الشيخان.. عُمْقٌ وواقعية..

بقلم: د. عبد العزيز بن سايب-

تأسستْ جمعيةُ العلماء المسلمين الجزائريين رسميا في مثل هذا الأسبوع، قبل قرابة التسعين سنة، إلا قليلا . وكان ذلك في 5 ماي 1931 .

لكن من تم اختياره قائدا للجمعية ورئيسا لها؟ فكل عمل لا بد له من قائد، وكل جماعة لا بد لها من رئيس .

لقد تَحَلَّقَ حول فكرة الجمعية وقتها ثلة من كبار علماء الجزائر، مختلفي المستويات، متنوعي الثقافات، متعددي المشارب .

بيد أن فَرَسَي رِهَان الرئاسة هما الشيخ ابن باديس والشيخ الإبراهيمي . فهما المخططان لقيام الجمعية منذ سنوات . وكم سهرا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كانا في الحجاز لمثل هذا الحدث الجلل وتنفيذ هذا المشروع النهضوي.

وكل منهما شخصية له مزاياه وخصاله ..

فالشيخ البشير الإبراهيمي هو العالم اللغوي، الفصيح صاحب الكلام المليح، أحد كبار فصحاء هذا الزمان بلا نزاع، وأحد أساطين البيان بلا مِراء . الخطيب المفوه، والمتكلم الآسر، صاحب حافظة نادرة، من القلائل الذين يحفظون لأول مرة . إمام في كل شؤون البيان .. باللسان والبَنان . وله مع ذلك عقل لَمَّاح، وذكاء مفرط، كان من الدُّهاة . خبير بشؤون الناس، مشارك في منعطفات الحياة . مِقدام، لا يتهيب المواجهة في الحق .

والشيخ ابن باديس رجل العلم والتحقيق والتدقيق والتعمق، وفقه الموازنات، وقانون الأولويات، والتضحية، والاحتساب، والتفاني في التعليم، والتركيز على التربية، والمداراة، وحسن السياسة، واستيعاب الخلاف، والابتعاد عن الصدام ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وما وجد إلى ذلك مندوحة، مُهْتم بتجميع الطاقات . وقد صرح بأنه يمد يده لكل جزائري، شريطة أن لا تكون يده الأخرى في يد فرنسا .

انظر إلى الشيخين .. ما أروع كل واحد منهما.. تكامل عجيب ..

لكن من سيتولى الرئاسة لهذه الجمعية الفتية، مع ملاحظة رَحِمِ الفترةِ التاريخيةِ الذي كانت في بوتقته، وظروف البلاد العصيبة، وسط الاستدمار الناري الاستئصالي لفرنسا وأعوانها وأذبابها وعيونها..
حدثني الشيخ الْجَمْعُونِيُّ رحمه الله تعالى ـ وهو من بقايا طلبة الجمعية في قسنطينة ـ عن بعض كواليس اختيار الرئيس الشيخ ابن باديس .

قال لي: اجتمع الشيخان قبل الانتخاب والاختيار..فتطارح الشيخان الرئاسة، كل منهما يُلقيها على صاحبه..وكل منهما يُرشح لها أخاه.

قال الشيخ ابن باديس: يا شيخ البشير أنت أَوْلَى بها ..أنت الخطيب الفصيح البليغ..الذكي الخبير..المخالط..لا يَصلح للجمعية إلا أنت ..

فيجيبه الشيخ البشير: يا شيخ عبد الحميد بل أنت الأصلح لقيادتنا..فأنت صاحب الفكرة، وأنت العالم الذي لا ينازع في علمك أحد، وأنت الذي أقر لك بالفضل العدو قبل الصديق ..
وهكذا صار الكلام سِجالا..كل واحد منهما يُعَدِّدُ خصال صاحبه.. ويبذل جهده في إقناعه أنه الأحق..ورجل الوقت..

ثم قطع الشيخ البشير الإبراهيمي الكلام وحسم النقاش كما تقطع جهيزة قول كل خطيب..
قال الإبراهيمي: يا شيخ عبد الحميد، دَعْنَا وخَلِّيْنَا نكون واقعيين.. كما يقول الْمَثَل: فرنسا قبل أن تضرب الكلب تنظر من صاحبه ..

أو باللهجة الجزائرية: "فرُونسا قبل ما تَضرب الكلب تشُوف شُكُون مُولاه.."

أنت من بيت العز والسؤدد والرئاسة والعراقة، سلسل آل باديس..

فأبوك القاضي باش آغا .. وأخوك كاتب الدولة ..

أما أنا .. فشَحَّامٌ ولد شَحَّام . أي نَبِيع الشَّحْمَ ..

ـ ولقد رأيتُ دكان الشيخ الإبراهيمي في إحدى زياراتي لمدينة البُرْج ـ ثم أتبعه قائلا: لو أَتَوَلَّى رئاسةَ الجمعية .. من فور الإعلان عنها سَتُغلق، وسوف يُرمى بأصحابها في غياهب السجون أو مَبَاعِد المنفى ..

فرئاستك يا شيخ عبد الحميد قيادةٌ وحمايةٌ للجمعية ..

فلم يجد الشيخ ابن باديس بدا من الاستجابة والرضوخ لطلب الشيخ الإبراهيمي وإخوانه من قادة الجمعية .
وهكذا تُوِّجَ على رأس الجمعية العلامةُ الشيخ الرئيس عبد الحميد ابن باديس، رحمه الله تعالى، ورضي عنه .

هذه الواقعة التاريخية تُعطي المطلِّعَ عليها جملة عبر ودروس:

أولا: الواقعية التي كان يتسم بها هؤلاء الشيوخ، فقد عَقَلُوا ضرورة حماية الدعوة، واجتناب تعريضها للمحق والمحو والإبادة . نعم إنها النظرة الواقعية، وترجيح المصلحة العليا .

فلا بد من أصدقاء يحمون الجمعية . فلسنا بحاجة لصناعة الأعداء، أو شراء الخصومات الفارغة التي لا تُسمن ولا تُغني ..

لكن حماية الجمعية وكسب الأصدقاء لا تكون بأثمانٍ تكلفنا أصل الدعوة، أو تشويه مضمونها، أو تعيق وظيفتها، أو تعكر أهدافها ..كما يُشَاهد من البعضِ في محاولاته الانسلاخ من جلدته بسعيه الحثيث لإرضاء بعض الجهات..

ثانيا: انظر هضم النفس وتقديم الغير لأعلى المناصب .. ذابت مصالحهم في مصلحة الأمة الكبرى، لا يحركهم إلا رفع الغبن عن دينهم، ولا يَبعثهم إلا استنهاض أمتهم .

رحمكما الله تعالى ..

لم يكن التنافس على الرياسة، أو التطاحن على الكراسي، أو سحب البساط من تحت الأقدام، أو القدح في الآخرين للتربع على العروش، أو تلميع الذات، أو الانتصار للنفس؛ ..لم تكن هذه السخائم بالأشياء التي تسمحون لها أن تخطر على بالكم .. فضلا عن أن تكون فيصل اختياراتكم أو منطلق تحركاتكم .

هؤلاء هم رجالات الجمعية ..

واليوم ترى بعضَ من له سابقة في الدعوة، أو مزية في العلم وقد تضخم الأنا في كيانهم، لا تفوح من كلماتهم إلا "..أنا .. وأنا.." ولا ترشح من تصرفاته إلا "..نحن .. ونحن.."، حتى لا يكاد ينقضي مجلسك مع أحدهم إلا وأنت مُتْخَمٌ بـ"أنا" هم.. إلى حد الشعور بالقَرَف..

كأن الإسلام ينحصر فيهم، والدعوة الإسلامية بدايتها ونهايتها .. حلقاتها من صنعهم هم .. وهم فحسب .

هذه طينة، وذاك معدن الشيخين ابن باديس والإبراهيمي..

ما أجمل أن يجتمع في القائد الأهلية العلمية والكفاية الريادية..

وما أجمل أن يجتمع في نوابه وسائر الرجال حوله الأهلية وإدراك الواقع وتقديم المصلحة العليا والنفع العام على النفع الخاص ..

من يريد أن يقوم بأعباء مشروع إصلاحي كبير ناجح للأمة .. فلا بد أن يكون صاحب قلب كبير .. وعقل كبير .
أسأل الله الكريم القدير أن يَمُنَّ على أمتنا في هذا الزمان الأغبر والمنعطف الضيق الحرج بقادة لهم الأهلية والكفاية، ليقودوا هذه الأمة إلى بر الأمان، ويجنبوها المحن بأقل التكاليف، ويدفعوا عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن .

آخر التغريدات: