الأستاذ عبد الله شريط.. مسار عقلاني تنويري

بقلم: محمد سعيدي-

الأستاذ عبد الله شريط أحد أبرز المثقفين الجزائريين في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، بجانب مصطفى لشرف، ومالك بن نبي، ومحمد الشريف ساحلي...

شخصيات متميزة بالعقلانية الحديثة وبتوجه وطني تنويري، الإهتمام بالأستاذ عبد الله شريط، وبالجامعة الجزائرية للعلوم الإجتماعية، وإشرافها على عقد هذه الندوة يبرهن على أن الجزائر بدأت تعود إلى تلك الروح الوطنية العقلانية التي رسختها الحركة الوطنية والحركة الإصلاحية بقيادة الإمام عبد الحميد بن باديس، إقامة هذه الندوة إشارة ودلالة واضحة إلى هذه العودة الجزائر الآن في حاجة إلى هذه العقلانية التنويرية لإستئناف مشروعها الوطني النهضوي، وهي رد على الردة الخطيرة التي حصلت في العقود الثلاث الماضية في تاريخنا الحديث، حيث اكتسحت الساحة الوطنية روح التراجع وهيمنة الثقافة التقليدية المحافظة، والرداءة السياسية التي ميزت، وماتزال تميز حياتنا السياسية والثقافية والإجتماعية· من غير شك أن المعركة الحالية، وفي مقدمتها معركة الجامعة ومعركة العلوم الإجتماعية، هي ضد هذه الردة الهمجية الكاسحة·

المسار العقلاني التنويري، هو ما ميز مسار الأستاذ عبد الله شريط طول حياته منذ أن بدأ وعيه الفكري والسياسي، كانت البذرة الأولى هي تلمذته على يد العلامة المصلح الثائر الثوري الشيخ العربي التبسي، كانت شخصية الشيخ العربي التبسي ليس في هذا التوجه الراديكالي فقط، إنما في شخصيته القوية الثائرة المتميزة بالوضوح والصراحة والثبات على المبادئ، والدفاع عنها حتى الممات، وقد بقيت هذه الشخصية بقوة في ذهن ووعي الأستاذ عبد الله شريط حتى الممات أيضا.

مسار الأستاذ عبد الله شريط تميز بالعصامية والطموح، والتفتح على العصر وعلى محاورة الآخر بالحجة والمنطق، العصامية دفعته إلى المغامرة في سبيل العلم والمعرفة، سافر شابا إلى تونس إلى جامع الزيتونة الذي كان مقصد الشباب الجزائري، وقد اتسم، وهو في هذا السن، بروح التمرد، وكاد أن يعاقب أو يفصل من الدراسة لولا الأستاذ بوشربية، أستاذ بجامع الزيتون، الذي دافع عن روح التمرد التي طبعت هذا الشاب، الشيخ بوشربية كان يمثل جزءا كبيرا من أساتذة الزيتونة الذين تميزت ثقافتهم بالتوسع والإنفتاح العقلاني، كانت هذه المرحلة الأولى من تمرد هذا الشاب المعتد بشخصيته، وستأتي مرحلة لاحقة في تونس، في مرحلة النضج بعد انتهاء دراسته الأكاديمية في جامعة دمشق.

كان المسار السوري محطة حاسمة في مسار الأستاذ عبد الله شريط، كانت الجامعة السورية الناشئة في عنفوان قوتها عدد قليل من الطلاب المتعطشين للعلم، وعدد متميز من الأساتذة الأكثر كفاءة، وقد حافظت الجامعة السورية على هذا المستوى إلى نهاية حرب 1967، بعدها اختلط العلم بالسياسة، وتدخلت السلطة في الجامعة، وعندما تتدخل السلطة والسياسة في الجامعة فإن هذه تدفع الثمن العلمي والفكري· تميزت الفترة التي قضاها الأستاذ شريط في دمشق بفوران نشوة الحرية وقيم الإستقلال الوطني، وضرورة استنشاق النهضة الكبرى والشاملة، كانت الأجواء السياسية في المشرق، وبالذات في سوريا ولبنان ومصر تغلي بعد احتلال فلسطين وإنشاء الدولة العبرية على الأرض الفلسطنية، وهو ما اصطلح عليه آنذاك بالنكبة التي تحدث عنها وليد قمحاوي والمفكر قسطنطين زرق· بجانب هذه الأجواء السياسية الساخنة، كانت الجبهة الفكرية الثقافية في عنفوانها، كان فكر النهضة ما يزال حيا، الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، شلبي الشميل، جرجي زيدان، أحمد أمين، الزيات، لطفي السيد، سلامة موسى، أمين الخولي، طه حسين، العقاد، شعراء النهضة، أحمد شوقي، مطران خليل مطران، ثورة الأدب المهجري، ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران· كان الأستاذ شريط ينهل من كل هذه المصادر ويتفاعل معها كما كان لها تأثير قوي في انضاح شخصيته الفكرية والسياسية، بل في أسلوبه في الكتابة، ولم يخطئ الدكتور نور الدين جباب، عندما قارنه بـ د. أحمد أمين فكرا وأسلوبا.

محطة أخرى هامة في مسار الأستاذ شريط، وهي المرحلة التونسية بعد العودة من دمشق، فقد عاد وهو في مرحلة النضج الفكري والوعي السياسي، كانت تونس تتميز بحركة ثقافية متميزة في ذلك العهد· الزيونة المتحررة المتفتحة المثقفة ثقافة عصرية، بن عاشور، بوشربية، بلخوجة، الحركة الزيتونية من الطلاب الثائرين سياسيا، المدرسة الصادقية، وهي استمرارية للحركة التحديثية الإصلاحية لخير الدين باشا· لم تكن لهذه المدرسة ازدواجية بالمعنى الذي عرفته مثيلاتها في الجزائر المستعمرة، فلم يكن لطلابها وخريجها وأساتذها مشكلة لغوية ولا مشكلة هوية، كانت مدرسة تحديثية متوازنة، كان لهذه المدرسة تأثير قوي، تفاعل معها الأستاذ عبد شريط، ربما، أكثر من تفاعله مع المدرسة الزيتونية، كان من هذه المدرسة الأستاذ محمود السعدي، مزالي ومثقفون آخرون، كان شريط على صلة بهم، وبالكثيرين من الإعلاميين وإطارات الدولة التونسية.

بالإضافة إلى ذلك كان متأثرا بثقافته العربية الإسلامية العقلانية، ابن خلدون الذي كرس حياته الأكاديمية له، حقيقة أنه، مهما كانت المصادر والتأثيرات التي تفاعل معها، فإن اهتماماته وكتاباته الصحفية وأحاديثه المتلفزة والمذاعة على الأثير بقيت جزائرية بحتة، وحتى أعماله الأكاديمية حول ابن خلدون والفلسفة اليونانية سخرها المؤلف للشأن الجزائري، فالنسبة إليه فإن ابن خلدون أو الغزالي أو المعتزلة لم يكن سوى مصدرا وسندا لأفكاره حول القضايا الجزائرية الشائكة التي لم تحسم إلى الآن، وكان التأثير المباشر في هذا المصادر الجزائرية البحتة، ليس فقط ابن خلدون الذي اعتبر الكثير أن أفكاره صالحة لمعالجة المشاكل الجزائرية الآنية، كان اهتمامه قوي بحركة جميعة العلماء المسلمين الجزائريين في تبادلها الإصلاحي العقلاني التنويري، تركز اهتمامه، أساسا، على شخصية عبد الحميد بن باديس، على توجهاته الراديكالية في الإصلاح، ومنهجه العلمي الميداني، ونزعته العقلانية، واهتمامه بالإسلام الشعبي العلمي، وكان كثيرا ما يفضّله على الإمام محمد عبده، فبينما في رأيه، كان محمد عبده يركز على تكوين النخبة، ويعتبر العامة دهماء ملتوية، وهي التي تخلت عن عرابي في ثورته، فإن الإمام عبد الحميد بن باديس كان اهتمامه متوجها نحو الشعب، فالنخبة لا معنى لها إلا إذا تطور المجتمع، مجتمع قوي مستنير، خال من الخرافة والتقليد هو أساس النهضة الحقيقية، ولهذا كلما برز تلميذ من تلامذته وتفوق إلا ووجهه إلى التعليم وتوعية الجمهور·

وكان ابن باديس يمارس هذا السلوك في دروسه لطلابه وللعوام والصحافة، وتنقله الدائم في ربوع الوطن مدرسا ومرشدا·

عبد الله شريط، بالإضافة إلى إسهامه لهذا المصدر، كان قريبا من حزب الشعب الجزائري، مؤيدا لحركته الوطنية الراديكالية، وقد تعمّق هذا التوجه لديه عند التحاقه بالثورة الجزائرية، وممارسة نشاطه الإعلامي فيها، صحفيا، كاتبا ومترجما· استمر هذا التوجه معه في الإستقلال، فكان كل نشاطه مكرسا لخدمة المجتمع الجزائري ، ودفعه نحو العصرنة والتقدم·

كان الأستاذ عبد الله شريط في أفكاره وكتاباته وحواراته عصريا حداثيا، حداثة أصلية متوازنة، خالية من الإدعاء، في تواضع جم ميز شخصيته العلمية والسلوكية، كثيرا ما عالج قضايا معقدة، ما تزال قائمة إلى الآن، معركة المفاهيم الإشتراكية، الماركسية، العدالة الإجتماعية، معضلة الحكم وبناء الدولة·· حول هذه القضايا جاء كتابه الأخير ''الإسلام الدولة المسلمون'' وهو كتاب ضخم بالنسبة لمؤلفاته السابقة خلاصة لتوجهاته العقلانية التنويرية، وهو مجموعة من البحوث الرئيسية عكف عليها لأكثر من عشر سنوات· كتاب متنوع ثري يحتوي على مجموعة من البحوث في مختلف المواضيع الإشتراكية المارسكية، فلسفة القوة عند الغرب: ابن باديس ومحمد عبده، قضايا الإستعمار والتحرر الشباب والدولة، تكوين الإنسان، البحث في العلوم الإجتماعية·· وغيرها من المواضيع· رغم تعدد هذه المواضيع، فقد اختار لعنوان الكتاب ''الإسلام الدولة المسلمون'' لاعتقاده بأن المعضلة الكبرى التي تتفرع عنها كل المعضلات هي معضلة الحكم ومعضلة بناء الدولة وعلاقتها بالمواطن، وهو يتعرض لتجربة الحكم ومحاولات بناء الدولة في العالم الإسلامي غير التاريخ منذ حادثة السقيفة إثر وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، عندما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، منا الأمراء ومنكم الوزراء ونسب إليه القول ''إن هذا الأمر لا يمر إلا في قريش، يقوم بتحليل تاريخي حول تجارب الحكم منذ سنين إلى عصرنا الراهن، أي منذ حوّل معاوية دولة الشورى التي أسسها الخلفاء الراشدين إلى ملك عضوض له ولأبنائه، ومنذ ذلك الحين والصراع على السلطة مبني على القوة والعنف والغلبة لا يستعر التفاصيل التاريخية إلا بالقدر الذي يسمح له بتوصيل الفكرة التي يريد توضيحها، لا يتعرض لتاريخ الدولة التي يتناولها بقدر مايهمه الفكر الفلسفي الذي بنيت عليه تلك الدول. في هذا السياق، يتعرض للشخصيات البارزة منذ الكندي مرورا بابن خلدون والغزالي والمعتزلة وابن تيمية، يبدأ موضوعه بهذا السؤال المحوري: ''هل الدولة في الإسلام هي جزء من العقيدة، أم هي شأن دنيوي يتعلق بتسيير شؤون المسلمين على هذه الأرض''، ويقول إن الصراع حول هذا السؤال ما يزال قائما إلى وقتنا الراهن، يقتتل عليه المسلمون ليس دفاعا عن العقيدة وإنما للحصول على السلطة والتحكم في رقاب المسلمين، ويحسم بأن الصراع والإقتتال لا يقتصر على الحكام وإنما يمتد إلى أصحاب المنافع الدنيوية من رجال الدين وغيرهم، ويفصل في الجواب عن السؤال بعقلانية مستنيرة وبنزعة حداثية بأن الدولة هي شأن مدني يتفق عليه المجمتع، يخضع له المسؤولون والمواطنون على السواء ضمن مؤسسات ومسؤولين يختارهم الشعب، ويعزو سبب الفشل في بناء الدولة في العالم الإسلامي مشرقه ومغربه، أن الدول بنيت على الصراعات الآنية وليس على فلسفة مقننة ومدسترة كما هو الشأن عند الرومان واليونان، وبالتأكيد أن الهم الرئيسي للأستاذ عبد الله شريط وهو يتعرض لمعضلتي الحكم وبناء الدولة هو معالجة قضية الحكم وبناء الدولة الوطنية في الجزائر، فقد تابع مباشرة مسار الثورة المسلحة واحتك بمسؤوليها، وراقب نشأة الدولة الجزائرية المستقلة ومسعاها إلى بناء مجمتع ديمقراطي عادل وفق مبادئ العصر.

هذا الموضوع في الكتاب يستحق الإهتمام من طرف الأساتذة والباحثين في العلوم الإجتماعية بمختلف فروعها في الجامعات الجزائرية ومن طرف المشتغلين بالسياسة والقائمين على شؤون الأمة، فالمعضلة الجزائرية اليوم هي في بناء الدولة العصرية الديمقراطية المبنية على الحرية والعدالة والكرامة واحترام المواطن وحقوقه الأساسية.

آخر التغريدات: