اسطوانة مالك بن نبي

بقلم: د. ليلى محمد بلخير-

يربط مالك بن نبي -رحمه الله- بين الجمال وبين الحضارة، على أساس أن الجمال هو الخلفية التي تبرز فيها، وتظهر أية حضارة يقول:”والإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة، فينبغي أن نلاحظه في نفوسنا”[شروط النهضة91]. هو بهذا يرسم حدودا فاصلة بين الحضارة المادية والحضارة الروحية القائمة على فلسفة القيم المعنوية، وأصالة الأفكار المنتجة.

لو حاولنا مثلما أشار مهندس الأفكار أن نلحظ أثر ذلك في نفوسنا وفي واقعنا، لوجدنا مفارقات صعبة على الفهم والتصديق. أين الجمال في حياتنا اليومية المشحونة بالسرعة والتدافع؟ أين هو التناغم والانسجام في دواخلنا، لينتج الجمال في المعاملات بين الناس؟ أين هو التناسق في المظهر وفي اللباس؟ ما علاقته بهويتنا وأصالتنا وخصوصياتنا الجمالية؟ سروال فاضح ونصف خمار، الرأس مسلم والجسد ضائع بلا هوية، والسبب الرئيس تخلي الأسرة عن دورها في التربية، مما أفرز جيلا مركبا في ظاهره من بنيات متناقضة، توحي بمعطى فكري متذبذب، يعاني من التفكيك، لذا غاب الكل المنسجم، وجمال المظهر، والسلوك المعبر عن الانتماء الحضاري والهوية الثقافية، لتحل محله صورة مجزأة، أصابها الخلل، يقول مالك بن نبي:”إن عالم الأفكار أسطوانة يحملها الفرد في نفسه عند ولادته، تختلف هذه الأسطوانة من مجتمع إلى آخر ببعض النغمات الأساسية”[عالم الأفكار68]، ويرمي إلى الخصوصية الثقافية لكل أمة وشعب، ثم يعرج بمثال شاخص في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكيف كان يواكب الوحي جل التفاصيل الصغيرة في العقيدة والسلوك، ويفسر للناس حياة القلوب المؤمنة، وتفاعلها مع مقتضيات الإيمان، وفي معترك الحياة داخل البيت، وفي السوق، ويوميات الفرد في مطعمه ولباسه وعاداته وأعرافه، وكانت فترة تصحيح ومتابعة رشيدة لنهوض أمة من ركام جاهلي متصاعد، واصطبغ الذوق بالإيمان، فكان المظهر والسلوك متناغما مع الأفكار والمشاعر. وتولد عند المؤمن في عهد النبوة الوعي بكل ما يشوه هويته، ويجهد في تصحيح أي خلل طارئ، لا ينسجم مع أساسيات اللحن الأصلي، كما يستفيد من كل ما يثري هذا الأصل، ما دام لا يعارض تلك الأساسيات، والرجوع إلى الحق كنوع من الانجذاب الأصيل لمعزوفة منظومة بقدر كبير من التناسق والجمال؛ وأي زيغ عن نغمة من نغماتها يفسد اللحن “لذا يمكن أن نفهم في هذا العالم المقدس ثقل الذنب مهما صغر، فقد كانت الأخطاء الصغيرة تأكل من أسطوانة عالم الثقافة، وكان كل فرد ينتصب لكل تحريف في اللحن”[عالم الأفكار 74]. أما حاضرنا فقد تسللت إليه موجات خدشت تناغم اللحن في أسطوانة الثقافة، وولدت كائنات مشوهة، لا تعرف التعبير عن انتمائها الحضاري والثقافي، وأصبحنا نسمع ونرى لحنا هو أقرب إلى صراخ النجدة منه إلى التعبير الواعي، وهكذا كثر النشاز، وانسحب الحياء والعفاف، وأوشكت الأسرة أن تعلن إفلاسها، ونقرأ ذلك في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11].

آخر التغريدات: