اهتمامات جريدة البصائر بقضايا الجزائريين الزيتونيين

بقلم: أ.د. حنيفي هلايلي-

تبوأت الصحافة مكانة عظيمة في نضال جمعية المسلمين الجزائريين ومشروعها الإصلاحي. والظاهر أن جمعية العلماء أدركت نجاعة وفعالية الصحافة في التأثير على الرأي العام وإيصال المعلومة إليها ودفع الشبه عنها عما يرميها بها أعداؤه الكثر من الطرقيين والمستعمر الفرنسي، ما جعلتها تهتم اهتماما بالغا من مظاهر العناية الفائقة بإصدار الجرائد والمقالات والكتابة فيها باللغة العربية والغرنسية. لا يختلف اثنان أن جريدة البصائر هيأ برز جرائد الجمعية وهي من أهم صحف هذه الجمعية، ومن أكبر الصحف العربية الجزائرية شهرة وانتشارا ومن أعظمها أهمية لما تركته من أثر عميق في مجرى الحياة الوطنية من جميع نواحيها.

تعد البصائر رابع صحف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأسبوعية. أنشأت بعد تعطيل الإدارة الاستعمارية لثلاث جرائد للجمعية في سنة واحدة وهي السنة المحمدية (1933)، الشريعة المطهرة (1933)، الصراط السوي (1933-1934) فقد وصل الأمر إلى أن الحاكم العام جول كارد (1930-1935) (Jules Carde 1889-1949) قد أصدر مرة أمراً استبدادياً، يقضي بتعطيل كل صحيفة، تصدرها جمعية العلماء مسبقاً، قبل ظهورها. ورغم ذلك لم تنثن إرادة العلماء، وعلى رأسهم السيخ عبد الحميد ابن باديس(1889-1940) في مواصلة إصدار الجرائد، فأهادت الجمعية طلبها الرخصة القانونية بإصدار جريدة تكون لسان حالها. وبعد مدة ليست بالقصيرة، أذنت لها الإدارة الاستعمارية بإصدار جريدة "البصائر"، وذلك في 1 شوال 1354 هـ الموافق لـ27 ديسمبر 1935 م.

لقد أفلتت (البصائر) من توقيف الإدارة الاستعمارية حيث ظلت تصدر بانتظام إلى سنة 1939 م. خلال هذه المرحلة أشرف عليها السيخ (الطيب العقبى: 1898-1960) من أول عدد لها 27 سبتمبر 1935م(2) إلى العدد 83 الصاًدر في 30 سبتمبر 1937 م، حين تحوك إدارة تحريرها من العاصمة إلى قسنطينة، وعين المجلس الإداري لجمعية العلماء السيخ (مبارك الميلي؛ 1896-1945) مديرا ومحررا لها خلفا للسيخ (العقبي) إلى أن توقفت بسبب الحرب عند العدد 180 الصادر في 25 أوت 1939 م، حيث قررت الجمعية تعطيلها مع إعلان الحرب العالمية الثانية، لئلا تتعرض لضغوط ومساومات الإدارة الاستعمارية التي طلبت منها أن تعلن باسمها وتكتب في صفحاتها، تصريحات ومقالات ضد دول المحور. كانت جريدة البصائر تصدر يوم الجمعة قبل أن تتحول إلى يوم الاثتين وتحتوي على ثماني صفحات ويكون العنوان دائما أسودا وفي بعض الأحيان أخضرا أو أحمر، ويكتب فوقه الآية القرآنية (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) [سورة الأنعام آية 105](3).

وتحت عنوانا لجريدة نجد هذه العبارة (لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)؛ ويزخر كل عدد بمجموعة من الصور. وتعد (البصائر) الجريدة الوحيدة التي بقية تصدر بعد وفاة الشيخ ابن باديس من بين الجرائد التي أشرف على إصدارها، حيث عادت إلى الصدور بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من عام 1947 م إلى غاية 1956 م، بإشراف وإدارة رئيس الجمعية الثاني الشيخ محمد البشير الإبراهيمى (1889-1965). وقد بدأ صدورها يوم 25 جويلية 1947 م، ولكنها تم تلبث أن توقفت عن الصدور مجددا من طرف المشرفين عليها في 6 أبريل 1956 م بعدد 361 من إصدارها الثاني بسبب احتدام الثورة التحريرية وصعوبة العمل في ظل القمع الاستعماري الذي لحق بكافة شرائح المجتمع الجزائري في تلك الحقبة.

مكانة الجريدة محليا ودوليا :

تعد جريدة البصائر من أكبر الصحف العربية شهرة وانتشارا خلال الحقبة الاستعمارية، لما تركته من أثر في مجريات الحركة الوطنية الإصلاحية. ونستقرأ قيمة الصحيفة من تصريح الشيخ باعزيز بن عمر: "إن سرورنا اليوم عظيم بعودة هذه الجريدة التي تعرف ما تقول وتكتب ما ينفع ويسر"(5). لقد نالت إعجاب العرب مشرقا ومغربا، وتناولت قضايا العرب والمسلمين، وهذا كما جاء في إحدى مقالاتها: "البصائر كيف يراها إخواننا في المغرب الأقصى"(6).

دور جريدة البصائر في المشروع الإصلاحي:(7)

نستشف من نصوص البصائر عبر مراحل نشراتها أنها لعبت دورا إصلاحيا طلائعيا من خلال :

· وحدت بين جهود المصلحين ومدت روابط التعاون بين طلائع الإصلاحيين الجزائريين إبان الفترة الاستعمارية.

- عرفت بالدين الصحيح.

- نفخت في نفوس الجزائريين على المستويين الداخلي والخارجي حب الوطن والتضحية وغرس روح الأمل والنهوض بالأمة الجزائرية في ظل نكسة الاستعمار الفرنسي.

- كشفت مكائد أعداء الدين والوطن من المستعمرين والخونة عملاء الاحتلال.

- أعادت للغة العربية مكانتها الطبيعية.

- أيدت قضايا العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، وهو ما عبرت عنه: "طلعت علينا من عاصمة الجزائر فأسمعت العالمين الشرقي والغربي صوتها العالي المرفوع"(8).

- ساهمت في تحرير الجزائر فكريا ولغويا ودينيا وقوميا.

- أرست للعلم الصحيح والاجتهاد القويم وأرزت مناهجه الصحيحة.

- أيقظت الشعور بالمسؤولية النخبة المثقفة.

- كانت جريدة تربوية دعوية إصلاحية تهذيبية.

- النشاط الطلابي الجزائري في تونس (1881-1954) من خلال جريدة البصائر

شكلت الشريحة الفطلابية الجزائرية في تونس تنظيما طلابيا، وقد شاركت في أول إضراب عرفته تونس ضد نظام الحماية في سنة 1912. وتطور هذا التنظيم بتأسيس جمعية تلاميذ جامع الزيتونة التي تولى الطيب بن عيسى الجزائري وعبد الرحمان الكعاك إعداد قانونها الأساسي.(9) تأسست جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين في حدود سنة 1933، وكان مقرها بنادي الشبيبة التابع لمدرسة جمعية قدماء المدرسة الصادقية؛ تعاطفت مع الحزب الدستوري، وحصلت على رخصتها في 20 جويلية 1934 ؛ تولى رئاستها الشيخ المهدي البجائي والعضوية الشرفية لشيخ الزيتونة المختار بن محمود (1904-1973)؛ ثم أسندت الرئاسة فيما بعد للشيخ عبد المجيد جرش.(10)

ترجح المصادر التاريخية أن تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كان وراء تشجيع الطلبة الجزائريين للالتحاق بالحركة التعليمية في تونس، وهذا منذ زيارة الإبراهيمي (1889-1965) لتونس في أواخر سنة 1934،(11) الذي أوصى بضرورة تأسيس هيئة إدارية لجمعية الطلبة الزيتونيين بالرغم من توافد الطلبة الجزائريين إلى تونس بشكل فردي وجماعي كالبعثة الباديسية التي عانت الأمرين على غرار البعثة الميزابية التي كانت لها حظوظ وافرة بسبب الإيرادات المالية المتواجدة بتونس. وفي هذا الصدد يقول الجابري :" استغرق العمل على إخراج الجمعية من طور التمهيد والتفكير والمشادات إلى الطور العلني بضع سنوات تتعلق بالأوضاع الخاصة بالطلبة الجزائريين الذي كانوا مشتتين وغير متمرسين على الأعمال التنظيمية، تنخرهم الحاجة والفاقة وتستبد بهم الغربة ويعوزهم قلة الوعي وصلابة القيادة"(12).

ساهمت الظروف السياسية في تونس إلى عقد مؤتمر موسع للطلبة الجزائريين في نوفمبر، انبثق منه انتخاب الشاذلي المكي (1913-1988) رئيسا للطلبة الزيتونيين الجزائريين، وهذا في إطار هيكلة القيادة وتعميق عملها في الاطار التربوي والعلمي، وعقد اللقاءات مع الأوساط الطلابية بغرض التحصيل الفكري والديني والسياسي.(13) توسعت الكتابات بالنشرات الطلابية لتصل إلى مساهمة العديد من الجزائريين، ومن بينها كتابات الشيخ أبو يعلى الزواوي (1862-1952) الذي كتب عن موضوع الهجرة، والشيخ علي مرحوم الذي حث الطلبة على التضحية في سبيل الوطن.(14)

تعددت نشاطات الطلبة الجزائريين في تونس من مرحلة تلقي الدروس والتحصيل العلمي إلى مرحلة تأسيس الجمعيات، ومشاركتهم لإخوانهم التونسيين، كجمعية الشبيبة التونسية في جانفي 1937 برئاسة حسين بن عيسى الجزائري وجمعية شبيبة شمال إفريقيا في فيفري 1938، وضمت عديد الطلية الزيتونيين، وقد عبر الشاعر الجزائري الأخضر السائحي عن هذه القفزة النوعية للزيتونيين في أبعادها السياسية :

سندرأ بالسيف عنك العذاب *** ونرفع باسم فيك اسم

فمن للجزائر غير شباب *** يجاهد بالسيف أو بالقلم

غدا ليتحقق ذلك الأمل *** لديك وليس غد ببعيد(15)

وخلال الحرب العالمية الثانية انعكست آثارها على نشاط الزيتونيين الجزائريين فظهرت جمعية جديدة في شهر أبريل 1946 برئاسة الشيخ أحمد بوروح والرئاسة الشرفية للشيخ الطاهر بن عاشور (1909_1970)، ثم عادت الرئاسة لعبد الرحمان شيبان؛ الذي ساهم في حل مشكلة إسكان الطلبة بتونس وإقامة الذكرى السادسة لوفاة ابن باديس. وهذا ما يفسر ارتباط الطلبة الجزائريين وولائهم لأساتذتهم بجامع الزيتونة(16). وخلال سنوات 1947-1948، أصدر الطلبة الزيتونيين الجزائريين: نهضة الجزائر المعاصرة، نحن طلاب العزة والكرامة، مبلغ الإحساس الوطني الجزائري(17). هنالك أسماء عديدة ساهمت في استمرار نشاط الطلبة الزيتونيين، نذكر منهم: إبراهيم مزهود، ومصطفى بوغابة، ومحمد الميلي، ومحمد الشبوكي، وعبد الله شريط، وقد أصبح العمل الطلابي في تونس من اهتمامات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في برنامجها الأساسي؛ وحسب التقارير الفرنسية فإن جمعية الطلبة الزيتونيين كانت بمثابة الناطق الرسمي لجمعية العلماء بتونس.

في عام 1957 انحصر النشاط السياسي للطلبة الزيتونيين في نظام موحد هو الاتحاد العام للطلبة الجزائريين الموجه ض طرف جبهة التحرير الوطني.(18)

اهتمامات جريدة البصائر بتونس بقضايا الجزائريين الزيتونيين:

أشار الإبراهيمي في مذكراته عن أوضاع الطلبة الجزائريين بالجزائر خلال الفترة الاستعمارية ما نصه: "كان تعداد الطلبة الجزائريين لا يتجاوز عشر مجموع الطلاب البالغ معددهم خمسة ألاف طالب في جامعة الجزائر، كانوا يعيشون في وسط مغلق، لهم حيهم ومطعمهم وجمعيتهم الخاصة؛ كانت اتصالاتهم بزملائهم الأوروبيين قليلة...(19)

من القضايا الحساسة التي كانت تناقش في الأوساط الزيتونة منن مطلع القرن العشرين الأفكار القومية والحركة النقابية ومواضيع تحرير المرأة والنهضة الثقافية والدينية. نشط الطلبة الجزائريون بتونس في إطار جمعوي، فمنذ 1934 أسس الطلبة الزيتونيين من وادي سوف سنة 1937 جمعية تساعدهم على التحصيل الدراسي، ومنذ الأربعينيات تشكلت البعة الجزائرية الزيتونية لجمعية العلماء وتفرعت هذه الجمعيات تحت إشراف الطلبة الزيتونيين إلى ما يلي:(20)

- جمعيات ذات طابع ثقافي.

- جمعيات إعانة الطلبة والدفاع عن مصالحهم.

- النوادي السياسية والثقافية.

- الجمعيات الرياضية. (جمعية الرابطة الرياضية الزيتونية في جانفي 1931).

- جمعيات الكثافة. (الكشاف المسلم التونسي طة 1944).

يحق للدارس أن يسأل عن العوامل التي أدب بالعلماء والطلبة الجزائريين إلى الهجرة نحو تونس؟ هناك عوامل كثيرة،أبرزها:

- العامل الروحي المتمثل في وجود شيوخ طرق صوفية اشتهرت بتونس وذاع صيتها. وكثرة مراكز التعليم الديني والمدارس القرآنية.

- العامل الاستعماري، إذ هاجر العلماء والطلبة منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، وخاصة بعد نجاح الإصلاحات التعليمية التي قادها خير الدين. وهروب الشباب الجزائري من سياسة التجنيد الإجباري الذي فرضته سلطات الاحتلال منذ 1912 وقد صدرت فتاوى بهذا الشأن في تحريم التجنيد من طرف علماء الجزائر كفتاوى عبد الحليم بن سماية (1866-1933) والشيح عبد الحميد بن باديس.(21)

- العاهل الأمني: شهدت تونس هدوء، نسبي واحترام سلطاتها للعلم والعلماء.

- دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلى رأسها الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهو أمر أشار إليه الإبراهيمي في البصائر: "إن قطع ألاف الأميال في سبيل التعليم الابتدائي ليست من العقل ولا من السداد، وما دامت معاهدنا كليات فالواجب أن لا يرحل إليها إلا من استكمل التعليم الابتدائي في وطنه، وقطع مراحله في مكاتبه أو مدارسه أو زواياه واستعد لتعليم الثانوي، فهناك تحسن به الرحلة وتكون لها فائدة؛ وهذا واجب تشترك فيه الأمة والجمعية والطلبة.(22) وكان لابن باديس أثر واضح في توجيه طلبته نحو الزيتونة منذ تخرجه منها سنة نشرت جريدة (المشير) التونسية في عددها الصادر في 6 أوت اسم الطالب عبد الحميد بن باديس ضمن أسماه الطلبة الزيتونيين الذين نالوا شهادة التطويع (العالمية)، من الجامع الأعظم في نهاية السنة الدراسية (1910-1911). وكان ترتيبه الأول بين جميع الطلبة الناجحين كما كان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج من الزيتونة في تلك الدورة.

و في رحاب الزيتونة أتم ابن بأديس أربع سنوات دراسية متواصلة (1908-1912)، وخلال فترة تواجده بالزيتونة توطدت وتعمقت صلته بالشيخين محمد النخلي القيرواني (1862-1924)، ومحمد الطاهر بن عاشور (1879-1973).

والظاهر أن تونس أصبحت مركز استقطاب علمي لأفراد الجالية العربية خلال الفترة الاستعمارية، وكان التعليم الزيتوني بالجامع الأعظم وفروعه عامل وحدة وتقارب بين الجاليات العربية المقيمة بتونس. لقد عبرت البصائر بدور الجامع الأعظم ما نصه: "أن الذي يدرك قيمة ذلك المعهد وفضله على هذه الأمة الإسلامية العربية المنتشرة على أرض الشمال الأفريقي في حياطة دينها، وحفظ لغتها وصيانة أدبها والصورة الحقيقية لروحها وشخصيتها، يدرك ولا شك ضدها يأخذ في علاج مشاكله...

إن جامع الزيتونة أدام الله عمرانه قد بقي طيلة هذه القرون العديدة التي مرت على إنشائه كعبة الشمال الإفريقي ومنارة الدين ومبعث أقطاب الشريعة وعلومها وحفظها اللغة العربية وآدابها..." ."(23)

ونقتبس من الزيتونية ما نصه: "للزيتونة وعلمائها وشيوخها وأئمتها أفضال كثيرة جدا على الجزائر والشعب الجز|ئري خاصة في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وذلك في الفكر والثقافة والتربية والتعليم، لأن الاستعمار الفرنسي عندما احتل البلاد عام 1830، ركز كل جهوده على تجهيل الشعب الجزائري وتفقيره وحرمانه من نور والمعرفة"(24).

عندما عاد عبد الحميد ابن باديس (1889-1940) من تونس في رحلته الثانية التي شارك فيها في تأبينية البشير صفر (1863-1917)، عبر عن صدق مشاعره لعلماء تونس بقوله: "حقا إن لتونس هوى روحيا بقلبي لا يضارعه إلا هوى تلسان... إن كراريس البشير صفر الصغيرة الحجم الغزيرة العلم هي التي كان لها الفصل في اطلاعي على تاريخ أمتي وقومي والتي زرعت في نفسي هذه الروح التي انتهت بي اليوم لأن أكون جنديا من جنود الجزائر"(25).

يعد جامع الزيتونة(26) ثاني الجوامع التي أقيمت بإفريقية بعد جامع عقبة بن نافع بالقيروان. وينسب أمر تشيده عام 116 هـ-732 م إلى عبيد الله بن الحبحاب كما ينسب إلى حسان بن النعمان فاتح تونس وقرطاجنة فيكون أمر بنائه لأول مرة سنة 79هـ-698 م، وهذا هو الأرجح حسب أغلب المؤرخين لأنه لا يحتمل أن تكون مدينة تونس قد بقيت بدون جامع بين فتحها وبين سنة 116 هـ وبناه على هذا فإن عبيد الله بن الحبحاب يكون قد أتم فقط عمارة الجامع وزاد في ضخامته. لقد اختلفت الروايات حول تحديد من قام ببناء هذا الجامع الذي بات ذكر توس مقترنا به، ومكن افريقية من سبق تأسيس اًول جامعة علمية إسلامية في التاريخ الإسلامي. فالبكري في كتابه "المسالك والممالك" وابن خلدون في كتابه "العبر" وكذلك السراج صاحب "الحلل السندسية في تاريخ البلاد التونسية" وحسن حسني عبد الوهاب في كتابه "خلاصة تاريخ تونس" يرون أن باني الجامع هو عبيد الله ابن الحبحاب سنة 114 هـ أو 116 هـ.

أما المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف في كتابه "اتحاف أهل الزمان بأخيار ملوك تونس عهد الأمان" فإنه يرى أن بانيه هو حسان بن النعمان سنة 84 هـ. وقد أصاب ابن أبي دينار في كتابه (المؤنس في تاريخ إفريقية وتونس) حين غزا تأسيس المسجد إلى حسان بن النعمان والزيادة في ضخامته إلى عبيد الله بن الحبحاب. وهناك من يرى أن حسان بن النعمان قد بنى مسجدا صغيرا بالغرب من جامع الزيتونة ومن ثم فإن فكرة تأسيس المسجد يمكن أنها كانت لحسان لكن البنا لم يبدأ إلا في عهد عبيد الله. وقد كتب ابن باديس عن الزيتونة ووفاه لتونس: "كان الشيخ الهاشمي شيخ الطريقة، رجلا قويا ذكيا واسع الحيلة بعيد النظر، قدم أبناءه لجامع الزيتونة المعمور وحبس أملاكه كلها على العلم".(27)

أشاد الشيخ الإبراهيمي بدوره بقيمة الزيتونة بالرغم من أنه تتلمذ بالمدينة المنورة، وأقر بالعلاقة الروحية والعضوية بين الزيتونة ومعهد ابن باديس بقسنطينة، وكان يردد دائما: "أنا لم أتخرج من الزيتونة ولم أقرأ في الجامع حرفا ولكنني تخرجت بالمدينة المنورة على أضوء كواكب الزيتونة في وقته".(28) كتب ابن باديس مقالا أخر في البصائر جاء فيه: "تونس قبلة الجزائر العلمية ومأزرها الذي تأزر إليه في النوائب ومنارتها التي تشرق منها على تشرق وأنواره، فلا عجب، إذا حرصت جمعية العلماء على تمتين الحبال الواصلة بين الجزائر وبينها".(29) ولم ينس شاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة عندما رثى الشاعر التونس الشاذلي سنة 1954، بذكر أفضال جامع الزيتونة ومسجدها الأعظم:

حبنا الأعظم فيها من أب *** وسعا الأبنا، برا وحنانا

قد سبحنا أمدا في أفقه *** واقتبسنا من دراريه سنانا(30)

والواقع أن الدعاية التي قامت بها جمعية العلماء لصالح الشباب الجزائري للتغرب وطلب العلم نحو معاهد الزيتونة بتونس العاصمة كانت وراء ارتفاع عدد المنتسبين الجزائريين حيث بلغ في سنة 1952 نحو ألف وخمسمائة طالب جزائري.(31) تحدث أحمد الشريف السنوسي من دور ومكانة جامع !لزيتونة في نفوس الشبان الجزائريين: "لم تزل كلية الزيتونة القرن أوائل الثاني كعبة القصاد ومركز الثقافة الإسلامية العربية وملقنة المبادئ التي عليها يرتكز هيكل الشعوب الإفريقية".(32) لقد حث الطالب أحمد بوزيد الجزائريين الزيتونيين بكتابة ذكرياتهم عن الزيتونة وتونس: "تونس الخضرا بجامعها الأعظم المعمور الذي يؤمه الجزائريون للتفقه في علوم العربية والإسلام قد صارت وطنهم الثاني أو وطنهم الفكري والروحي... فأصبحت لهم خالة... تونس الخضرا الكريمة المضيافة... ونزلوا بها على الرحب والسعة منزل المكرهين"(33).

وفي السياق نفسه كتب الطالب عمار النجار الكاتب العام للجمعية بتونس سنة 1948 :لقد فتحت هذه الأمة العطوف ذراعيها لكل نازح ولكل ناهل من ذلكم النهل العذب والمقتبس من تلك الشعلة الثاقبة... فإن المدارس ما يغلب أن تكون أكثريتها من الطلبة الجزائريين... هذا ما عملته الأمة التونسية إزاء شقيقتها الجزائر"(34) بفضل هذا العطاء نوه الشاعر خرفي بما يلي: "ولو أعطينا الأولوية للبيئة العلمية التي تخرجت فيها الطليعة لجاءت تونس في الدرجة الأولى، والحقيقة أن الزيتونة كانت دوما محل تقدير من طرف الخرجين، الذين عرفوا ما لهذا المعلم العلمي الجليل من الأثار الساسية والفكرية والدينية على الأوضاع والتغيرات التي يمكن أن تحدث بالجزائر".(35)

إن مظاهر الوفاء والتكريم الذي أبداه الطلبة الجزائريون المهاجرون نحو تونس تعتدت؛ وشدت عرى اللحمة بين الشعبين، مما كان له الفضل في جعل الكفاح المشترك ضد المستعمر الفرنسي؛ وذلك حاصل نتيجة التجاوب بين المناضلين التونسيين والجزائريين على حد سواء منذ الشيخ عمر بن قدور وسلسلة مقالاته السياسية الوطنية المنشورة في الصحف التونسية منذ 1911، وتتلمذ ابن باديس بالزيتونة (1908-1912)، على يد الإصلاحيين الزيتونيين. إلى ذلك يضاف البعثات العلمية من وادي ميزاب والتي تلاحمت مع النخب التونسية منذ 1913 ، وساهمت في لعب أدوار سياسية وطنية عند عودتها بالجزائر.

مواقف ابن باديس من سياسة التجنيس من خلال جريدة البصائر

تبلور الصراع بين جمعية العلماء المسلمين وإدارة الاحتلال الفرنسي في الفترة ما بين عام 1933-1939 وذلك منذ أن صدور قرار توقيف الصحف منذ عام 1933، وتطور الصراع أكثر وبصورة واضحة عند طرح مشروع التجنيس مرة ثانية في عهد موريس فيوليت (Maurice Viollette)(37).

إن مسألة التجنيس لم تكن جديدة على ابن باديس بقدر ماكانت مفاجئة عندما طرحت عن طرف حكومة الجبهة الشعبية بإعتبارها جبهة يتوقع منها تقدير معاناة الشعب الجزائري فتعمل على منحه الحقوق. لكنها اتبعت أسلوبا زاد في تعقيد الأمور. وقد سبقت محاولة لما صدر القانون الإمبراطوري في14 حويلية 1865، والمعروف "سانتوس كونسولت (Senatus-consulte) تمهيدا لطمس الشخصية الجزائرية، والذي ينص على أن: "الجزائري لا يمكن أن يتمتع بإمتيازات الجنسية الفرنسية الا إذا تخلى عن أحواله الشخصية الإسلامية".(38) والواقع أن قضية اندماج الجزائريين في الحضارة الفرنسية، وهي مؤشر خطير عبرت عنه سياسة فرنسا الاستعمارية منذ 1965.

كان القانون يشترط على طالبي التجسس التخلي عن أحوالهم الشخصية المستمدة من الإسلام والمتعلقة أساسا بمسائل الزواج والطلاق والميراث، والقبول بتحكيم الإجراءات طبقا للأحكام والقوانين الفرنسية، ومعناه التنازل طواعية عن الدين والشخصية؛ وهي عناصر أساسية في البرنامج الإصلاحي لجمعية العلماء.

واجه ابن باديس سياسة جديدة اسمها التجنيس، بلغت ذروتها عندما سارعت الجمعية في إنشاء لجنة الفتوى والتى ترأسها الشيخ العربي التبسي (1891-1957) وطلبت من ابن باديس إصدار فتوى في حق التجنس والمتجنسين من خلال دراسة واقعية وأصولية شرعية: "التجنيس بجنسية غير إسلامية، يقتضي رفض أحكام الشريعة ومن رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام عد مرتدا عن الإسلام بالإجماع... ومن جعل (التيسطاما) أي الوصية، ...على غير القسم الإسلامي، رافضا للحكم الإسلامي، فهو مرتد... ومن يتزوج بامرأة من جنسية غير إسلامية، فقد ورط نفسه في الخروج من حظيرة الشريعة الإسلامية..."(39)

لقيت الفتوى تجاوبا واسعا بين الناس تعدى صداها حدود الجزائر إلى المغرب وتونس، وعزلت المتجنسين وهي ضربة مدمرة لسياسة الإدارة الاستعمارية. بالرغم من افتتان ابن باديس بشيخه الطاهر بن عاشور إلا أنه كتب عديد المقالات الصادرة في البصائر ما بين 24 أفريل و15 ماي 1936 حول الرد على شيخه الذي اختلف معه في بعض المسائل أهمها موقفه من التجنيس. لقد انعقد المجلس الشرعي التونسي المتكون من 10 أعضاء مناصفة بين المالكية (وعلى رأسهم الشيخ ابن عاشون) والحنفية (وعلى رأسهم الشيخ ابن يوسف). وأصدر المجلس فتواه بالإجماع بجواز قبول توبة المرتد" المتجنس إذا تراجع في هفوته، وأعلن توبته تسقط في حقه تهمة الإلحاد، ويعود إلى صفوف المسلمين وهذه الفتوى مخالفة لآراء جمعية العلماء وعلى رأسها ابن باديس(40).

قدم شيخ جمعية العلماء المسلمين البشير الإبراهيمي، تحية تقدير للطلبة الجزائريين الزيتونيين في افتتاحية البصائر: "إنكم يا أبناءنا مناط آمالنا ومستودع أمانينا نعدكم لحمل الأمانة وهي ثقيلة... وننتظر منكم عا يتتظره المدلج في الظلام من تباشير الصبح. .."(41). يعد ميلاد حركة انتصار الحريات الديمقراطية سنة 1946، لم تتأخر الحركة الطلابية في تونس عن مباركة جهود أعمال مصالي الحاج فتأسس مكتب جديد للجمعية بقيادة الشيخ محمد مرزاقة، وتغدت الجمعية بالأفكار الاستقلالية للحزب؛ وتطور اهتمام الطلبة بقضايا الجزائر، وفي شهر فيفري سنة 1952، تم انتخاب قاسم رزيق رئيسا لجمعية الطلبة الزيتونيين.(42)

كان للبعثات العلمية الجزائرية نحو تونس دور مميز في تغذية حركة النهضة والإصلاح في الجزائر في مختلف الجوانب التربوية والتعليمية والدينية والسياسية وهذا بفضل الجامع الأعظم وشيوخ الزيتونة حيث توسعت دائرة الأنشطة الثقافية والأدبية في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية بالرغم من المضايقات والقوانين التعسفية التي خرمت الجزائريين من التعليم.


الهوامش :

1- جمعية العلماء المسلمين الجزائريين جمعية عملت على الحفاظ على هوية الجزائر العربية الإسلامية والمقومات الحضارية للشخصية الجزائرية، عبر مواجهة خطط الاستعمار الفرنسي التغريبية، والتصدي للخرافات والبدع التي شوهت الإسلام. تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في شهر ماي 1931، بنادي الترقي في الجزائر العاصمة؛ وذلك بعد سنة من إحياه ذكرى مضي قرن على احتلال الفرنسيين للجزائر. حضر الاجماع التأسيسي أكثر من سبعين عالما، من مختلف جهات الجزائر، ومن شتى الاتجاهات الدينية والمذهبية: مالكيين وإباضين مصلحين وطرقيين، موظفين وغير موظفين وانتخبوا مجلسا إداريا للجمعية يتكون من ثلاثة عشر عضوا برئاسة الشيخ ابن باديس.

تعتبر الجمعية امتدادا للحركة الاصلاحية التي قادها الشيخ عبد الحميد بن باديس والتي قامت على مقاومة تأثيرات الاستعمار الفرنسي وترسيخ مقومات الشخصية الجزائرية ببعدها الإسلامي. وبعد ست سنوات من تأسيس الجمعية بادر ابن باديس إلى وضع ميثاق للجمعية حدد ض خلاله "دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأصولها" ونشره في مجلة "الشهاب" في جوان. شمل أهداف الجمعية "التعليم والتربية، وتطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإيقاد شعلة الحماسة في القلوب بعد أن بذل الاحتلال جهده في اطفائها حتى تنهار مقاومة الجزائريين، واحياء الثقافة العربية ونشرها بعد أن عمل المستعمر على أودها والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية، ومقاومة سياسة الاحتلال الرامية إلى القضاء عليها. لقد حددت جمعية العلماء الأهداف التي ترمي إليها في منشور نشره ابن باديس في جريدة البصائر، العدد، ابريل للمزيد يراجع: محمد ناصر، الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1954، ط3، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ص 345.

2- صدرت البصائر في عهد الحاكم الفرنسي لبو (1940-1935) (Georges Le Beau) الذي عرف بالرزانة والهدؤء مع طلائع النخبة في الجزائر. بدأ صدور الجريدة بالعاصمة ثم انتقلت إلى قسنطينة بالمطبعة الإسلامية ثم عادت إلى العاصمة فى 5-11-1937 تحت إشراف المطبعة العربية التابعة للشيخ أبو اليقظان (1888-1973) ينظر: عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، بيروت: مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، ط2، 1980، ص56

3- سورة الأنعام: أية:104.

4- كان مجموع إصدارات جريدة البصائر في سلسلتين بـ541 عدد لمدة 13 سنة. عالجت خلالها قضايا الدين والأخلاق والوطن والإصلاح والسياسة والتربية والتعليم، محمد، ناصر، المرجع السابق؛ ص 221.

5- البصائر؛ ع 1 ؛الجزائر : 37 ديسمبر 1935.

6- البصائر،ع 9؛ الجزائر: 28 فيفري 1936.

7- ينظر الدراسة القيمة: جمال، غنية، جريدة البصائر ودورها الإصلاحي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، 2003-2004.

8- البصائر؛ ع 91؛ الجزائر: 26 سبتمبر 1949.

9- عثمان الشريف، ابن الحاج، أضواء في تأريخ تونس الحديث، 1881-1824 تونس؛1982؛ص 143.

10- أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، طبعة خاصة، الجزائر: عالم المعرفة؛ 2011، ج3، ص ص 111-106.

11- كانت زيارة الشيخ الإبراهيمي لتونس في حدود سنة 1932، للمزيد يراجع: محمد الصالح، الجابري، النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس 1900-1962، الدار العربية للكتاب، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983، ص104، وأيضا: أحمد بن جابو، المهاجرون الجزائريون ونشاطهم في تونس (1830-1854)، دكتواره في التاريخ غير منشورة، جامعة تلمسان، 2010-2011، ص ص 102-105.

12- الجابري المرجع السابق، ص 101.

13- البصائر؛ ع44؛ الجزائر: 20 نوفمبر 1936.

14- محمد علي دبوز، نهضة الجرائر الحديثة وثورتها المباركة،ط1، الجزار: المطبعة العربية 1969' ج3، ص200

15- الجابري المرجع السابق، ص 124.

16- نفسه، ص 129.

17- جابو، المرجع السابق،ص ص 147-178.

18- انخرطت كنى شرائح المجتمع من عمال وفلاحين وطلبة المعاهد والمدارس التابعة لأحزاب الحركة الوطنية في صفوف الثورة التحريرية منذ انذلاعها، ولم يتخلف الطلبة عن نداء الواجب منذ اللحظة الأولى لبداية العمل المسلح، وتزايد هذا الدور بتأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين. بتادبخ 27 فيفري 1955، وبمبادرة؛ من جمعية الطلبة المسلمين لشمال افريقيا، ثم توجيه نداء لكل الطلبة يحثهم على الانضمام والمشاركة في تشكيل الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريبن.(U.G.E.M.A) انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في في باريس في الفترة الممتدة ما بين 8 و14 جويلية 1955، بحضور شخصيات ثقافية وسياسة وممثلين عن المنطمات الطلابية بما فيها الاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين، تناول المؤتمر ثلاثة محاور رئيسية هي :

- جمع شمل الطلبة الجزائريين وتوحيد مطالبهم وحقوقهم .

- العمل على إعطاء اللغة العربية مكانتها باعتبارها المحرك الأساسي للثقافة الجزائرية.

- مشاركة الاتحاد في الحياة السياسية للبلاد.

خرج هذا المؤتمر بانتخاب اللجنة التنفيذية المكونة من: أحمد طالب الإبراهيمي: رئيسا، العياشي ياكر نائبا، مولود بلهوان كاتبا عاما، عبد الرحمن شريط كاتبا مساعدا، محمد منصور أمين المال. واختيرت مدينة باريس مقرا مركزيا للاتحاد. يعد اضراب الطلبة والتحاقهم يجيش التحرير الوطني وبمنظمتة السياسية جبهة التحرير الوطني بمثابة الخطوة الأولى التي تلتها خطوات عديدة تدعيما للنضال الثوري. من هنا نلمس بأن التحأق الطلبة بالثورة ساعد على إعطاء بعد سياسي وإعلامي القضيية الجزائرية التي كانت تحتاج إلى رجال من ذوي الكفاءات العلمية والإدارية والتنظيمية لقيادتها -يراجع:

Dominique Wallon, Combats etudiants pour l'indépendanee de l'Algerie: UNEF-UGEMA 1955-1962, éd Casbah, 2015.

19- أحمد طالب الإبراهيمي، مذكرات جزائري، الجزائر: دار القصبة للنشر، 2006، ج1، ص 64.

20- خير الدين، شترة، الطلبة الجزائريون بجامع الزيتونة (1900-1956)، أطروحة دكتوراه في التاريخ، جامعة الأمير عبد القادر، للعلوم الإسلامية قسنطينة، 2007-2008،مج 2،ص ص 579-582. وقد نشرت الأطروحة بنفس العنوان عن دار كردادة للنشر والتوزيع بالجزائر، طبعة 2 ، 2013، 3 أجزاء.

21- أبو القاسم، سعد الله، الحركة الوطنية، المرجع السابق...،ج2، ص ص 149-150. وأيضا: عيساوي،ص21.

22- محمد البشير الإبراهيهي، "إحياء التعليم المسجدي"، البصائر، ع7، 1936،ص 1.

23- البصائر،ع6، 1937.

24- الزيتونية، مج6، ج3، تونس 7/8/1945، ص 435.

25- عبد الحميد بن بادبس، "في تونس العزيزة.' الشهاب‘ ج5؛ مج13، تونس في 10-07-1937. زار ابن باديس تونس أكثر من مرة ما بين 1936 و1937، وقد حاضر بتونس وتناول أوضاع الجزائر العلمية والسياسية والاجتماعية، كما عبر بإلحاح على ضرورة ادماج الطلبة في الحياة العامة وتكوينهم مستقبليا.

26- جامع الزيتونة أو جامع الزيتونة المعمور أو الجامع الأعظم، هو المسجد الجامع الرئيسي في مدينة تونس العتيقة، يعد جامع الزيتونة أحد أقدم وأفهر وأشهر المساجد في بلاد الإسلام كلها أسسه عبيد الله بن الحباب سنة 116هـ 734م. ولا تعود شهرة جامع الزيتونة هذه إلى الدور الذي قام به كمسجد صلاة والعبادة فحسب، بقدر ما تعود إلى الدور العلمي والثقافي الذي اضطلاع به عبر العصود، منذ أوائل القرن الثاني الهجري، حيث اضطلع بتدريس العلوم الإسلامية بداية من سنة 120هـ-737 م. هناك من نسب إلى حسان بن النعمان (تـ86هـ/ 716م) فاتح مدينة تونس في حدود سنة 79هـ/698-699 م وهناك من نسبه إلى عبيد الله بن الحبحاب (توفى بعد سنة 123 هـ/740م) الذي ولاه هشام بن عبد الملك الأموي على إفريقية سنة 110هـ/728-729 م.

وبذلك يعتبر أقدم جامعة عربية إسلامية استمرت تؤدي دورها قرابة ثلاثة عشر قرنا متتالية دون انفطاع يذكر. فقد أكد المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب، هذه العراقة بقوله: "إن جامع الزيتونة هو أسبق المعاهد التعليمية للعروبة مولد وأقدمها في التاريخ عهدا". ظل جامع الزيتونة باعتباره مؤسسة علم وعبادة مزدهرا إلى أواخر العهد الحفصي (634هـ/981هـ-1237م/1573م) حتى أن العلامة عبد الرحمان بن خلدون- الذاي تتلمذ في جامع الزيتونة ودرس به- اعتبره طليعة المؤسسات التعلمية في المغرب الإسلامي خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الملاديين، حيث كان التعليم فيه يشمل التعليم الإسلامي الأدبي والفلسفة وعامة العلوم العقلية والرياضية وخصوصا الطب والفلك والرياضيات. وعرف نظام التعليم بجامع الزيتونة -منذ أواخر العهد الحفصي- مرحلة طويلة من التراجع جرت خلالها محاولات عديدة لإصلاحه. قام أحمد باي الأول بتنظيم التعليم بجامع الزيتونة بمقتض الأمر المؤرخ في نوفمبر 1842 أصدر الوزير الأكبر المصلح خير الدين باشا الأمر المؤرخ في 27 جانفي 1876 الذي أعطى دفعا جديدا لتعليم الزيتوني، غير أن الأمر بقي حبر على ورق بالنسبة إلى تدريس العلوم العصرية التي أراد خير الدين إدخالها في برامج التعليم الزيتوني لذلك بسبب معارضة بعض كبار الشيوخ المحافظين. حرصت السلطات الاستعمارية -طوال فترة سيطرتها على تونس (1881-1956) على فرض سياستها التربوية على الزيتونة لتهميشها وإخماد صوتها، باعتبارها معقلا من معاقل المقاومة الثقافية ضذ التسرب الاستعماري والتأثير الفرنسي في البلاد.

30جوان 1958 : الإعلان عن إصلاح التعليم العمومي وتوحيد برامجه، أصبحت بمقتضاه الفروع الزيتونة مدارس إعدادية مدمجة في صلب التعليم الثانوي العمومي. وبعد تأسيس الجامعة التونسية في 31 مارس 1950، التي أصبحت تضم معاهد عليا وكليات عديدة، تم في 1 مارس 1961 بعث "الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين" (خلفا للجامعة الزينونية) التي أصبحت إحدى مكونات الجامعة التونسية.

في 27 أكتوبر 1961 : تم ضبط برامج الإجازة في الشريعة وأصول الدين. وفي 15 فيفري 1980 : تم ضبط مهام الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين وتنظيم الدراسة بها في المراحل الثلاث. كما تعد الزيتونة أول جامعة إسلامية وأول جامعة في العالم .للمزيد راجع: محمد بن عاشور، الحركة الأدبية والفكرية في تونس (في القرنين 13-14 هـ/19-20 م)، راجعة ووضع فهارسه محمد المختار العبيدي،ط3؛ 2009.

27- فضلاء، محمد الحسن، أعلام الإصلاح الجزائر،2000،ج3،ص140.

28- البصائر، ع20، الجزائر :1936/05/22.

29- البصائر، ع60، الجزائر: 1948/12/20.

30- أبو القاسم، سعد الله، شاعر الشاعر، ص 86.

31- البصائر، ع، الجزائر: 20/11/1936.

32- أحمد الشريف، السنوسي، الطلبة الجزائريون والزيتونة، البصائر، ع47، الجزائر: 30/08/1948، ص2.

33- البصائر، ع11، الجزائر: 20/10/1947

34- البصائر، ع20، الجزائر: 19/01/1948

35- صالح خرفي الزيتونة في قلوب أبناء الجزائر، الحياة الثقافية، ع82، تونس 1937، ص ص 11-18.

36- ترجع الرحلات الأولى العلمية الجزائرية إلى تونس إلى القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي كان الهدف الرئيس منها التحصيل والاستزادة في مختلف العلوم. وقد نبغ في رحاب الجامع الأعظم الكثير من الجزائريين، وساهموا في الحرمة العلمية منهم إبراهيم بن يخلف التنسي (ت1272 م) وعبد القادر البجائي (ت1291 م)، وعبد الرحمان البجائي الأصولي (1294 م)، وأبو العباس الغبريني (ت 1315م)، وخليل الصنهاجي (ت1423 م)، وعزوز بن مصطفى (ت 1768 م)، مؤسسة الزاوية الرحمانية بنفطة، والأفضلي يحيى بن صالح صالح الإباضي (ت1808) والشيخ محمد البشير (ت1827) الذي تتلمذ عليه المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف. للمزيد يراجع: خير الدين شترة، المرجع السابق، ج2؛ ص ص 609-613.

37- موريس فيوليت رجل دولة وسياسي فرنسي (1870-1960) صاحب كتاب: هل تعيش الجزائر؟ قدم فيولت مشروعه في عهد الحكومة الشعبية التي كان يترأسها ليون بلوم (1872-1950). يتكون من ثمانية فصول وخمسين مادة تتضمن إصلاحيات دستورية

-L ’Algerie vivra-t-elle .?"par Maurice Viollette. Librairie Felix, Alcan. Parisl936

Julien,Fromage, L Algerie vivra-t-elle ?ou le projet Blum-Viollette :حول الموضوع يراجع

au temps du front populaire, Memoire de fin detude ,Lyon II, Juin 2003,186p.

38- أبو القاسم سعد الله، المرجع السابق؛ ج1؛ ص 25.

39- قتوى جمعية العلماء في التجنس الكلي والجزئي، جريدة البصائر، السنة الثالثة، العدد95، 13 ذي القعدة 1356 هـ/14 جانفي 1938، ص 1-2.

40- وفي الاحتفال بالذكرى السابعة لوفاة ابن باديس؛ قال الشيخ ابن عاشور "...إن فضل النهضة الجزائرية على العالم الإسلامي فضل عظيم، وإن أثر الشيخ عبد الحميد بن باديس في تلك النهضة أثر إنساني رئيس... تلقى الإمام عبد الجميد تعاليم الإسلام، وتشرب روح العروبة، فكانت روحه الفلسفية متوجهة نحو تسليط تلك التعاليم وهاتيك الروح على ما بين جنبيه وجنبي عموم الشعب الجزائري من حالة الذهول عن الذات، والانقطاع عن تأثير التعاليم الطاهرة، والروح الإسلامية... وما تكريمنا للشيخ عبد الحميد بن باديس، إلا تكريم للفكرة العبقرية والنزعة الإصلاحية الفلسفية؛ التي دفعت به فريدا إلى موقف إحياء التعاليم الإسلامية، في وطن أوشكت شمس الإسلام أن تتقلص في ربوعه، بعد ثمانين عاما قضاها في أغلال الأسر (خطاب ألقاه في الاحتفال بالذكرى السابعة لوفاة عبد الحميد بن باديس، نشرته مجلة "العبقرية" في عددها الثالث سنة 1946 م).

41- البصائر،ع9، الجزائر: 1947/10/03.

42- ينظر: جريدة المنار،ع18، السنة الثانية، 28 فيقري 1953. وعن نشاط الطلبة في تونس والصراع القائم بين مصالي وجمعية العلماء ثم المركزيين يراجع: بوعزيز، "الطلبة الجزائريون ودورهم في الثورة"، مجلة الثقافة،ع83، سبتمبر-أكتوبر 1984، ص ص 176-277.

 


 

أ.د. حنفي هلايلي - جامعة سيدي بلعباس - الجزائر

المصدر: مجلة الحوار المتوسطي، العدد 15-16، مارس 2017، ص: 191-210

آخر التغريدات: