مفدي زكريا.. وزمن الحصار والمضايقات

بقلم: بلقاسم بن عبد الله-

.. يا له من شاعر عظيم و مظلوم!.. سخر أدبه و نضاله من أجل الوطن المفدى. فكان أن تعرض لأصناف الظلم والقهر من المستعمر، ولقي من أبناء وطنه ألوان الجحود والإجحاف، لولا أقلام وطنية محدودة ومعدودة، حرصت كل الحرص على إنصافه ورد الاعتبار إليه، ومن خلاله، لكل مثقف غيور على شخصيتنا الوطنية.

واليوم، وتخليدا لذكرى وفاته، نسترجع زمن الحصار، وأصناف المضايقات التي تعرض لها وواجهها كالطود الأشم طيلة سنين عديدة..

ـ من أجل الوطن المفدى، سجن شاعرنا مفدي عدة مرات، من طرف قوات الاستعمار، وكان أول اعتقال مع قادة حزب الشعب الجزائري في 29 أوت 1937 بعد ظهور العدد الأول من "جريدة الشعب " التي كان يترأس تحريرها. وتوقفت هذه الصحيفة بعد أن صودر عددها الثاني في المطبعة.

ـ من غياهب السجن في الفترة الممتدة من 1937 إلى 1939 نظم نشيد الشهداء: اعصفي يا رياح.. كما أنشأ جريدة ’’البرلمان الجزائري’’ من داخل سجن الحراش.

ـ كتب معظم قصائده الثورية و أناشيده الوطنية بسجن بربروس الرهيب، ومنها نشيد: قسما.. الذي كتبه سنة 1956 وليس سنة 1955 كما هو شائع لدى العامة.

ـ واصل بعد الاستقلال تخليد ذكريات الثورة بقصائد يفتخر بها، كما يقول في الحوار المذكور، منها ما وجه لبعض صحفنا اليومية والأسبوعية، فقطع طريقها دون المجتمع بعض الذين لم يتخلصوا من المركبات و العقد.

ـ كثيرة هي الكتابات التي نشرت في صحف و مجلات ما بعد الاستقلال، حول موضـوع: النضـال والثـورة في الأدب الجزائـري. حاولـت أن تـتجاهل هذا الـشـاعـر الـقـديـر، لحسابات ظرفية، بعيدة عن النظرة الموضوعية.

ـ ظلت المضايقات تحاصر شاعرنا الكبير، وتلازمه كظله، وامتدت إلى محاولة تغيير النشيد الوطني، حيث لم يتم ترسيمه إلا في 26 جانفي 1986 من طرف المجلس الشعبي الوطني، بعد أن حذفت وقتئذ مقطوعة: يا فرنسا قد مضى وقت العتاب..

ـ وتمتد يد الحصار لتمنع شاعرنا مفدي من إلقاء قصيدة جديدة مطولة عن أمجاد تلمسان، أمام المشاركين في الملتقى التاسع للفكر الإسلامي مطلع جويلية 1975 رغم إلحاح الشاعر بمذكرة خطية دون جدوى، وحين شعر بالمضايقة والملاحقة، سافر خفية إلى المغرب الأقصى فرارا، وقد نشرت القصيدة كاملة بخط الشاعر مع مذكرته الشخصية في كتاب: مفدي زكريا شاعر مجد ثورة.

ـ حتى خبر وفاته في 17 أوت 1977 همش تماما، بل أن عائلة الفقيد دفعت نقدا ثمن نشر إعلان صغير عن نقل جثمان المرحوم إلى أرض الوطن، ليدفن بمسقط رأسه، بلدة بني يزقن قرب غرداية، وقد نشر الإعلان بصحيفة يومية بالفرنسية بعد أربعة أيام، في زاوية مظلمة وسط الإعلانات الكبيرة.

ـ إنتاجاته المغمورة تمثل ثلثي الإنتاج المطبوع، وتلك مهمة أخرى، ينبغي أن يضطلع بها المقربون و المهتمون، قبل أن يلفها النسيان و الإهمال.

.. تلك باختصار، نماذج مختصرة من حالات الحصار، وأصناف المضايقات التي تعرض لها شاعر الوطنية والثورة، ومفخرة شعراء المغرب العربي. ومع ذلك، قد نغمط الأديب أو المفكر أو الفنان حقه حينا من الزمن، نتيجة حسابات ظرفية أو حساسيات شخصية، غير أن قيمته الحقيقية تظل بارزة ناصعة، سواء في حياته أو بعد مماته. ولعل أفضل و أروع تخليد لهذا الشاعر العظيم يتمثل في العمل الجدي لإخراج أعماله الكاملة إلى النور، ونشرها وتعميمها بين أبناء الجيل الجديد.

آخر التغريدات: