جسد.. وروح..

بقلم: د. عبد العزيز بن سايب-

حدثنا الشيخ أحمد سحنون رحمه الله تعالى بقصة من أمتع القصص، حبلى بالعبر للدعاة، فيها تذكرة للعاملين في حقل الدعوة وميدان التربية ومجال التعليم .

قصة حدثتْ بحضوره مع شيخ العربية وإمام الخطباء وكبير الفصحاء، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائرين، مفخرة الجزائر وعَلَامَتُها وعَلَّامَتُها الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى .

بدأت القصة باجتماع طائفة من الشيوخ والأساتذة والطلاب مع الشيخ الإبراهيمي في بيت أحد الأحباب على وجبة غذاء .

ولما انتهت الوجبةُ إذْ بالشيخ الإبراهيمي يَستأذن من الحضور، ويطلب من صاحب البيت ناحية لينام فيها، فأراد صاحب البيت أن يأتيه بفراش وثير، لكن الشيخ امتنع، وسارع بالتمدد في مكانه الذي كان جالسا فيه متوسدا ذراعه ..

وما هي إلا لحظات حتى غط الشيخ في سبات عميق وسط دهشة الضيوف..

فليست هذه عادة الشيخ ولا أَرُومته، فهو بَهجةُ الْمَجَالِس وأُنسُ الْمُجَالِس، صاحب النكتة الحاضرة والقصة المثيرة والمزاح الرائق والضحكة اللذيذة، لا يمل من يقعد معه، ولا يتمنى فراغ مجلسه .
وغاص المجلس في صمت وسكينة لاستغرابهم سلوك الشيخ من ناحية ومن ناحية أخرى ليتركوا الشيخ الجليل يَنْعُمُ بنومة هنيئة..

وطالت الرّقدةُ فأوجس الحضور خيفة على الشيخ .. فبدأوا يتهامسون ماذا يفعلون.. ويكأن همساتُهم طرقتْ سمعَ الشيخ فحركت منه يقظة، فقام الشيخ وأثرُ النعاس مازال عالقا بعينيه، وشهوة الهجوع تطلبُ جنبيه .

لكنه اعتدل في جلسته واستوى قاعدا وهو صاحب الذكاء اللماح والفطنة المتقدة فقد انتبه لاستغراب الأصحاب لفعلته فبيَّنَ عذره وذكر الحامل له ..

وهو عُذْرُ أعجبُ من فعل، عذر زاد في استغرابهم وأنساهم نومته وسطهم..

قال رحمه الله تعالى: إني لم أذق طعم النوم منذ يومين..سامحوني..واعذروني..

إن هي إلا .. أسفار ومحاضرات ودروس وكتابات ولقاءات واجتماعات ..

نعم هذا هو الإبراهيمي وقد بدأ يطعن في السن ويدنو من الهرم..

ولكن ماذا يفعل جسد تَسري فيه رُوح وَثَّابة وقلب طموح وعقل يقظان ..

ماذا عساه يتحمل هذا الجسم الذي أرهقه العمل وعذبه السفر وأتعبه النضال وأمرضه المنفى، وأخذت منه ضربات السنين ومضايقات الفرنسيين، وظلم الأقربين؛ مع همة عالية وعزيمة فولاذية وقناة صلبة وشعور بالمسؤولية نحو أمة مغبونة وشعب مقهور وأرض مغصوبة .

ولكن هو كما قال أبو الطيب:

وإذا كانت النفوس كبارا *** تَعِبَتْ في مرادها الأجسامُ

والـمُخْلِـصُ يَتحملُ ما تَنُوءُ به الجبال .

وها هي اليوم تأتي ذكرى رحيله في 20 ماي 1965 ونحن نترحم عليه وقد ذهب ألم التعب وبقيت لذة النجاح.. نَخسة في خاصرة الكسالى والقاعدين، وشَحذ لهمة العاملين وتثبيت للمرابطين .
اللهم أعطنا مما أعطيته من فضلك الذي يقربنا إليك ويجعلنا في صفوف المصطفين لديك .

آخر التغريدات: