عالمان جليلان، وحيوانان لئيمان

بقلم: محمد الهادي الحسني-

أقصد بالعالمين الجليلين الإمام محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ أبا يعلى الزواوي. إذا كان الإمام الإبراهيمي في غنًى عن كل تعريف لشهرته التي طبقت الآفاق، بسبب ما امتاز به من حكمة بالغة، وقلب شجاع، ومواقف شريفة، فإن الشيخ أبا يعلى الزواوي يحتاج إلى تعريف به لدى الأجيال الحديثة التي لا تكاد تسمع باسمه، بالرغم من سعة علمه، وشهرته بين أبناء جيله.

ولد الشيخ محمد السعيد أبو يعلى في عام 1866 بناحية عزازڤة -ولاية تيزي وزو- وتعلم على والده وعلى شيوخ زاوية الشيخ عبد الرحمان اليلّولي...

وفي سنة 1902 عُيِّن كاتبا في القنصلية الفرنسية بدمشق، ثم أقام مدة من الزمن في مصر، وقد استفاد من إقامته بالمشرق العربي بالاحتكاك بأعلام الحركة الإصلاحية، ومنهم الشيخ طاهر الجزائري، ومحمد الخضر حسين، ورشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، وكرد علي، وشكيب أرسلان، وعبد القادر المغربي... وقد كتب في عدة مجلات في مصر والشام.

وفي عام 1924 رجع إلى الجزائر، فعيّن إماما في مسجد سيدي رمضان بمدينة الجزائر، واستمر كذلك إلى أن أتاه اليقين في بداية شهر جوان من سنة 1952.

وبالرغم من كون الشيخ أبي يعلى موظفا لدى السلطات الفرنسية؛ فقد كان على صلة ببعض أعضاء الحركة الإصلاحية، وكتب في الجرائد الإصلاحية، كما كتب في جريدة »البلاغ« التابعة للطريقة العليوية، وكتب في مجلة »صوت المسجد« الناطقة باسم موظفي السلك الديني، التي كان يرأسها الشيخ محمد العاصمي..

وقد شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ورأس لجنة الفتوى في الجمعية حوليْن كامليْن. وقد سماه الشيخ الطيب العقبي »شيخ الشباب وشاب الشيوخ« (الشهاب ع95. ص 3)، كما كتب عنه الإمام عبد الحميد بن باديس فوصفه بأنه »علاّمة سلفي، داعية إلى الإصلاح بالكتاب والسنة وعمل السلف الصالح« (الشهاب ع34. ص11)، وانحى عليه باللّوائم - في الوقت نفسه - لركونه إلى بعض شيوخ الطرقية المنحرفين، وسكوته عن مناكيرهم وبِدَعِهم، رغم إنكاره على بعض العلماء المتقدمين كابن عربي، والسيوطي، والشعراني.. (الشهاب ع90. ص12).

ترك الشيخ أبو يعلى - إضافة إلى مقالاته الكثيرة - مجموعة من التآليف مختلفة الأحجام، متنوعة الموضوعات. وقد طبع منها - فيما نعلم- كتاب »تاريخ زواوة« و»جماعة المسلمين« و»الإسلام الصحيح« و»خطب الزواوي«..

وأقصد بالحيوانين اللئيمين حمارا وديكا..

أما سبب وصفي لهما باللؤم فَلِما قاما به من سلوك حيواني ضد هذين العالمين الكبيرين.
أما الحمار فقد أسقط من على ظهره العلامة الإبراهيمي، وذلك في مدينة تلمسان في أحد أيام أكتوبر 1935، فسبَّب للإمام الإبراهيمي ألما، وقد شهد هذه الواقعة الشاعر مفدي زكرياء، فسجَّلها شعرا، هَجَا فيه الحمار، ودعا عليه بالجوع، والضرب الوجيع، لأنه أسقط عالماً ذا قدر رفيع، تتمنى الشمس لو تغدو له كحمار وديع. وقد أوردت جريدة »الأمة« للشيخ أبي اليقظان تلك الواقعة في عددها 45. بتاريخ 8 / 10 / 1935 وشعر مفدي زكرياء، وهو:

يا حمار (الشيخ) لا نِلتَ المُنَى

كيف أسقطت على الأمر امرأً

تتمنى الشمس لو تغدو له

أُبْتَ بالجوع وبالضرب الوجيع

وهو ذو قدر على الأرض رفيع

كحمار هادئ الظهر وديع

لقد وودتُ لو أن الشاعر مفدي زكرياء استدرك على تلك الأبيات، فالتمس عذرا للحمار لأنه لا يعقل؛ وهجا بأبيات مثلها - وزنا وقافية - المسؤول الأول في الدولة الجزائرية، الذي آذى - في سنة 1964 - الإمام الإبراهيمي، فلم يعرف له قدرا، ولم يذكر له جهادا، ولم يُرَاعِ شيخوخته ومرضه.

وأما الحيوان الثاني - الديك - فأترك سَرْدَ ما فعله في الشيخ أبي يعلى للشيخ أحمد سحنون - رحمه الله - حيث كتب في جريدة »البصائر«، (ع233. بتاريخ 12 / 6 / 1953) ما يلي:

»جاءنا (الشيخ أبو يعلى) مرة إلى نادي الترقّي رابطا إصبعه السبّابة، ولما سألناه عن السبب قال: إن لي حكاية طريفة سأقصها عليكم، ولكم أن تخلّدوها بشعركم الخالد، وكان في المجلس الشيخ محمد العيد، والشيخ جلول البدوي، وأخذ يسرد قصته، قال: إن لي ديكاً أتعهّده بالماء والحبّ والتفقّد كلما عدت إلى المنزل، وفي هذه المرة وجدته مشرفا على الموت لالتواءِ رِبَاطِه على عنقه، فجئت أخلّصه، وأحاول فكّ رقبته؛ فما راعني إلا وهو يُنْشِبُ في يدي الضعيفة أظافره الحادة القوية، فتألمنا للشيخ، وعَتَبْنا على هذا الديك اللئيم، الذي لا يرعَى الجميل، والتَفَتُّ (الشيخ سحنون) إلى رفيقيَّ الشاعرين وقلت:

ما أَلأَم الديك لمَّا

في الشيخ أنشَبَ ظُفره

فقال محمد العيد:

نوى له الشيخُ خيراً

فأعلن الديك كفره

وقال الشيخ جلول البدوي:

مثل إبن آدم يلقى

فعل الجميل بِحَفْرِه

رحم الله شيوخنا الأجلاء، وأثابهم على ما قدموه من أعمال وتضحيات في سبيل الله، ولغة الإسلام، والجزائر، وعوضهم عن تقصير ذوي القربى وظلمهم بما يرضيهم.

آخر التغريدات: