إلى ربوع أظلمت وأطبق عليها سواد حالك، ليفك القيد ويبدأ بتعليم الناس أبجديات دينهم ولغتهم.وعند الحديث عن هذا الزوج المفصلي، فهذا يعني أن الجزائري بدأ يعثر على سبيل هويته.

أ- أيام المدرسة -التعليم والتهذيب-: يقول سي عمرو الطفل أن أصحاب الأرض، قد استقبلوا قرار الجمعية بعزم وحزم، وبالتالي توجهوا إلى جمع التبرعات أكانت تلك التبرعات أموالا، أو منتجات زراعية من قمح وغيره وكذا من الحيوانات، التي كانوا يربونها بكد وتعب ولكنهم منحوها للجمعية بامتنان شديد، تحقيقا لغاية نبيلة. فقد تذكروا من هم وأقبلوا يحققون سياق الميلاد الجديد، لذلك كان هذا العطاء بالنسبة لهم، جزءا من الإحسان الذي تربوا عليه وتجذر في سلوكاتهم على الرغم من التصور المادي المقيت الذي تزرعه الثقافة الفرنسية بين الجزائريين.

تكونت الجمعية الدينية في القرية، لرعاية مشروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقامت بجمع الإعانات وتنظيمها، ورعوا المشروع بحب وكد، بعد إنهاء مهام بناء المدرسة، المسجد والبيت الذي سيسكن فيه الشيخ بلقاسم مزهود، تم تسجيل الأطفال، وانطلقت الدراسة بعد ذلك، وكان ذلك في سنة الدراسية47/48.

استمر الأطفال في التردد على الكتاب، وشق القرآن وتعلم اللغة العربية.فكان سي عمرو الطفل يذهب معهم إلى ذلك الكوخ المسقف بالديس، ويجلس على الحصيرة معهم كما يجلسون يدرسون ويلعبون عند خروجهم من المكان، لكن حدث هذه السنة أن الجميع يتحدث عن مدرسة الجمعية، وأن من يريد زيادة في العلم فليسجل لإكمال دراسته، وهو بذلك سيزداد علما وتبحرا، وربما يأتي يوم يذهب فيه إلى قسنطينة للدراسة في معهد ابن باديس، ولما لا إلى الزيتونة، ويكون عالما مبجلا وجليلا.

تشاور الوالد محمد مع أفراد العائلة، مسائلا عن إمكانية أن يكون أصغر أولاده الذكور، تلميذا في مدرسة الجمعية، فوافق الجميع، وقرروا أن يرسلوه إلى التعلم عند الشيخ بلقاسم، بهذا القرار المفصلي يسجل سي عمرو الطفل في المدرسة، ويبدأ حياة علمية جديدة ستقوده بعد ذلك إلى معهد ابن باديس في قسنطينة، ثم مجاهدا في صفوف الثورة الجزائري إلى سنة 1962 ثم معلما مخلصا للجزائر بعد ذلك.

كان اليوم خريفيا، بدأت السحب تتسرب إلى أديم السماء، لكن حرارة الجو لا تزال لم تبرح المكان والزمان، استيقظ سي عمرو الطفل باكرا، على رائحة منبعثة من ذلك المطبخ الجبلي العتيق، تتلامس أنفه، هي رائحة الحطب المشتعل ممزوجا برائحة كسرة الشعير، ولكن صوت آخر ينبعث مبين الظلام المطبق على الغرفة الوحيدة في الدار، إنه صوت الحليب في الجرة، فأخته تحركها حركات متناغمة، رائحة وصوت يمتزجان ويتكرران مع مرور الأيام، عمل يؤدي كل يوم لينطوي في رتابة الأيام المتتالية.ولكنه يؤلف عملا حيويا، إنه العيش الذي يحيا به الجميع في المنطقة. ففي الصباح يمنح الجميع قطعة كسرة يأكلونها ويصبرون بعد ذلك، وفي الغذاء يمنح هؤلاء قطعة أخرى مع طاس من اللبن، وفي الليل يأكل الجميع كسكسي بحبات من الفول. لكن في بعض الأحيان قد يتغير الحال، يذهب أحد الرجال إلى السوق الأسبوعية، ليجلب "النفقة" وهي عادة جزائرية حيث يتم شراء اللحم للعشاء، وعليه فالكل سيجتمع في تلك الليلة المباركة على" التاجرة " ليأكل قطعة لحم كبيرة، ولكن هذا العيش اللذيذ في مثل هذا اليوم يعد يوما من بين الأيام التي تأتي بعد الحرمان والشظف، أما باقي الأيام فهناك إعادة لوجبة واحدة دون أن تتغير.

على وقع حركات الجرة، لبس الطفل قندورته وقاعته في رجله وحمل زوادته، بمحتوياتها القديمة كما عهدها منذ سنوات تردده على الكتاب ولكن بعد أيام ستضاف إليها، أشياء جديدة إنها الكراريس والريشة ثم الدواة. اتجه كعادته إلى الكتاب عبر الممرات الوعرة، مرصوفة بالأحجار الناتئة، يسرع الخطى حثيثا،إلا أنه في هذه المرة لن يعود إلى البيت مبكرا، فبعد الكتاب هناك الشيخ بلقاسم، ثم سيعود مرة أخرى إلى الكتاب.مشى مع الأقران فكان الحديث كله عن هذا الوافد الجديد إلى المشتى، وكيف سيعاملهم هل ستكون معاملته مثل شيخ الكتاب أم لا؟ قال أحدهم وهو يأمل في غد أفضل، لعل أول درس سيكون صفحة جديدة، تفتح في حياتنا، كان هو أمل هؤلاء الانديجان الصغار، وهم يحثون الخطى باكرا نحو الكتاب، ليزدادوا علما.غير أن هذا الطفل الذي يأمل في غد أفضل، أحرقته فرنسا حيا في زير كبير وهو لم يتجاوز 25 سنة، فرنسا الحضارة والتميز التي أهلكت الحرث والنسل، إنه الشهيد سي الطيب ابن عم سي عمرو ورفيقه في الجهاد في سبيل الجزائر، تبقى الحادثة محفورة في ذاكرة سي عمرو ذكرها وبكى.رحم الله شهداء الجزائر الذين هم عند ربهم، أحياء يرزقون.

كان البرنامج مكثفا طوال اليوم ففي الصباح، وبعد شروق الشمس مباشرة يقول سي عمرو الطفل، نتجه إلى الكتاب لنكمل حفظ القرآن، وتدوم المدة ساعتين، كنا نشق فيها سور القرآن، لكن دون إدراك للمعنى فالشيخ يقوم بتكرار الآيات والسور، فلا تفسير، ولا فهم لمعاني القرآن، خرجنا بعد ساعة ونصف واتجهنا إلى المدرسة، مسرعي الخطى.

اليوم هو اليوم الأول في مدرسة الجمعية، فكيف ستكون يا ترى؟ بعد مغادرة الكتاب سار الجميع بخطى متسارعة وخفيفة، الكل يتساءل عن هذه المدرسة وعن درسها، وعن مدرسها، ما هو البرنامج التعليمي الذي يقدمه الشيخ؟ طوى الكل المسافة الطويلة الفاصلة بين الكتاب والمدرسة، في حديث مطول عن الأيام القادمة، وكيف يوفقون بين الكتاب وبرنامج الدراسة الجديدة. يقول سي عمرو وهو يتذكر تلك الأيام التي خلت وطواها الزمان، وخزنتها الذاكرة،"إن المشهد العام للكل هو البؤس والشقاء، وعلى الرغم من ذلك كنا نحب العلم ونقدره ونسرع إليه ولا ننتظر منه سوى الجزاء الإلهي"

هاهي المدرسة تتراءى بعيدا، إنها تلتصق بالمسجد الصغير. غير أنها ترى مختلفة عن المنظر العمراني العام للمشتى، فالبيوت الحجرية الصغيرة متناثرة تعمر المكان، أكواخ من الحجارة والطين مغطاة بالديس، أما البيت الميسور فإن سقفه سيكون من القرميد، لكن الكل يحي حياة فقيرة. وعلى الرغم من ذلك يقول سي عمرو "كنا نحب بعضنا البعض، الحنان هو سيد العلاقات بيننا، لا فرق بين الناس فالكل إخوة" وهو لا يزال إلى اليوم ومع مرور الأيام يتحسر على تلك الأيام السعيدة بأخلاقها.كانت المدرسة مختلفة فهي من الحجارة والاسمنت، والقرميد وباب من الخشب، لذلك بدت بين جموع البيوت عمرانا آخر، مجددا للزمان الجزائري، واستشرافا لمستقبل يسترجع فيه هؤلاء الهوية.

وصل الجميع إلى المدرسة قبل منتصف النهار، كان الشيخ واقفا أمام القسم الوحيد في المدرسة، استقبل الجميع بابتسامة، يتذكر سي عمرو ذلك اليوم المفصلي ليقول "دخلنا الواحد تلو الآخر، وقد أخذنا الحياء والصمت فكان سيد المكان"، أثاث المدرسة كان كأثاث الكتاب حصيرة فوق الأرض جلسنا جميعا، وبدأ الشيخ يُعْلِّمُنَا ماذا سنعمله طوال الفترة الدراسية، فمواد الدرس تنمي إلى ثقافة يرفضها المستعمر، ويرجو إنهاءها واختفائها تماما من ربوع الجزائر. ليشير إلى ضرورة المرافقة الأبدية بين التعليم والتهذيب، وأصر على العلم المرجح للعمل، وأن بناء السلوك هو المهم بالنسبة للمتعلم.

ب- حياة التلميذ في مدرسة الجمعية: لم يكن هؤلاء التلاميذ الذين كان تعدادهم عشرين تلميذا، ليتصوروا الحياة الرغيدة، فلم تكن تتراءى لهم حتى في الأحلام، عند مغادرة الكتاب، يأكلون قطعة كسرة بقليل من الماء، وفي كثير من الأحيان هو ماء السواقي، يسيرون في دروب وعرة شائكة، وَحِلَةٌ بعض التلاميذ كان حافي القدمين، أما أيام الشتاء فكانت مضنية وقاسية، برد وثلوج، وأحجار ناتئة في الصيف تخدش الأرجل وتترك آثارا لم تكن لتنسى، وفي كثير من الأحيان كانت هذه الأرجل حافية في هذا البرد والثلج، ولكن يتحمل الجميع في سبيل نيل العلم.

يذكر سي عمرو أن المعاناة كانت لا توصف، وأن بؤس الجزائريين في تلك الفترة، حفزهم لمعرفة حقيقة الذات.يقول "كنت في أحد المرات، أقطع المسافة بين الكتاب والمدرسة حافيا، فارتطمت قدمي في حجر، فكان ألمها حادث مزروع في الذاكرة، وعلى الرغم من ذلك أكملت الطريق إلى المدرسة" لم يكن حب المال ولا انتظار الوظيفة هو محرك الحياة الدراسية، إنه حب العلم الذي شهد به الله في محكم تنزيله، وأنزلت أول سورة بأمر السير في دروبه، وهو ما كان يردده الشيخ بلقاسم طول السنة التي درسنا فيها.

ج- برنامج الدراسة في مدرسة الجمعية: كانت المدرسة قسما واحدا في البدء كان أثاثه حصائر، نجلس عليها أرضا، ثم جهز هذا القسم بطاولات وكراسي من تبرعات الأهالي في السنة الثانية من فتح المدرسة.وعلى الرغم من الصورة البدائية لهذا القسم في السنة الأولى والذي يعود تاريخ مشهده البانورامي إلى قرون خلت، فقد كنا نشعر بالحرية والقرابة بين بعضنا البعض، فكنا إخوانا لا تفصل بيننا حواجز الدرس المفتعل، نتقاسم الهموم وقطع الكسرة التي كنا نجلبها معنا. ندخل إلى المدرسة على الساعة التاسعة والنصف ونخرج على الساعة الثانية عشر.لنعود مرة أخرى إلى الكتاب مساء، ثم نعود في نهاية اليوم في تعب وإرهاق من الدرس والتعب في الذهاب والإياب.

وكان الشيخ ببساطة ملبسه وشخصه الصارم المسؤول، يجلس على الحصير، يدرسنا مبادئ وأبجديات الشخصية، لم يكن يتحدث في التاريخ ولكنه كان يدرسنا رموز التاريخ، فعندما ندرس العربية بعلومها المتميزة، فقد فتحنا طريق نحو فهم الذات، فاللغة هي التي تختزن وجود الذات. وعندما ندرس الفقه فقد بدأنا نعلم أن التشريع الذي يخصنا ليس التشريع الوضعي، الذي جلبته الدولة الوطنية الفرنسية، إنما هو تشريعنا مرتبطا بقول الشهادة، وهي اعتراف بدرس الصراط المستقيم.

كان برنامج الدرس مكونا من رموز الهوية، فالشيخ بلقاسم يدرسنا العربية النحو الصرف والإنشاء بلغة عربية فصيحة. ويعطينا دروسا في الفقه، ويكد لكي نتعلم الإملاء ونحفظ المحفوظات التي تبني الشخصية الأخلاقية، كما يدرسنا الحساب، لكن التاريخ والجغرافيا يغيبان.هو برنامج الدراسة، الذي كنا نأخذه يوميا في تلك السنة الأولى من المدرسة.كان الشيخ يرعانا بالنصيحة ولم يكن همه جمع المال ولا الترقي في المناصب بل كان يعمل على زرع بذور الحرية، وقولنا بذور الحرية يعني هذا أنه كان يعلمنا من نحن دون أن يفتح يوما واحدا حديثا مباشرا عن الجزائر الفرنسية، ولكن بين حنايا العلم الذي كنا نأخذه عرفنا أننا نختلف عن الفرنسيين، واهتزاز الشخصية يناقض كل الدعوة الفرنسية في الجزائر.أما مقصد الشيخ فقد توجه شطر الروح الإيمانية المزروعة بين جنبات صدره، إنه يجاهد ويحتسب ذلك لوجه الله.طبعا اليوم في هذا الزمان لا يعرف أحدنا مذاق هذه اللذة، التي حبى بها الله عباده المخلصين، وهم عباد الرحمن.

د- الشيخ بقاسم والحاكم الفرنسي بفرجيوة –شعور فرنسا بالخطر من مهام المسجد والمدرسة-: كثف الشيخ بلقاسم نشاطه العلمي بين المدرسة والمسجد، كان يعلم الناس أصول دينهم، ويحذرهم من الشرك الذي وقعوا فيه. فهو يرى أنهم يُجِلونَ الزوايا والقَرابة الموجودة في الأنحاء، فدفعهم الشيخ دفعا لطيفا إلى الثني عن مثل هذه الأفعال. يذكر سي عمرو الطفل أن الشيخ لاحظ أن سكان القرى، يقدمون الولاء لهذه الأماكن التي يظنون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فأثناهم عن ذلك، فأقفرت تلك المناطق التي توسلوا فيها إلى إله آخر غير إله التوحيد.وإذن أقفلوا عن الذهاب إلى "مزاير" في منطقة عين جمعة حيث يوجد جامع سيدي الزواوي وجامع الجماعة، يقول سي عمرو أن الناس كانوا يتبركون بهذين الجامعين ويؤدون فروض الزردة ولاء وطاعة كل سنة وبالضبط في شهر ماي قبل جني المحاصيل، كان دور الشيخ حاسما في القضاء على هذه المظاهر الشركية، إلى حد القضاء عليها تماما، فبارك الله المكان بالعودة التوحيد.وعند ذلك حنق عليه الشيوخ الراعين، للجهل والشرك، وأخذوا يخططون له، ويحيكون الدسائس حتى يقضى عليه، ومن خلفه الاستعمار بمشروعه الممتد إلى مشروع فرسان المعبد.

لم تكن عين فرنسا ساهية عن أعمال الشيخ، الذي بدأ ينشر الوعي بالحقيقة، لذلك أنهى الحاكم الفرنسي مهامه بعد زيارته له، وقام بينهما شجار، أُخْرِجَ على إثره الشيخ من المنطقة، فقد كان يفرح فرنسا التخدير الذي يؤديه الدين المتجه إلى الزوايا، ويزعجها الإسلام الصافي الباعث على النهضة المحررة للإنسان، بقول الشهادة.

بقي الشيخ سنة واحدة ولكنها كانت سنة فاصلة، تعليما ووعيا للأهالي، تعلمنا على يديه أصول شخصيتنا وعرفنا حد التمفصل بين أن تكون فرنسي وأن تكون جزائري. لكن بعدما غادر الشيخ المنطقة، ترك فراغا كبيرا بين الساكنة ولكن الجمعية التي أقسمت أن تعيد الحق للجزائريين، عوضته بالشيخ عبد الباقي ابن الشيخ الحسين شقيق الشيخ العباس بن الشيخ الحسين المعلم في معهد ابن باديس.

4- الانتقال إلى معهد ابن باديس-السفر إلى قسنطينة-: انقضت سنوات مدرسة الجمعية، وانتهى المسار العلمي والتربوي، الذي خططته الجمعية في سبيل تثبيت قدرة تذكر الذات. في هذه الأثناء كان صيت معهد ابن باديس يتردد في ربوع الجزائر، خاصة في الشرق، وأصبح معهد ابن باديس أمنية كل متخرج من مدرسة الجمعية، ثم أن هناك من سبق إلى الدراسة فيه من أبناء القرية وعاد شخصا ثابتا مثقفا، كانوا أربعة من المتخرجين، ثلاثة منهم بقوا أحياء والرابع استشهد في الثورة المباركة، ولا يزال سي عمرو يذكرهم بالأسماء.

فكر والد سي عمرو سي محمد في إرسال ابنه إلى قسنطينة، للدراسة في معهد ابن باديس.استشار العائلة خاصة ابنيه الكبيرين.فالأمر يختلف اليوم، سي عمرو الطفل سيسكن في قسنطينة، ما يفرض على العائلة مصاريف أخرى فائضة وهي ما هي عليه من ضيق الحال، وهو حال كحال كل جزائري. بما أن الفقر هو سيد الموقف، فهل ستتمكن العائلة من توفير مطالب التلميذ في قسنطينة سكنا وأكلا؟ خاصة أنه لن يعود إلى البيت إلا ثلاث مرات في السنة، وافق الجميع وتعهد الإخوة بالعمل لتوفير مصاريف التلميذ.إذن السفر إلى قسنطينة أصبح قريبا.

جاء يوم السفر استيقظ سي عمرو باكرا في يوم من أيام أكتوبر سنة 1951 ،فوجد أن الكل قد استيقظ في الموعد اليومي، ليبدؤوا أعمالهم، رائحة الحطب تنبعث مرة أخرى، ممزوجة برائحة كسرة الشعير، جاءت الأم الحنون وعينيها دامعتين لفراق فلذة كبدها، إنه يوم السفر إلى البلاد، وهو الاسم الذي يتردد على لسان الجميع إذا ذكرت قسنطينة.

أخذ الأخوان الأكبر والأصغر قطعا من الكسرة لتناولها في سفرهما، وخرجا يحملان الأشياء الخاصة بالتلميذ المسافر، ركب هذا التلميذ باكيا من فراق العائلة، على بغل أبيض تمتلكه العائلة، بينما كان الأخ الأكبر يسير على قدميه ولمسافة طويلة. في الطريق توقفا ليلتقيا بأبناء عمومته الاثنين اللذين سيرافقونه إلى مدينة ابن باديس، سافروا جميعهم إلى مدينة ميلة، وركبوا في الحافلة المتجهة إلى قسنطينة لتنطلق بعد ذلك متأنية في طريق إلى حياة أخرى، غامضة فهي مدينة يسكنها العرب، اليهود والفرنسيون الأوروبيون الذين وجدوا في الجنة الضائعة ملاذا طيبا، فانتزعت الأرض من أصحابها وحل هؤلاء الوافدون فيها غصبا.

في طريق السفر كان التلاميذ يترددون بين الفرح والخوف، فالحياة الجديدة في قسنطينة ستكون مختلفة تماما، فكيف يكون العيش والمعيش اليومي؟ وكيف تكون الدراسة في معهد ابن باديس؟ وصل الجميع إلى الروت بيان في Route bien fait سكت هدير الحافلة ونزلوا .

كان التلاميذ القرويين يلبسون لباس أهل الأرياف الفقيرة آنذاك، سروال وقميص طويل أسود"cache poussière "، كل واحد يحمل الأشياء التي ينام عليها حصير وحنبل "غطاء يحاك بالصوف"، أشياء بسيطة سيتم الحديث عنها في حلقات قادمة. ذهب الجميع إلى الغرفة التي تم كراؤها لعيش التلاميذ الجدد فيها، كانت في منطقة رحبة الصوف، وهو مكان قديم في حارات قسنطينة، يسكن فيه العرب، الغرفة مناسبة للمعيش لفترة ما في قسنطينة.

بعد وضع الأشياء في الغرفة توجه الجميع إلى معهد ابن باديس، وصلوا إلى بابه ودخلوا للتسجيل، تم لهم ذلك وتم التسجيل، لكن بعدما اجتازوا اختبار في اللغة العربية والنحو من طرف الشيخ نعيم النعيمي، في هذه الفترة كان الشيخ العربي التبسي مديرا للمعهد والأديب رضا حوحو كاتبه، نجح الجميع في الاختبار فقرر الشيخ تسجيل الجميع.

خرج الكل من المعهد وساروا في دروب قسنطينة متجهين إلى الغرفة، ودع المرافقون للتلاميذ وذهبا دربهما للعودة إلى البيت سفرا من قسنطينة إلى ميلة، ثم إلى قريتهم المختفية بين جبال الأطلس على حافة الوادي.

 

يتبع-

آخر التغريدات: