أبو النهضة الجزائرية الحديثة، الشّيخ عبد القادر المجّاوي

بقلم : محمد بسكر-

يعتبر الشّيخ عبد القادر المجاوي، موسوعة علمية فريدة، جمعت بين العلوم العقلية والنقلية والمدنية، تميّز بثقافة واسعة، جمع فيها بين الطّرق التعليمية التقليدية والحديثة، أثّرت شخصيته القوّية في المجتمع القسنطيني والجزائري عموما، وتخرّج على يديه الكثير من الطّلبة الذين ساهموا في التمهيد للنهضة العلمية الحديثة في العقد الثالث من القرن العشرين، من بينهم: الشّيخ حمدان بن الونيسي، والشّيخ أحمد بن مرزوق الأحبيباتني، والشيخ المولود بن الموهوب، والشّيخ الصالح بن العابد، والحاج أحمد البوعوني، والشّيخ عبد الكريم باش تارزي مفتي الحنفية في قسنطينة، والشّيخ سعيد بن زكري المدرس بالمدرسة الثعالبية في العاصمة .. وغيرهم، من النّخب العلمية التي قامت بدورها في الحفاظ عن الهويّة الوطنية.

كانت دراسة الشّيخ المجّاوي بالمغرب، حيث البيئة العلمية الخصبة، فمؤسسات التعليم به كثيرة، ومجالسه منعقدة، وقائمة بدون قيود، والمحاضر عامرة بالعلماء والطلبة، والمكتبات العامّة والخاصة غاصّة بأنواع المؤلفات. فأخذ عن شيوخ طنجة والقرويين وأجازوه وأذنوا له في التدريس، وكانت جامعة القرويين التي أخذ فيها تعليمه العالي، ((..مشهورة بإتقان الدّروس، ورسوخ خرّيجيها في العلوم، وكان عبد القادر مستعدا بطبعه العلمي وبطموحه للإتقان، فأتقن ما درسه، فكان علّامة فيه، وكان النّحو والصّرف والبلاغة يعرفها كداره، ويحفظ كلّ شواهدها، فتكوّنت له ثروة أدبية كبرى، ظهرت في فصاحته وبلاغته، في خُطبه ووعظه وتآليفه)) (1).

اهتمامه بالتربية والتعليم.

الدّاء العضال الذي أرّق الشيخ عبد القادر في مسيرته العلمية والتربوية، هو الجهل المتفشي في المجتمع الجاهلي، والذي غرسه الاستعمار بمرور الزمن، وقد أثر ذلك على أخلاق المجتمع وفكره، فانتشرت الخرافات، وقلّ التدين، فكان لا بد من النهوض بالمجتمع علميا وأخلاقيا، ولا يكون ذلك إلا بالتربية والتعليم.

فبدأ دروسه بمساجد قسنطينة، فظهر فضله ورسوخه في ميادين العلوم، وأقبل عليه الطلبة من مختلف الأوساط، ويرى الأستاذ سعد الدّين ابن أبي شنب أنّه عندما رجع إلى بلده لم يهتم (( بانتشار الداء الاستعماري في المجتمع الجزائري، ولم يفطن لوسائل التفسيخ التي أخذت فرنسا تهدم بها بنيان الإسلام والعروبة، حجرة بعد حجرة، فكانت إذْ غايته القصوى إبقاء الحال على ما هو عليه، لاعتقاده أنّ في الاقتداء بالسّلف الصالح لكفاية لصيانة العربية والدّين بالجزائر)) (2)، ولا أظنّ أن الشّيخ المجّاوي لم ينتبه للتفسيخ الذي أشار إليه ابن أبي شنب؛ لأنّ اهتمامه بمحاربة البدع التي انتشرت في الوسط القسنطيني، ودرء الفساد الواقع في التربية والتعليم، وحثّ الهمم لاستيفاء شروط النهضة العلمية، والالتحاق بالأمم المتحضرة، يدل على إحساسه بخطورة الأثر السلبي، والشرخ العميق الذي أحدثه المستعمر في بنية المجتمع الجزائري، ولذا ركز اهتمامه على الكتابة في إصلاح المجتمع تربويا وعلميا، لمعرفته الواسعة بأسباب النهوض، ومسببات سقوط الأمم، فدعا قومه إلى نهضة علمية وفكرية عامة، على شاكلة النهضة العربية في المشرق العربي التي تزعمها الشيخ جمال الدّين الأفغاني.
وفي مقال نشره بجريدة كوكب إفريقيا سنة 1908م في العدد 34 بتاريخ 3/12/1908م، ناقش فيه مشكلة انحراف الأحداث، وأثره على البيت والأسرة والمجتمع، وقد خُيل إليه أثناء تحليله لأسباب ذلك، أنّ التدهور الخلقي قد تأصّل في معظمهم، فأصبح عارا يلابسهم لا تمحوه يد الزمان، ولا تغسله مياه الأبحر والغدران.

ويبحث عن علل وأسباب تفشي هذه الأوبئة، والتي يعتقد أنها امتزجت بالدماء، امتزاج السل بالمسلول، فلم يجدها إلّا عقم وسائل التربية المتبعة في الكتاتيب، وجهل الوعاظ والمرشدين في المساجد بطرق التدريس، ومن ثم فهو يحمّل هؤلاء وأولئك، مسؤولية هذا الانحطاط الخلقي(3)، وهذا الدّاء العضال الذي يفتك بالأمة، يكمن علاجه في تربية النشء وتغذيته بالعلوم النافعة، فهو يرى أن الأمم الحية إنما حصل لها الرقي بتربية أولادهم وتعليمهم العلوم النافعة، والمعرفة المفيدة.

وآراءه الإصلاحية لا تتوقف عند حثه على إصلاح التربية، ونشر التعليم بين الرجال والنساء، وإنما دعا أيضا إلى إعادة النظر في طرق التعليم القديمة، والتي رأى أنها غير نافعة في وقته، وهي نفس الدعوة إلي رفعها الشّيخ محمّد السعيد بن زكري في رسالته" أوضح الدلالة في إصلاح الزوايا ببلاد القبائل"، والتي أحصى فيها عيوب التدريس في زوايا تلك النواحي، وكشف عن مفاسدها، مبينا التحسينات الضرورية والإصلاحات التي ينبغي إدخالها عليه، ليكون مطابقا لأساليب وأهداف التعليم النظري.

دعوته لنهضة المرأة الجزائرية

يُعدّ الشيخ المجّاوي من بين أوائل العلماء الذين أكّدوا على ضرورة الاهتمام بتعليم المرأة، باعتبارها قسيم الرجل في تربية النشء، ففي مطلب التربية من شرحه على منظومة البدع، يقول: )) وقد ضرب بعضهم لذلك مثلا، فقال: علّم المرأة علما نافعا صحيحا أودعها على سذاجتها؛ فلأن تبقى المرأة جاهلة خير من أن تتعلم تعلما ناقصا، وتتربّى تربية تافهة، فالمرأة التي تظل باقية على سذاجتها الأولى فلم تتلق شيئا من مبادئ العلوم والفنون، ولم تمارس القراءة والكتابة قد يتيسّر أن نُقنعها بأنها جاهلة، ثم نوصيها بلزوم الرجوع في تربية طفلها إلى رأي من هو أعرف مها بشؤون التربية....أمّا التي تعلمت تعلّما ناقصا... فإنّ هذه المرأة تصبح بهذا التعليم الناقص ذات عجب ولجاج، فلا تعود تصغي لمشورة من هو أعلم منها، ولا تقف في إفساد تربية ابنها وتدبير منزلها عند حدٍّ...))(4).

الإصلاح الاجتماعي

لاشك أنّ الإصلاح الاجتماعي لا يتم إلّا بانتشار الوعي بين أفراد المجتمع الواحد، وهذا لا يتأتّى إلّا بالتربية والتعليم، فكان من بين اهتمامات المجاوي التي عمل عليها مدّة بقائه في قسنطينة، هو إيفاء هذا الجانب والاهتمام به، وإصلاح المجتمع ثقافيا واجتماعيا ودينيا، ومحاربة العقائد الباطلة، والخرافات المنتشرة، فألّف كتابه" إرشاد المتعلمين" الذي نشره بمصر سنة 1877م، وحث فيه على وجوب الأخذ بأسباب التقدم الحضاري، وقد أحدث كتابه المذكور ضجة داخل الطبقة المثقفة الفرنسية من المعمّرين، ففي دراسة كتبها الأستاذ( آلان كريستلو) بعنوان " حول بداية النهضة الجزائرية، كُتيب لعبد القادر المجّاوي" ذكر فيها أنه عثر على ملف في مستودع الوثائق ( إيكس إن بروفنس)، يتضمن وثيقة أرسلها الحاكم العسكري لمقاطعة قسنطينة، إلى رئيسه الوالي العام بالجزائر، وهي مسجلة في دفتر مراسلة ( الكوماندنت) بتاريخ 15 نوفمبر1877م: أنّ عبد القادر التلمساني، المعروف لنا بـ (المجّاوي)، الذي اشتغل في ذلك الوقت إماما بجامع قسنطينة، أي سيدي الكتّاني، والذي كان مترشحا لوظيف في المدرسة الرّسميّة، قد نشر كتيبا في القاهرة، وأكد ( الكوماندنت) لقائده، أنّ ذلك الكتيب أثار سكّان قسنطينة إثارة خطيرة(5).


الهوامش:

1- محمد علي دبوز: مهضة الجزائر الحديثة، 69/1.

2- مجلة الأدب، ص 45.

3- د. محمد ناصر: المقالة الصحفية الجزائرية، 962/1.

4- المجاوي: اللمع في نظم البدع، ص 511.

5- الشيخ المهدي البوعبدلي: كقدمو كتاب سلسلة الأصول في شجرة أبناء الرسول,

 

آخر التغريدات: