مرتاض.. عميد الأدب والنقد

بقلم: بلقاسم بن عبد الله-

. وإلى أي حد يمكن الحديث الجدي عن دور النخبة الجزائرية في عملية التغيير والتطوير؟.. تساؤل مثير للجدل، صافحني بعد أن تلقيت رسالة إلكترونية من صديقنا الأديب الدكتور عبد الملك مرتاض ردا على تهنئتي الصادقة بمناسبتي شهر رمضان وعيد الفطر، وجوابا عن سؤالي المطروح حول مشاريعه الأدبية القادمة. حيث يقول حرفيا..

سعدت بتجديد العهد بك صديقاً عزيزاً وفيّاً، وقد جعلتني التهنئة بشهر رمضان المعظم أن أسترجع بعض الذكريات الجميلة التي قضيناها معاً في وهران ومدن أخرى وطنيّة... جديدي تقرّر نشر أربعة أعمال روائيّة عن الثورة الجزائرية بعنوان: رباعية الدم والنار ستصدرعن دار البصائر.. وقد عدت إلى النصوص الروائية القديمة فأعدت قراءتها بالزيادة والتغيير. أمّا ثلاثيّة الجزائر فلعلك قرأت جزءيها الأول والثاني (الملحمة، الطوفان)، أما الجزء الثالث فهو أيضاً يصدر بسبتمبر المقبل إن شاء الله عن دار هومة، وعنوانه: الخلاص. وحضّرت ثنائيّة الجحيم (مرايا متشظية، ووادي الظلام) لتنشر قريبا. وسيصدر لي كتاب كبير، وهو السبع المعلقات، ربما في الجزائر وفي الإمارات.. في حين سينشر مختبر السرديات بجامعة قسنطينة كلّ أعمالي السرديّة في أربعة مجلدات، في الخريف المقبل، يقترب عدد صفحاتها من أربعة آلاف صفحة... وتحياتي ومحبتي.

من أين أبدأ الحكاية عن صاحبنا مرتاض؟.. هل أعتمد على سيرته الذاتية المتوفرة لدي وتحتوي على5290 كلمة؟.. أم أستند على مخزون الذاكرة من ذكريات مشتركة عبر تجاعيد الزمن؟.. لنصافح معا ضيفنا الموقر المكرم، قبيل قراءة سجله الشخصي..

هو من مواليد 10 جانفي 1935 بمسيردة بولاية تلمسان، حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ الفقه والنحو في كتاب والده الشيخ عبد القادر بن احمد، التحق في أكتوبر 1954 بمعهد ابن باديس بقسنطينة ثم واصل دراسته بكل من جامعة القرويين بفاس عام 1955 وبجامعة الرباط حيث تخرج في جوان 1963 من كلية الآداب ، ثم نال درجة دكتوراه الطور الثالث في الأدب من جامعة الجزائر في مارس 1970، وتحصل سنة 1983على درجة دكتوراه الدولة في الآداب بمرتبة الشرف من جامعة السربون بباريس

نال عدة شهادات تقديرية وفخرية وكرَّمته هيئات علمية وثقافية ، عُين سنة1999عضواً في المجمع الثقافي العربي ببيروت، سُجل اسمه في موسوعة لاروس بباريس مصنفاً في النقَّاد، كما سُجِل في موسوعات عربية وأجنبية أخرى ، قُدِّمت وتُقدَّم حول كتاباته النقدية والإبداعية، رسائل ماجستير ودكتوراه.

تولى عدة مناصب في سلك التعليم الإبتدائي و الثانوي و الجامعي، وقد عين سنة 1974 مديرا لمعهد اللغة العربية وآدابها بجامعة وهران، انتخب سنة 1981 عضوا في الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب الجزائريين، ونصب مديرا للثقافة والإعلام لولاية وهران من 1983 إلى 1986،كما عينه رئيس الجمهورية في منصب رئيس المجلس الأعلى للغة العربية من 1998 إلى 2001.

تجاوزت كتبه المطبوعة الأربعين، وكان أول كتاب صدر له سنة 1968 بعنوان القصة في الأدب العربي القديم، لتتوالى بقية العناوين ومن أبرزها: نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، فن المقامات في الأدب العربي، الأمثال الشعبية الجزائرية، النص الأدبي من أين وإلى أين، معجم موسوعي لمصطلحات الثورة الجزائرية، فنون النثر الأدبي في الجزائر، القصة الجزائرية المعاصرة، الكتابة من موقع العدم، أدب المقاومة الوطنية، معجم الشعراء الجزائريّين في القرن العشرين.. إلى جانب إبداعاته القصصية والروائية ومن أهمها: نار ونور، الخنازير، صوت الكهف، هشيم الزمن، الحفر في تجاعيد الذاكرة.. ومعظم هذه الكتب القيمة متوفرة بمكتبتي الخاصة مزينة بإهداء وتوقيع مؤلفها، وأعتز بها كثيرا.

تربطني بصاحبنا الأديب عبد المالك مرتاض علاقة صداقة متينة منذ سنة 1975 عندما كنا نحضر معا لتأسيس الفرع الجهوي لاتحاد الكتاب الجزائريين، وتوجت تلك الجهود بتنصيب أول مكتب بصفة رسمية برئاسة الدكتور مرتاض وتوليت إلى جانبه منصب أمين ولائي مكلف بالإعلام والعلاقات العامة، وباشرنا العمل الجماعي سويا لإثراء المشهد الأدبي والثقافي بالغرب الجزائري، بتنظيم المحاضرات والندوات والأمسيات الشعرية والقصصية، لتتوج بإقامة أول ملتقى وطني للنقد الأدبي في ماي 1983 بمشاركة نخبة من الأدباء والمختصين من داخل وخارج الوطن.

وتوالت اللقاءات والحوارات الهامة التي أجريتها معه في برنامج دنيا الأدب الذي كان وقتئذ يبث أسبوعيا من وهران عبر أمواج الإذاعة الوطنية. وقبل ذلك، أجريت معه رفقة الصديق الأديب الحبيب السائح حوارا مطولا نشر كاملا بملحق النادي الأدبي لجريدة الجمهورية بتاريخ 12 أكتوبر 1978 تركز حول مساره الأدبي والجامعي وتجربته الروائية من خلال رواية الخنازير التي ظهرت تلك الأيام عن منشورات المؤسسة الوطنية للكتاب.

وقد انفردت بمحاورته حول كيفية تعامله مع لغة الإبداع ، نشر يومئذ بالنادي الأدبي بتاريخ 6 أكتوبر 1986 حيث يقول حرفيا: معاملتي للعربية في الإبداع والدرس والبحث تفوق كل معاملة مادية في الترفق والتلطف والتودد، فأنا إذن لا أحبها فحسب ولكنني أعشقها عشقا فأتمتع بها حين أكتب بها، وحبي إياها لا يعدله إلا حب الله.

وقد ظل الأديب عبد الملك مرتاض وفيا لملحق النادي الأدبي الذي احتضن بكل محبة كتاباته المتوالية من 1980 إلى 1987 واستأثرت باهتمام النقاد والقراء ، ولعله يذكر جيدا كلمة حق وإنصاف كتبتها في ربيع 1978 دفاعا عن شخصه وأدبه بعد المقالة التجريحية التي نشرها الناقد المصري سيد حامد النساج في مجلة الآداب البيروتية مطلع سنة 1978 وكانت مقالتي الدفاعية بعنوان: ما هكذا ينسج النقد يا نساج!.. وقد أعدت نشرها في كتابي: بصمات وتوقيعات .الصادر عن منشورات وزارة الثقافة.

وظلت اللقاءات الدورية تجمعنا ضمن الملتقيات الأدبية بكل من الجزائر العاصمة وسعيدة وتلمسان وبسكرة وسكيكدة وقسنطينة، وكان من أواخرها ملتقى الأدب النسوي بعاصمة الشرق الجزائري في أواخر أكتوبر 2008، ورغم قلة اللقاءات في المدة الأخيرة ، ظلت المكالمات الهاتفية والمراسلات الإلكترونية قائمة متواصلة، تجسيدا للثقة المتبادلة والمحبة الصادقة.

ومنذ بداية العام الجاري فكرت في الكتابة عن الأديب عبد الملك مرتاض، ولو بالمختصر المفيد، بعد أن وجهت له مجموعة أسئلة وعدني بالجواب عنها في الظرف المناسب،وهاهي ذي الفرصة مواتية بعد أن وصلتني هذه الأيام أجوبته الوافية عن أسئلتي المتجددة،وسأحرص قريبا إن شاء الله على نشر هذا الحوار الهام ، لتعميم الفائدة بين أصحابه الأدباء والجامعيين وبين طلبة طلبته.

آخر التغريدات: