ثــــلاث ســـاعــــات..

ثــــلاث ســـاعــــات..

بقلم: د. عبد العزيز بن سايب-

في سنة 2006 تَشَرَّفْتُ بلقاء أحد تلامذة الشيخ الرئيس عبد الحميد ابن باديس، ولعله من أواخر تلامذته وفاةً . إنَّه الشيخُ العالمُ المجاهدُ عَمَّارُ مطَاطْلَة، رحمه الله تعالى .
والشيخ أصله من عَيْن قَشْرَة، بمدينة القُلّ، ولاية سكيكدة .

تَرَبَّى على العلمِ والجِدِّ منذ صغره تحت عناية والده الشيخ محمد، الذي كان إماما وفقيها وقاضيا ومُصلحا في منطقته .

فأدخله كتّاب القرية، حيث تلقن مبادئ القراءة والكتابة وحفظ أجزاء من القرآن الكريم على يد شيخه الأول "محمد بن علاوة"، وأتقن حفظ القرآن العظيم وهو في الحادية عشرة .
ومن اهتمام والده بتكوين ولده استقدامُهُ له الشيخَ الفقيهَ مسعود بن العيساني من منطقة الميلية، لتعليمه المبادئ النحوية والفقهية والعقائدية . ثم بعده الشيخ أحمد بن العابد، رحمهم الله تعالى .

ثم أرسله ـ وكان مع نَفَرٍ من الشباب ـ إلى مدينة القل للدراسة على يد الشيخ عبد العزيز بن الحاج الصادق، أحد تلاميذ الشيخ ابن باديس .

وتَعَرَّفَ والدُه على الشيخ ابن باديس، سنة 1925، وعُمُرُ الشيخ عمَّار وقتها 10 أعوام، ويروي قصةَ لقائِهما الشيخُ عمار قائلا: ..زار الشيخُ ابن باديس مدينة "تمالوس"، لزيارة صديق له من حفاظ القرآن الكريم، فجلسا إلى شجرةٍ يتسامران، وبالصدفة مررتُ أنا ووالدِي قُرْبَهما، فلما رآه أبي قال: إنَّ هذا الرجلَ ليس من منطقتنا، ويبدو من هيئته أنه عالم، واتجه والدي صوبَهُ ليكرمه، ولما اقترب منه ألقى عليه السلام، فرد عليه الشيخ ابن باديس: وعليكم السلام، أنا عبد الحميد بن باديس، ففرح والدي فرحا كبيرا، وجلس إليه، ولم يمر ذلك النهار حتى حمل والدي عقيدة الإصلاح، واشترك سنة 1925 في أول جريدة لجمعية العلماء "المنتقد"، ثم جريدة الشهاب قبل أن تتحول إلى مجلة .
فلما اشتد عود الشيخ عمار أرسله والدُه إلى قسنطينة سنة 1934، فأَلْحَقَهُ بالجامع الأخضر، بقسنطينة، ليتتلمذ على يد صاحبه الشيخ ابن باديس .

وهناك لازم شيخه الجليل ابن باديس مدة 5 سنوات . وكان مُعجبا به إعجابا فخما، وانظر إلى عبارته الجزلة وهو يصفه كما هو في عيونه: "أَحْسَسْتُ وكأنني أمامَ مَلَكٍ، لا أمام بَشَرٍ، واشتدَّ حُبِّي لهذا الرجل، واشتدتْ رغبتي في سماع دروسه، فلم أَعُدْ أَستسيغُ سماعَ غيرِهِ، مما جعلني أَعْزفُ عن دروس بعض مساعديه" .

ومن ثمة لا تستغرب قوله: ..ابن باديس .. نَسيتُ أبي من أجله، رغم معزة والدي، فابن باديس في قلبي هو أبي الروحي.

نعم .. فالرجل عرف قدر شيخه وثقل وزنه وعظيم منزلته وجليل أعماله وعزيز أعبائه، لذلك قال فيه: الشيخُ ابنُ باديس أَيْقَظَ أُمَّةً، وأَنْشَأَ جِيْلًا .

فلا غَرْوَ تحبيذَه أن يُعرف بالشيخ الباديسي .. وتسميةُ أولَ أولاده بـ"عبد الحميد" .
وبعد تخرُّجِهِ اشتغل معلِّمًا في العديد من مدن قُطرنا في مدارس الجمعية، وكانت آخر محطاته في الغرب الجزائري، بمدينة سَبْدُو، من ضواحي تلمسان . حيث كان إماما، ومعلما، وأشرف على تعمير مسجد ومدرسة، وبقي هناك قرابة خمس سنوات .

ولما انتبه الاستعمارُ لنشاطاته قام بإغلاق مدرستِه سنة 1956، ووَضَعَهُ تحت الإقامة الجبرية، فتسلل الشيخ عمار بواسطة جيش التحرير الوطني الجزائري نحو المغرب الأقصى الشقيق، حيث استمر في الجهاد تعليما وتوجيها وتحفيزا .. حتى استقلال البلاد ..
وفي فترة الجهاد الجزائري ـ حيث كان الشيخ عمار في الغربة ـ بطش الاستعمار بوالده الشيخ محمد، فعذبوه حتى الموت، وتخلصوا منه بطريقة وحشية، سنة 1959، ونال ألوانَ التعذيب العديدُ من أفراد عائلته، وقام المستدمر بمجرزة جماعية بمنطقة تافغة مسقط رأسه، وحَوَّلُوها إلى مزبلة للفرنسيين، وأصبحت فرنسا تطلق عليها اسم "ZOUBIA".
وعند نعمة الاستقلال عاد للبلاد مباشرة، واستمر في التعليم والإمامة إلى إن أقعده الكِبَرُ وعِلَلُ السِّنِّ .. في محل إقامته، بالعاصمة، في منطقة الأبيار، الذي توفاه الله الرحمن فيه .

هذه أَسْطُرٌ مُعْتَصَرَةٌ من مُخْتَصَرِ حياتِهِ العامرة ونشاطاته الحافلة .. فالمعذرة ..
ولأَعُدْ إلى شرف الاجتماع به.. في مناسبة تكريمه بمدينة قسنطينة في منتصف شهر ديسمبر سنة 2006، من طرف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، شعبة قسنطينة، فعاد إلى مدينتِهِ مرة أخرى .. قسنطينة التي تلقى تعليمه في رحابها، عند شيخه الكبير.. هذه المدينة العزيزة على قلبه، فلبى الدعوة رغم أنه منذ سنوات أضحى ملازما للفراش في الدار، وقال: .. ولو أنا بلادا آخر دعاني لقدومه ما حضرتُ، ولكن قسنطينة لو دعتني وأنا لا أقوم على رجلي لَجِئْتُ إليها أسحب على بطني ..

ومن مكارمه على هذه المدينة إهداؤه في آخر عمره مكتبته الغنية لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة .

ولَمَّا أُخِذَ الشيخُ عمار مطاطلة إلى المسجد الأخضر، أين كان يتعلم على يدي شيخه المبجل ابن باديس أخذته عاطفةٌ جياشةٌ، لِمَا طاف بمخيلته من تلك الأيام الخوالي، تلك الأيام التي هي أعز الذكريات في حياة الإنسان، أيام الدراسة .. لا سيما دراسة كتلك الدراسة، في تلك الظروف، مع تلك الثلة من الطلاب المحتسبين، وأولئك الشيوخ المتميزين، في سنوات التحدي والصراع مع الاستدمار المكَّار..كل هذه الصفحات مرت بين عيني الشيخ مطاطلة..فتخيلوا كيف تكون حاله، وكيف صارت دقات قلبه.. وكيف هي أعصابه..

كأني أشعر بتلاطمٍ قويٍّ في صدره بين أمواج متناقضة، أمواج فَرِحَةٍ وأخرى حَزينةٍ ..
وكَمْ أَشْفَقْتُ عليه لما أُجْلِسَ في مكان شيخه ابن باديس في صدر المسجد، وطَلَبَ منه القائمون على النشاط إلقاءَ كلمةٍ في تلك البقعة .. سامحنا الله .. أَوْقَدْنَا بين ضلوعِ الشيخِ مِجْمَرًا مُلْتَهِبًا..

كم كان الموقف مهيبا، والحالة مُحرجة.. أن يقف مكان شيخه .. ذلك العملاق..
فلم يستطع أن ينطلق في الكلام.. بل بمجرد شروعِهِ خَنَقَتْهُ العَبْرَةُ، واستغرق وقتا وهو يحاول كظم بكائه الحارٍّ، وصدره يرتفع وينخفض .. كأنه حَشْيانُ رابية ..

ورغم تَصَبُّرِهِ كُنْتَ تَرَى الألمَ يَعْتَصِرُ فؤادَه، والدموع تحرق مُقْلَتَيْهِ.. وزفرات ساخنة ينفثها من حلقه .. وهو الرجل الجَلْدُ .

لا أُخفي عليكم أنَّ تلك الدموع الفائرة أَسَالَتْ دموعَنا، وتلك الحَجْشَرَةُ أَهَاجَتْ بلابلَ صدورنا، فشاركناه في لَوعته..ولكن شتان بين المقلِّد وبين الأصيل..
ومما عَلِقَ بذهني من كلمته التي ألقاها بعد تماسكه..أنه عاد بنا مع ذكرياته أيام الدراسة عند الشيخ ابن باديس..

قال: كنا ندرس عند الشيخ ابن باديس موطأ الإمام مالك، يشرحه لنا بعد صلاة الصبح..في هذا المسجد ..المسجد الأخضر ..

وفي أُصْبُوحَةٍ كان في الدرس، وقد تملكنه النُّعاسُ..لأنَّ ساعات هُجُوعِه تلك الليلة كانت نَزْرَةً قليلةً .. فمنهج الدراسة كان متينا.. يتطلب جهدا وسهرا ..

فاغْتَمَضَتْ عيناه كثيرا أثناءَ الدرس..وأحيانا يَخْفِقُ رأسه على صدرِه من شدَّةِ وَطْأَةِ سلطان النَّومِ التي كان يأخذه بين الفينة والفينة .. حتى سقط الكتاب من يديه..

وانتبهَ للشيخ ابن باديس وقد لَمَحَ حالته، وهو اللَّمَّاحُ النبيه.. فرمقه برِفْقٍ، ولم يزجره أو يُوَجِّهْ إليه مَلامةً..

ولكن بعد فراغ الدرس طلبه الشيخ إلى حجرته في المسجد..

قال: دخلتُ على الشيخ ابن باديس والخجلُ يَقتلني..لتصرفي الكسول إزاء الشيخ إبَّان الدرس..
فسألني:.. خيرا يا ابني..، كنتَ متعبا في الدرس..؟!

فأجبتُ الشيخَ: سامحني ..يا سيدي .. لم أنم ساعات كافية هذه الليلة.. إن شاء الله لن يتكرر هذا مني مرة أخرى ..

فسألني:..لماذا ..؟ كم ساعةً نِمتَ؟

فأجبتُهُ: أربع ساعات أو خمسا .. فقط..

فابتسم الشيخ وقال لي: يا ابني .. ما ظَنُّكَ في رجلٍ لا ينام إلا ثلاث ساعات .. منذ عشرين سنة ..

فازداد الشيخُ مطاطلة خَجَلًا على خَجَلِه..فقد فهم أنَّ شيخَه يُلْمِحُ إلى نفسه ولا يُصَرِّحْ.. وهو في ذلك العمر والأعمال تأكل كل دقائق راحته ..

لكن المؤكد أن كلمات الشيخ ابن باديس لم تزد تلميذه إلا مضاء وحماسا، ومزيدَ إعجاب..كانت كالريح التي حملته إلى الأعالي، فهبتْ في كيانه إرادةٌ قويةٌ وعزيمةٌ جليلةٌ من الجد في طلب العلم..والازدياد من الجَلَدِ على تحصيله ..

نعم .. هذه إضاءة عن طرفٍ من حياة ذلك الإمام الرئيس ابن باديس..

والشيخ ابن باديس كان من قومٍ .. أفعالهم أسبق من كلامهم بمراحل..وما عباراتُهم أمام أعمالهم إلا بمثابة ما يظهر من ذُؤَابَةِ الجبل الصغيرةِ التي يختفي تحتها جذرُهُ الضخمُ العميقُ..

حادثة نتفهم من خلالها بعض أسباب تفوُّقِ ابن باديس، والأعمال الجليلة التي تحققت على يديه..والأعباء الكبيرة التي كان يحملها مما تنوء به ظهور العصبة من الدعاة والعلماء ..
وهكذا من أراد معالي الأمور وطمح للقمم السامقة لا بد من بذل جهد كبير والتحلي بعزيمة قوية والتخلي عن الدعة والخمول والكسل .. فمن تَهَمَّمَ بشؤون أمته الكبرى لا بد أن تكون تضحياته صِنْوَها كبيرة ..

وهذه حقيقة من تركوا بصماتهم في هذه الحياة..

وصدق الشاعر:

إذا كانت النُّفوسُ كِبَارا *** تَعِبَتْ في مُرَادِهَا الأجسامُ

رحم الله الشيخ عمار مطاطلة الذي توفي في مثل هذا التاريخ 23 مارس 2015 . ورضي الله عن تلك الروح الطيبة التي غَرَسْتْ تلك العزائم والمكارم وتحمل المغارم، رضي الله عنك يا عبد الحميد ابن باديس، ما زلت منارةً لأبنائك في هذه الأمة..وإنَّ منزلتَك لتزداد عزةً بعد رحيلك، وفضائلُك ما زالت تتكاثر بعد موتك .. وهكذا الصادقون المخلصون..كما قال أحدُهم:

مَوْتُ التَّقَيِّ حياةٌ لا انقطاعَ لها *** قد ماتَ قومٌ وهم في النَّاسِ أَحياءُ

تنبيه: ما سُطِّرَ عن حادثة نوم الشيخ مطاطلة في مجلس شيخه ابن باديس هو من ذاكرة كاتب هذه السطور، وهناك رواية أخرى لم أسمعها من الشيخ مطاطلة، لكن يؤكدها بعض قَرابة الشيخ، ولعلها مثبتة في مذكراته، والخلاف في بعض التفاصيل، بيد أن الْمَفَادَ واحدٌ، وصيغتها: .. ويتذكّر الشّيخ عمّار مطاطلة في أحد الدّروس: كنتُ جالسا بجانب الشّيخ الورتلاني، فغلبني النّعاس ونمت، وتفاجأت بالشّيخ ابن باديس ينهرني قائلا: قم أيّها الفتى، لستَ وحدك بحاجة إلى النّوم. ووجّه إليّ سؤالا: كم تظنّني نمت؟ فقلت: لا أعلم، فقال: لقد أطفأتُ المصباح في السّاعة الثّانية صباحا، وأوقدتُه في الرّابعة، وهذا جلُّ نومي طوال أيّام السّنة. ثمّ وجّه كلامه للطّلبة قائلا: "كيف يحلو لنا النّوم والشّعب الجزائري غارق في الجهل والأمية والفقر؟ فليس من حقّنا أن ننام" .

وتأملْ جمال وخطر الجملة الأخيرة: "كيف يحلو لنا النّوم والشّعب الجزائري غارق في الجهل والأمية والفقر؟ فليس من حقّنا أن ننام"..

ـ كيف تعامل مع الروايتين؟ فهذا تمرينٌ بيتيٌّ للطلاب، ما هو المسلك هنا؟ هل الجمع بين الروايات ..أم الترجيح..وما بينات كل طريق..؟!

آخر التغريدات: