جهود عائلة الشيخ السعيد أبهلول العلمية (2/1)

بقلم: محمد أرزقي فراد-

تعتبر عائلة الشيخ السعيد أبهلول من العائلات البارزة في عرش آث ورثيلان، التي ارتبط تاريخها بالعلم وخدمة التعليم العربي، ورعاية المجتمع، وكذا احتضان الفكر الإصلاحي في وقت مبكر. واستمر عطاء هذه العائلة العلمي حتى بعد الاستقلال، خاصة بفضل جهود نجليه محمد الحسن، ومحمد الطاهر فضلاء، اللذين كتبا كثيرا عن التاريخ الثقافي الجزائري.

أسرة الشيخ محمد السعيد أبهلول

ينتمي الشيخ السعيد أبهلول إلى أسرة شريفة (مرابطية)، استقر جدها الأعلى سيدي يذير اُولحاج في قرية "أجبرني"، ثم نزحت عائلته في عهد السيد أحمد أبهلول -على الأرجح- إلى قرية اُولمُوثَنْ، التي كانت تعد إحدى منارات العلم ببلاد القبائل (الزواوة)، وتعج بالعلماء والطلبة، وتستقطب الدارسين والمدرسين. وهناك ولد الشيخ الطاهر، ونجله السعيد أبهلول. هذا وتجدر الإشارة إلى أن عائلته قد غيرت مقر إقامتها أكثر من مرة، فقد باع والده كل أملاكه في قرية اُولموثن، واشترى أملاكا أخرى بقرية ثِيغِيلتْ أنْثاقْوينْ، قرب قرية الجمعة المركزية، وبعد وفاة والده ودفنه بوصية منه في قرية اُلمُوثنْ، انتقل الشيخ محمد السعيد إلى قرية آث شبانة، للخروج من نفوذ "قايد" دوار آث ورثيلان، اثر نشوب خلاف بينهما، واستقر في الأخير بآث وغليس أثناء تدريسه بزاوية سيدي موسى الوغليسي.

وما زالت العائلة تحتفظ بشهادة ميلاد هذا الأخير، التي دوّنها والده على النحو التالي: "ازداد ولدي محمد السعيد في اليوم الثامن من رجب أحد شهور الله الحرم من عام 1276 هـ (1859 - 1860م) سنة ست وسبعين ومئتين وألف(هـ). جعل الله البركة في عمره وأنبته نباتا حسنا، ورزقه العلم النافع، والقلب الخاشع، والرزق الواسع، والعمل المتقبل، وحفظه مما يخشى منه، وجعله بارا لربه مع والديه، وحشرنا وإياه مع آبائنا في زمرة مؤلفي هذا الكتاب (مخطوط متنوع)، وتغمدنا برحمته آمين، بجاه محمد وآله صلى الله وسلم على رسول الله وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا كثيرا كثيرا."(1)

تحصيله العلمي

كان من عادة الأسر العريقة في العلم، أن يتلقى الأبناء تعليمهم الابتدائي، وأن يحفظوا القرآن في أحضان العائلة، وهكذا حفظ الطفل محمد السعيد القرآن على والده في سن العاشرة، مع إخوانه محمد الحسن، وعبد المالك، ومحمد الباهي، علما أن أخواته كلثوم، وضاوية، وفاطمة، وجميلة، قد حفظن ما تيسر من القرآن أيضا في المنزل، بل وحتى أمه بحكم مجالستها لزوجها وأبنائها. وكان حفظ متون قواعد اللغة العربية، والفقه، ضمن برامج التعليم التقليدي المتميز بالتركيز على الحفظ، قبل إدراك المعاني واستيعاب الشروح.

ثم أكمل تحصيله العلمي على شيوخ زمانه الأكفاء، فأخذ العلوم الشرعية، وعلوم العربية عن الشيخ يحيى حمودي، إمام ومدرّس مسجد قرية اُولمُوثن السالفة الذكر، ثم عن نجله الشيخ عبد الله حمودي، والشيخ السعيد بن الحريزي العيدلي، وأخذ علم التصوف عن الشيخ محمد القاضي صدوقي، أما المنطق والفلسفة الإسلامية فقد أخذهما عن الشيخ أحمد بالرحاب. واستفاد أيضا من مجالسة عدة شيوخ، منهم حمدان لونيسي، وعبد القادر المجاني، عاشور الخنقي البسكري، وصالح بن مهنا القسنطيني الأزهري. وهكذا فقد صنع منه هذا التكوين المتكامل، فردا صالحا، وعالما أضاء دروب مجتمعه، وأخذ بأيدي قومه نحو بر الأمان(2).

نشاطه التربوي

استطاع الشيخ السعيد أبهلول بفضل رعاية عائلته واجتهاده وموهبته، أن يصير علما من أعلام زمانه، تميز بثقافته الموسوعية. وكان من عادة آث ورثيلان أن يستقبل المعلمون طلبتهم في منازلهم على أن يتكفل المحسنون بإطعامهم، فلم يشذ الشيخ محمد السعيد عن هذه القاعدة، أثناء إقامته بقرية آث شبانة. ونظرا للمدة الطويلة التي قضاها في رحاب التعليم (60 سنة)، فقد مارسه في العديد من المناطق، في الشرق الجزائري كعين البيضاء، وواد زناتي، وزوايا بوقندوره، وبن سعدان، بوقشابية. كما درّس في العديد من زوايا بلاد القبائل كزاوية فريحة بآث ورثيلان، ومسجد قرية أنّو (قرية الرحالة الحسين الورثيلاني) أين تتلمذ على يده المصلح الكبير الشيخ فضيل الورثيلاني، وزاوية أحمد زروق بآث وغليس، وزاوية آث منصور، وأخيرا زاوية سيدي موسى بآث وغليس التي قضى فيها 36 سنة وبها توفي سنة 1945م، وكُرّم بدفن جثمانه في ضريح مؤسسها تقديرا لجهوده العلمية وتفانيه في رعاية المجتمع، وقد رغب في ذلك، لأنه كان يحب ويحترم الصالحين. هذا وكانت زوايا بلاد القبائل المتميزة بجودة تعليمها، تستقطب طلبة العلم القادمين من معظم مناطق الشرق الجزائري.

نشاطه الاجتماعي

فضلا عن التربية والتعليم، كان الشيخ السعيد يقوم بمهام اجتماعية عديدة كعقد الصلح بين المتخاصمين، وتلبية طلبات المواطنين في مجال الإفتاء، والوعظ والإرشاد، خاصة في مسجد سيدي عيش، أين كان يعقد جلساته الأسبوعية أيام الأربعاء التي تقام فيها سوق أسبوعية يقصدها خلق كثير من مناطق عديدة. لذلك نجح في تحصين الجزائريين بالقيم الإسلامية، وفي إبعادهم عن الإدارة الفرنسية ومحاكمها.

تميزت سيرته وأعماله بالوسطية والاعتدال، وانتهاج التدريج في معالجة مظاهر الجهل والتخلف، وما نجم عنهما من بدع ودروشة، فهو مثلا لم يعادي الأولياء الصالحين، بل كان يحترمهم ويتبرك ببركاتهم ويعتبر محبتهم وسيلة للتقرب إلى الله، لكنه من جهة أخرى كان يحارب ذهنية العوام المنحرفة التي جعلت الأولياء -أحياء وأمواتا- بمثابة أنصاف الآلهة يمنحون ويمنعون، وهو ما يعد مظهرا من مظاهر الشرك. ورغم قوة القوانين العرفية المهيمنة على المجتمع القبائلي، فإنه كان جريئا في رفضها عندما تصطدم بالشريعة، كمنع المرأة من الميراث، وبعض المعاملات في مجالي الفلاحة والتجارة.

مكانته في قلب ابن باديس

استطاع الشيخ محمد السعيد بفضل هذه الرؤية المتبصرة أن يفتك تقدير جمعية العلماء ورئيسها الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي دأب على الاتصال به كلما سنحت الفرصة بذلك، ففي شهر جوان سنة 1933م، وجه له الدعوة لحضور الاجتماع العام للجمعية، جاء فيها قوله: "... سيدي الأخ، إن الجمعية لا تنهض بواجبها في نشر العلم والهداية إلا بأعضائها أمثالكم، ولا تكون لها منزلتها اللائقة بها في العيون والقلوب إلا إذا مثلها أعضاؤها العاملون، والمؤيدون في هذا الاجتماع، بوجودهم فيه أصدق تمثيل، ولهذا فإنا نؤكد عليكم بالحضور لنتعاون جميعا في الخير الذي تقصده الجمعية، بعيدين عن كل صبغة سياسية وغاية فردية. والله نسأل أن يوفقنا كلنا لإسعاد العباد والبلاد، وخدمة الدين وبنيه، والوطن وجميع ساكنيه، والسلام عليكم . من أخيكم عبد الحميد بن باديس."(3)

استنساخ الكتب

التجأ العلماء في الجزائر إلى استنساخ الكتب، لتعويض ندرة المطبوع منها، سواء للاستعمال الشخصي، أو للبيع، أو للغرضين معا. وكان الشيخ السعيد يمارس استنساخ المصاحف بخطه المغربي الجميل لنفسه، ولغيره أحيانا حتى يقتني الكتب التي يحتاج إليها مطبوعة كانت أو مستنسخة. وعُرف عنه أنه كان يستنسخ مصحفا كاملا في أقل من نصف شهر.

آثاره العلمية

لم يتفرغ الشيخ محمد السعيد أبهلول للكتابة، لكثافة نشاطاته، ففضلا عن التدريس أخذ نشاطه الاجتماعي، الذي كان يتطلب عقد اجتماعات وتنقلات في الجبال، جل وقته، وعليه فإن ما تركه من مخطوطات، يعد قليلا بالنظر إلى كفاءته العالية. ونشر -حسب علمي المتواضع- كتابا واحدا في حياته بعنوان: [في الرد على القائلين من الطرقيين بوجوب تلقين الأوراد للعوام من المريدين]، طبع بمطبعة رودوسي بشارع لالير بالعاصمة الجزائرية، ما بين 1926 - 1928م. واستقبله علماء الإصلاح بترحاب، واعتبروه سندا قويا لجهودهم الإصلاحية، وقرّضه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي تقريظا حسنا، في رسالة مطوّلة وجهها إلى مؤلفه. ولست أدري إن كان هذا التقريظ قبل طبعه، أم بعد صدور الطبعة الأولى للكتاب؟ لأنه وردت في هذه الرسالة فقرة خاصة يشير فيها الشيخ الإبراهيمي إلى كيفية طبع الكتب، مفضلا مطابع مصر. ولعل مؤلفه قد سعى لإعادة طبعه بسبب الأخطاء الكثيرة التي حملتها طبعة رودوسي. وعلى أي حال فقد أثنى على الكتاب في رسالته، ثناء حسنا، جاء فيها على الخصوص: "... المسالة التي كتبتم فيها هي المسألة الشاغلة لأفكار دعاة الإصلاح الديني في الشرق، والحقيقة في أنظارهم بأن تكون بمحل العناية والاهتمام... لذلك تضاعف فرحي وابتهاجي حين اطلعت على فكركم في هذه المسألة، وأنا أعُدّكم من أنصار هذه الحركة المباركة (حركة الإصلاح الديني) وأقوى ظهرائها في هذه البلاد المنكوبة التي ابتليت بجدب العقول وقحط الرجال المصلحين."(4)
أما البقية الباقية من آثاره المدونة، فهي في مجملها فتاوى في مجالي العبادات والمعاملات، وشوارد وسوانح تمحورت حول شعر الحكمة الذي كان مغرما به، والفرائد الأدبية من حكم وأمثال متنوعة، وقليل من دروسه التي دوّنها لطلبته. هذا وقد قام نجله الأستاذ محمد الطاهر فضلاء بجمع تراث والده في كتاب بعنوان: [الشيخ السعيد أبهلول الورتلاني في مجموعة من رسائله ومجالسه وفتاويه] صدر سنة 2004م، عن دار هومة للنشر، بالجزائر (445 صفحة)

مكتبته الخاصة

لا شك أن الشيخ السعيد قد ورث عن والده مكتبة عامرة، أثراها بالكتب المطبوعة والمستنسخة. وشملت معظم مجالات المعرفة، كالعلوم الشرعية (توحيد، فقه، تفسير، حديث، سيرة، تجويد، خطب منبرية، فرائض، ابتهالات)، والتصوف، وعلوم اللغة والأدب (نحو. صرف. بلاغة، عروض، شعر)، والطب والحساب، وعلم الفلك، والقواميس، والتاريخ ، وغيرها من مجالات الثقافة العامة.

ومن الطبيعي لمن كان على هذا القدر من علو المكانة، أن يحظى بتقدير الرأي العام، وأن تكون له منزلة سامية في المجتمع، يُنظر إليه بعين التجلة والإكبار.

-يتبع-


الهوامش
1- محمد الطاهر فضلاء،الشيخ السعيد أبهلول الورتلاني في مجموعة من رسائله ومجالسه وفتاويه، دار هومة، 2004م، الجزائر، ص7.

2- محمد الحسن فضلاء، من أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1، 200، ص 37.

3- محمد الطاهر فضلاء، المصدر المذكور، ص 187.

4- م.الطاهر فضلاء،دعائم النهضة الوطنية الجزائرية، دار البعث،ط1، قسنطينة،1984،ص44.

آخر التغريدات: