جهود عائلة الشيخ السعيد أبهلول العلمية (3/3) (محمد الطاهر فضلاء)

يقلم: محمد أرزقي فراد-

محمد الطاهر فضلاء اسم بارز في الثقافة الجزائرية، ارتبط بعالم الكتابة منذ شبابه في الثلاثينيات من القرن الماضي، بدءاً بجريدة البصائر، وقد تشبّع بالفكر الإصلاحي الذي غرفه من عائلته، ومن دروس الإمام عبد الحميد بن باديس. يكون حيث تكون الثقافة، وتكون الثقافة حيث يكون، كان يتنفس المسرح، ويجد سعادته في القراءة والكتابة، وبالقلم والقرطاس سعى إلى تغيير ما بقومه من ركود وانحطاط نحو اليقظة والنهضة، وبهما ناضل من أجل تخليص وطنه من نير الاستعمار، ثم من رواسبه بعد التحرير السياسي. لذلك فمن الطبيعي أن يقضي مساره المهني في وظائف تربوية لبعض الوقت، ثم مديرا لمكتبة قصر الحكومة من سنة 1974م، إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة 1989م.

محمد الطاهر فضلاء 1918 - 2005

يا فاضلا (تعريفه) فضلاء

بالجمع.. وهو الاسم بل أسماء

أكرم به في عالم متأدب

لا يعتريه الزهو والخُيلاء

أحبب به من حاتم متواضع

أوصافه الإكرام والإطراء

سل عنه أوراقا ترص بمكتب

فكأنها الأجناد وهو لواء

وعلى الهواء يزف مسرحه إلى

كل الهواة فيستجيب هواء

إن حقق التمثيل فضلا عندنا

فالفضل جاء به لنا فضلاء

أحمد الطيب معاش (1985)

محمد الطاهر فضلاء اسم بارز في الثقافة الجزائرية، ارتبط بعالم الكتابة منذ شبابه في الثلاثينيات من القرن الماضي، بدءاً بجريدة البصائر، وقد تشبّع بالفكر الإصلاحي الذي غرفه من عائلته، ومن دروس الإمام عبد الحميد بن باديس. يكون حيث تكون الثقافة، وتكون الثقافة حيث يكون، كان يتنفس المسرح، ويجد سعادته في القراءة والكتابة، وبالقلم والقرطاس سعى إلى تغيير ما بقومه من ركود وانحطاط نحو اليقظة والنهضة، وبهما ناضل من أجل تخليص وطنه من نير الاستعمار، ثم من رواسبه بعد التحرير السياسي. لذلك فمن الطبيعي أن يقضي مساره المهني في وظائف تربوية لبعض الوقت، ثم مديرا لمكتبة قصر الحكومة من سنة 1974م، إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة 1989م.

نبذة عن حياته

ولد الأستاذ محمد الطاهر فضلاء بن الشيخ السعيد أبهلول الورثلاني، يوم 30 مارس 1918م، بقرية ثينبذار الوغليسية (بجاية)، وهي القرية التي استقر فيها والده للتدريس بزاوية (ثيمعمرث) سيدي موسى. أخذ مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن وبعض المتون على يد والده، ثم سافر إلى قسنطينة سنة 1935م، لمزاولة دراسته بالجامع الأخضر على يد عبد الحميد بن باديس، وبعض مساعديه كالشيخ الجيلالي الفارسي، والشيخ بن قاسم الزغداني. وقد دفعه حماسه الفياض بعد تخرجه إلى تعاطي عدة نشاطات كالتدريس في مدارس جمعية العلماء(1937 -1946)، والكتابة الصحفية في جريدة البصائر، وتأسيس فرقة »المنى« للكشافة الإسلامية، ثم فرقة الرجاء. هذا وقد ظهر ميله نحو المسرح في وقت مبكر، فاتخذه وسيلة لتبليغ رسالته الإصلاحية ونشر الوعي الوطني، فأسس فرقة هواة المسرح العربي الجزائري. وتميّز طيلة حياته بالجرأة في طرح أفكاره، الأمر الذي جعله يتعرض لمضايقات الإدارة الفرنسية، لكن ذلك لم يزده إلا حزما وعزما على المضي قدما لتحقيق مراده.

شهادة الشيخ الإبراهيمي

وهل هناك أصدق تعبيرا على تفانيه في خدمة رسالة جمعية العلماء من شهادة رئيسها الثاني محمد البشير الإبراهيمي الذي قال عنه: »وما توفي الأستاذ الإمام، وأفضت إليّ قيادة النهضة العلمية بعده، حتى ظهر لي في الأستاذ محمد الطاهر فضلاء ما ظهر للإمام المبرور، فقذفت به في خضم حركة المدارس، معلما، ومنظما، ومديرا، ومؤسسا، وما استكفيته في عمل من أمر التعليم أو الإدارة إلا كفاني، وبزّ على أقرانه في الدعاية للعربية بقوله وفعله، وهو على ذلك إلى الآن.
وقد لقي من الاستعمار ما لقيه إخوانه وأكثر مما لقيه إخوانه، من المحاكمات والسجن والتغريم، فلم تلن له قناة ولا تزعزعت له عقيدة. وقد تطورت الأحوال بسبب الثورة، فتطور هو إلا في شيء واحد وهو حبّه للعربية ودعايته الصادقة إليها. وقد ابتلته الحياة ببعض مكارهها ناشئا وشابا وكهلا، فلم تلق منه إلا صبرا وثباتا وصدق مراس ومقاومة، وهو من أخطب أبنائنا البارزين في الحركة. أعانه الله وسدده وأكثر من أمثاله في رجالنا العاملين«.(1)

جرأته في الكتابة الصحفية

مارس الكتابة الصحفية بعد تخرجه من الجامع الأخضر بقسنطينة، في جريدة البصائر، ومن مقالاته الجريئة التي أبدى فيها وطنيته الصادقة، ذلك المقال الذي نشره سنة 1939م، بعنوان (التنكيل بالقاعدين)، وقّعه باسم محمد الطاهر الورتلاني، تعرض فيه لتعسف أعوان الإدارة الاستعمارية الذين انتقموا من الجزائريين البائسين بإحدى قرى آث ورثيلان، بعد عجزهم عن دفع الغرامة المفروضة عليهم، فقاموا بتخريب أكواخهم: »خرجت جماعة من المسلمين وغير المسلمين، يتقدمها قائد الفرقة (الدوار) وكلهم يحمل بين يديه سلاح الأمن، يدخلون الديار بلا استئذان ويفتشون في زوايا المنزل، حتى إذا لم يجدوا شيئا عمدوا إلى أثاث المنزل فحطموه، وإلى سقفه القرمود (كذا) فكسروه. وحاولت النساء الخروج فرارا من اعتداءاتهم تلك فأمسكوا عليهن ونزعوا ما كان عليهن من الثياب وتركوهن عاريات وأخرجوهن. وحكي لي أنهم دخلوا بيتا فعثروا فيه على آنية مملوءة بدقيق من شعير، فحطموا تلك الآنية وأفرغوا على الدقيق الغاز، وقدموه إلى أهل المنزل ليأكلوه. ولو تتبعت إحصاء تلك الحوادث برمتها لما كفتني هذه الصفحة على اتساعها.

هذا والدهر أبو العجائب، والدنيا أم الغرائب ولا يزيد يوم عمر الإنسان في حياته إلا هموما وأحزانا، فلنخضع لقوانين السماء، ولتعمل فينا عملها حتى يأتي الغد، وما الغد بعيد«.(2)

علاقته بالكتابة التاريخية

عرف عن الأستاذ محمد الطاهر فضلاء أنه كان مغرما بالكتابة التاريخية، وبالضبط في مجال التاريخ الثقافي للحركة الإصلاحية، وهذا من باب ربط الأجيال المعاصرة بتراث ومآثر الأجداد. فألف كتبا عن رواد الحركة الإصلاحية الذين تأثر بهم أيّما تأثر، بحكم العلاقة الحميمة التي ربطته بهم، وهم الإمام عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، أهمها:

1- الإمام الرائد محمد البشير الإبراهيمي في ذكراه الأولى، مطبعة البعث، قسنطينة، 1967م.

2- قال الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس، دار البعث، قسنطينة، 1968م.

3- الإمام عبد الحميد بن باديس وأوثان الاستعمار، مطبعة الأنصاري، بيروت 1975.

4- الشيخ الطيب العقبي رائدا لحركة الإصلاح الديني، م. وزارة الثقافة، 1984.

5- دعائم النهضة الوطنية الجزائرية، دار البعث، 1984م.

6- الشيخ خير الدين آثار ومآثر، مؤسسة الضحى، 2000م.

7- المسرح تاريخا ونضالا، دار هومة، الجزائر، 2001م.

8- الشيخ السعيد أبهلول الورتلاني في مجموعة من رسائله ومجالسه وفتاويه، دار هومة، 2004م.

9- السحر الحلال، مجموعة منظومات شعرية، دار هومة، 2006م.

موقفه من كتاب (حياة كفاح)

وفي سنة 1982 أصدر محمد الطاهر فضلاء كتابه الموسوم: (التحريف والتزييف في كتاب حياة كفاح)، وهو عبارة عن الرد على ما ورد في مذكرات الأستاذ أحمد توفيق المدني (حياة كفاح) الصادر في ثلاثة أجزاء. ولا شك أن هذا الأخير كان مناضلا كبيرا، ومثقفا بارزا نذر قلمه لخدمة الجزائر، فألف كتبا تاريخية عديدة، أشهرها كتاب (الجزائر) الصادر سنة 1931م، تعرض فيه بإسهاب لتاريخ الجزائر، ببعديه الأمازيغي والعربي، لتفنيد مزاعم فرنسا، التي كانت تنكر وجود الأمة الجزائرية، وكان أيضا محررا بارعا في مجلة الشهاب وجريدة البصائر.

لكن الأستاذ محمد الطاهر فضلاء، لاحظ بعض الشطط في هذه المذكرات، مؤدّاه أن الأستاذ أحمد توفيق المدني قد نسب لنفسه الشيء الكثير من مآثر الحركة الإصلاحية، إلى درجة أن غمط حقوق الرواد الآخرين، كما أنه أضفى على مذكراته مسحة نرجسية جعلته بمثابة قطب الرحى في نشاط جمعية العلماء، علما أنه حسب شهادة الأستاذ محمد الصالح رمضان لم ينضم إليها رسميا طيلة حياته، بل كان متعاملا معها فقط. ومما زاد الأمر غموضا أن بعض مقالات مجلة الشهاب الهامة قد صدرت دون توقيعها من طرف كتابها، لذا اختلفت الآراء فيما بعد، حول هوية أصحابها. ومهما يكن من أمر، فإن الرد على الكتاب بكتاب آخر، يعد سلوكا حضاريا، من شيمة الكبار الذين يحترمون العلم، ويعملون على إثراء الثقافة بالرأي والرأي الآخر.

إنصافه للزوايا التعليمية

كان الأستاذ محمد الطاهر فضلاء يدرك جيدا بحكم احتكاكه بزوايا بلاد القبائل أن مستواها التعليمي كان منحطا جدا، وفي حاجة ماسة إلى الإصلاح، غير أن ذلك لم يحجب عنه فضل هذه الزوايا في الحفاظ على اللغة العربية، وتعليم القرآن، والشخصية الوطنية بصفة عامة، وهذه عينة مما قاله عن التعليم الديني في الزوايا نقلناها بالتصرف: »... وبفضل هذا التعليم التقليدي البطيء، استطاعت بلادنا وكل البلاد الإسلامية التي أخذت بطرف منه، أن تحتفظ لنفسها بهذا الرداء من الشخصية الوطنية... ولكن علماء وفقهاء هذا التعليم الديني في الزوايا والمساجد، وفي بيوتهم وقراهم أيضا، هو الذي حفظ لهذا الوطن ولكل أوطان المسلمين هذا الإسلام كدين، حفظ اللغة العربية كلغة لهذا الدين، ثم حفظ لهذا الوطن وأهله شخصيته المميزة شكلا ومضمونا«(3).

حفظه لمآثر أخيار الأمة

اختار الأستاذ محمد الطاهر فضلاء أن يكون جنديا متطوعا يسعى من أجل إقامة الجسور بين مآثر الأجداد وأجيال الاستقلال، حتى تدرك الناشئة أن بناء الوطن مرهون بجهود الأخيار، الذين لا يدخرون أي جهد لخدمة وطنهم في السراء والضراء، بالبندقية والقلم. فكتب عنهم كثيرا، كتب عن الأمير عبد القادر، والحاج محمد المقراني، والشاعر الشعبي الأحسن بن بركات، الذي تغنى بثورة 1871م، والمثقف الكبير أمحمد برحال الذي ناضل من أجل الدفاع عن مصالح الجزائريين وإلغاء قانون الأهالي الغاشم، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، والطيب العقبي، ومحمد العيد آل الخليفة، ومحمد الأمين العمودي، والفضيل الورثلاني وإسماعيل العربي، وغيرهم(4).

وباختصار قضى الأستاذ محمد الطاهر فضلاء حياته، منافحا عن وطنه بالقلم والقرطاس، والمسرح الذي كان أحد أعمدته لزرع الجميل في المجتمع، ولتحصين الشباب بالتربية الوطنية والأخلاق والثقافة، باعتبارها سلاح الحياة التي تمكنهم من خوض الخطوب دون مهابة. وظل مرابطا في ساحة العمل الفكري إلى أن لقي ربه راضيا مرضيا في جويلية سنة 2005م، تاركا مجموعة من الأعمال المخطوطة تتمحور حول المسرح بصفة عامة، نرجو أن تنشر مستقبلا.


الهوامش:
1- باديس فضلاء، محمد الطاهر فضلاء، خَطْوُ وأثر، منشورات المكتبة الوطنية، 2008، ص18.

2- البصائر، المجموعة الأولى، السنة الرابعة، العدد 153، بتاريخ 18 فيفري 1939.

3- محمد الطاهر فضلاء، دعائم النهضة الوطنية الجزائرية، دار البعث، قسنطينة، 1984م، ص29.

4- باديس فضلاء، المصدر المذكور.

آخر التغريدات: