مالك بن نبي بعيون أمريكية!

بقلم: علي حليتيم-

في مقال له بعنوان: «تأثير الاحتلال الفرنسي على فكر وحياة مالك بن نبي THE FORMATIVE INFLUENCE OF FRENCH COLONIALISM ON THE LIFE AND THOUGHT OF MALEK BENNABI» ‏قام الأستاذ فيليب س. نايلورPhillip C. Naylor (وهو أستاذ التاريخ بجامعة ماركيت بولاية ويسكونسن ورئيس تحرير، بالاشتراك، لجريدة دراسات شمال إفريقياJournal of North African Studies.وأحد كبار المختصين الأمريكيين في تاريخ الجزائر) بدراسة المسألة المثارة في العنوان من خلال كتب مالك بن نبي ومقارنته بفرانز فانون الذي شارك مالك بن نبي الاهتمام بمسألة الاستعمار، وإن اختلفت المنطلقات والرؤى.

‏لن يسمح لنا الحيز الضيق للمقال أن نعلق كثيرا على أفكار الكاتب ولذلك سنلخصها للقارئ دون تعليق وهو سيعلق عليها بطريقته كما يشاء.

تعود اهتمامات الكاتب بمالك بن نبي، الذي يعدّه من أعظم ما أنجبت الجزائر والعالم الاسلامي من مثقفين معاصرين، إلى الدراسة التي قام بها ديفيد غوردونDavid C. Gordon وهو أحد كبار الكتاب المختصين في تاريخ الاستعمار الفرنسي French Colonial Historical Society مما نبهه باكرا إلى أصالة وعمق وإبداع فكر مالك بن نبي الذي ارتبط بالإصلاح وامتد تأثيره إلى أطراف واسعة من العالم الإسلامي. ورغم تكوينه التقني فإن مالك بن نبي كان واسع الثقافة وكتب في السياسة والفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتاريخ وأبدع نظريات لم يسبق إليها من قبل وكان فوق ذلك حرا بعيدا عن العصبيات ليس له من ارتباط إلا “بالإسلام، والعالم النامي وبالطبع، الجزائر”.

كان تكوين بن نبي، يقول الكاتب، مزدوجا: فمن جهة تلقى التعليم القرآني عند الشيخ عبد المجيد الذي كان يحدثهم عن النهضة، والتعليم الفرنسي عند المسيو جورج مارتن الذي كان معجبا بمالك بن نبي وكان مالك بن نبي معجبا به وأهداه (جنب والديه) كتاب الظاهرة القرآنية لأنه علمه “أن الإنسان له إخوته وأعداؤه بين جميع الشعوب وكل الأعراق”.

لم يشعر بن نبي أبدا “بالمركب النفس-وجوديThe psychoexistential complex” الذي مفهمه فرانز فانون، ولم يكن قابلا للاستعمار Colonizability، حسب قول بن نبي نفسه، بسبب تكوينه الإسلامي ووعيه التاريخي الآتي من جدته التي غذته معاني الشرف ولقنته تاريخ العائلة وفضائع الاستعمار.

انظم بن نبي في سفرته الثانية إلى فرنسا إلى ناد للشبان الكاثوليك، واستطاع أن يحاور المسيحية خارج النطاق الاستعماري وخلص إلى أن حوار الاسلام مع الحضارات الأخرى: “ممكن، بل مرغوب فيه للغاية، لكن مثل هذا الحوار لا يمكن أن يتم في إطار استعماري غير متناظر “كما شهدت باريس في الفترة ذاتها ظهور الأفكار الإصلاحية والوطنية بزعامة بورقيبة وعلال الفاسي التي انخرط فيها بن نبي فكان السكرتير العام لجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا. وبدأ يعمّق رؤاه الفلسفية ويبدي رأيه في زعماء الإصلاح في الجزائر واصفا مصالي الحاج بالديماغوجي، منكرا على فرحات عباس مناداته بالإدماج وعاتبا على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مشاركتها في المؤتمر الإسلامي حيث لم تكن فيه لاعبا من الدرجة الأولى.

في المبحث الموالي عرّج الكاتب على أهم أعمال مالك بن نبي التي بوأته “سمعة باعتباره واحدا من أبرز المفكرين المغاربة منذ ابن خلدون” على حد تعبير الكاتب: القابلية للاستعمار، وإنسان ما بعد الموحدين، ووجهة العالم الإسلامي وشروط النهضة وفكرة الإفريقية-الآسيوية.

‏في المبحث الأخير يعقد الكاتب مقارنة بين مالك بن نبي وفرانز فانون، ‏فيقول أنه رغم التنافر الشديد بينهما إلا أن أفكارهما لم تكن متناقضة تماما من جهة أنهما كانا يتمتعان كلاهما بالشجاعة الأدبية ومهتمان بحالة الإنسان المستعمَر. لكن فانون كان يرى في الاستعمار حالة عنف لا تزول إلا بعنف أكبر منه بينما كان بن نبي يريد أن يقضي على القابلية للاستعمار الموروثة منذ فقدان الاسلام لدوره الاجتماعي بعد عصر الموحدين. “كان بن نبي يريد أن يزيل العقدة النفس-وجودية للاستعمار أولا” حسب تعبير فانون نفسه.كان فانون يدين الاستعمار الذي عمل على تحطيم كل البنى الثقافية للشعوب المستعمَرة بينما يرى بن نبي أن العالم الإسلامي قد انتقل من عالم الأفكار إلى عالم الأشياء قبل ذلك بقرون طويلة.

أما في مسألة إزالة الاستعمار فإن أفكار فانون حول كتلة الدول المستعمَرة التي ستتحول بعد تحررها إلى قوة ضابطة للسلام العالمي بين القوتين تلتقي مع أفكار مالك بن نبي حول “الفكرة الإفريقية الآسيوية” التي طورها في سياق تاريخي وجغرافي متعلق بمصر زمن عبد الناصر ومشروع الوحدة مع سوريا ومؤتمر باندونغ سنة 1955. وأخيرا طرح الكاتبان كلاهما فكرة النيوكولونيالية وتتمثل، حسب بن نبي، في تلك المواجهة الفريدة بين الإنسان القابل للاستعمار وحريته السياسية.

ويختم الكاتب مقالته بالقول: “مما لا شك فيه أن الاستعمار الفرنسي كان له أثر عميق على بن نبي، ليس فقط بسبب استغلاله (فقد كان يشعر بالامتعاض من أن ينظر إليه على أنه أنديجان)، ولكن أيضا لأن الاستعمار زوده بسياق ووعي تاريخيين” ثم يقول: “يصف ألان كريستيلو AllanChristelow عن حق بن نبي بأنه “إنساني إسلامي”. ويحترمه يحيى زبير بوصفه “إسلامي ديمقراطي”. ومع ذلك، يصعب تصنيف بن نبي نظراً لاستقلاله الداخلي واهتماماته المتعددة. لكن الشيء المؤكد هو أن كلمات وأعمال مالك بن نبي الثاقبة لا تزال تثير الإعجاب والإلهام”.

آخر التغريدات: