مع الشيخ محمد الطاهر فضلاء

بقلم: محمد عباس-

هناك عائلات من الحركة الإصلاحية بارك الله فيها للجزائر مثل أبناء الشيخ محمد السعيد أبهلول الورثيلاني، وهم على التوالي الحسن ومحمد الطاهر وعبد المالك فضلاء.

فالحسن (من مواليد 1914) من أقطاب التعليم الحر ومدارس جمعية العلماء، وقد ترك لنا عدة مؤلفات تؤرخ للكفاح التربوي عبر التعريف بالعديد من رجالاته.

ومحمد الطاهر (1918) من أقطاب الكفاح الإصلاحي الميداني على عدة جبهات: الكشافة، المدرسة، الآداب، التاريخ.

وعبد المالك (1920) المربي الإصلاحي والمناضل الوطني الذي اغتيل غدرا بالجزائر العاصمة إثر اعتقاله في 12 يوليو 1957 وقد جاء العاصمة يومئذ للمشاركة في لجنة امتحان الشهادة الابتدائية بمدرسة التهذيب..

في هذه العجالة ارتأينا أن نفرد بالحديث أحد أبناء هذه العائلة الطيبة، وهو شيخنا المناضل الإصلاحي الصادق والعنيد محمد الطاهر فضلاء بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيله في (19 يوليو 2005)، بعد أن أتاح لنا ذلك ابنه الممثل القدير باديس فضلاء الذي بادر مشكورا بإصدار شذرات من عطاء والده العزيز، تحت عنوان "من آثار الأستاذ محمد الطاهر فضلاء"(*).

ولد الشيخ محمد الطاهر في 30 مارس 1918 بقرية تَنْبِذار (بني منصور بجاية) وقد أخذ عن والده الشيخ محمد السعيد أبهلول مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم قبل أن تتوسع مداركه لاستيعاب ما تيسر من مبادئ اللغة العربية ومبادئ الفقه كذلك.

وفي السادسة عشرة من عمره بدأ يتمرس بالتعليم، عبر مدرسة الهداية التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، غير أن طموحه أبى عليه إلا أن يلتحق في السنة الموالية (1935) بقسنطينة لاستكمال دراسته على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس، وبعض مساعديه أمثال الجيلالي الفارسي وبالقاسم الزغداني.

وقد أثار الشاب محمد الطاهر اهتمام الشيخ الإمام الذي أسر بشأنه إلى سنده الأول الشيخ البشير الإبراهيمي قائلا: "تلميذ ناشئ، لكنه يتوقد غيرة على اللغة العربية وآدابها، ولئن داوم على الدراسة ليكونن منه خير كبير".

وابتداء من 1937 خرج هذا الشاب الطموح الى الحياة العامة، معززا سلك التربية لجمعية العلماء مدرسا ثم مديرا، وقد استمر مشواره التعليمي حتى سنة 1946.

ولم يحد انشغاله التربوي من اهتمامه الأدبي، إذ كان إلى جانب التدريب يخوض مع الخائضين في حقول الشعر والقصة القصيرة والمقالة الصحفية، قبل أن يتفرغ للنشاط التربوي العام عبر نافذتي الكشافة والمسرح.

ففي الشعر ترك لنا ديوانا بعنوان "السحر الحلال"، وتضمن كتابه "من آثار الأستاذ" نماذج من القصص القصيرة، مثل "رائد القافلة" وهي قصة رمزية بطلها الشيخ ابن باديس وأصحابه في قافلة الإصلاح الديني والتربوي، وترك لنا كذلك العديد من المقالات الصحفية التي تتضمن تعريفا وافيا بعدد من رحالات الإصلاح داخل الجزائر وخارجها، نذكر منهم على سبيل المثال الطيب العقبي، والفضيل الورثيلاني، والأمين العمودي، وإسماعيل العربي، ومحمد الغزالي وعمر بهاء الدين الأميري.

عندما ظلمت "المجاهد" الشيخ فضلاء

وعلى صعيد النشاط التربوي العام، ساهم سنة 1940 في تأسيس فوج "المُنى" للكافشة بحي المقرية (ليفيي سابقا)، قبل أن يساهم لاحقا في تأسيس فوج "الرجاء".

غير أن المسرح ما لبث أن استحوذ على القسط الأكبر من نشاط هذا الرجل متعدد المواهب، فقد مارس تأليفا وتمثيلا وتكوينا واعلاما، فقد ألف واقتبس العديد من المسرحيات نذكر منها "دكان الأخلاق" المقتسبة عن رواية يوسف السباعي "أرض النفاق".

ويخبرنا المؤلف في هذا الصدد أنه اقتبس من الرواية -في مرحلة أولى- قصة، وذلك في مطلع السينيات من القرن الماضي، وقد أهدى نسخة منها إلى السباعي عندما زار الجزائر سنة 1964.

ونذكر هنا تحديدا هذه القصة -التي أصبحت مسرحية بعد بضع سنين- لا للمثل فقط، بل للاعتذار البعدي كذلك، وسبب ذلك أننا في القسم الثقافي لأسبوعية "المجاهد" ظلمنا شيخنا محمد الطاهر سنة 1970، عندما سمحنا لصحفي مبتدئ لم يكن على دراية بالخلفية السابقة ينشر مقالا يتهم الشيخ بادعاء تأليف مسرحية "دكان الأخلاق" دون الإشارة إلى الإشارة إلى رواية "أرض النفاق".
وكان البشير الإبراهيمي قد شهد لصاحبنا بريادة المسرح الناطق بالعربية الفصحى في الجزائر تأليفا وتمثيلا، إذ يقول في ذلك "وتعاطى التمثيل العربي، بل لعله كان أول من فتح هذا الباب، وكتب بقلمه عدة (مسرحيات) كان بها أول من أشرك العربية في هذا الباب العظيم من أبواب الأدب العربي". ويضيف الشيخ على نفس النسق: "ورحل إلى الشرق واقتحم ميدان الفن مع فحوله، فأخذ عنهم سلامة الإلقاء وحسن الأداء"، وفي ذلك إشارة إلى فرقة "هواة المسرح العربي الجزائري " التي كان محمد الطاهر فضلاء قد أسسها وطاف بها العديد من المدن الجزائر ية واستكملها بجولة إلى القاهرة حيث أقام بضعة أشهر رفقة أربعة من شباب فرقته.

وكان شيخنا رائدا كذلك على صعيد إشراك المرأة في التمثيل، وأعطى المثل في ذلك بإشراك حرمه السيدة نضيرة، وهي ممثلة ومنتجة لبرنامج إذاعية منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي بعنوان "حديقة المرأة" وكان مثل هذا الموقف الرائد من الشيخ يعتبر في تلك الفترة في منتهى الجرأة، بدليل أني سمعت غداة الاستقلال شيخنا الطاهر حراث يستنكر عليه ذلك! ولم يكن حراث في عداد المتزمتين من شيوخ جمعية العلماء.

من رواد المسرح الإذاعي

أما عن خدمة الشيخ للمسرح في الإذاعة فحدث ولا حرج! فلم يكن رائدا فحسب بل تربع على عرشه أكثر من نصف قرن (من 1942 إلى 1994) وكان من الطبيعي أن يكافح من أجل استمرار برنامجه سواء إبان الاحتلال أو أثناء الاستقلال، فخلال ثورة التحرير المباركة بادر النقيب "ڤالويان" الذي عين بعد انقلاب 13 مايو 1958 مديرا للقسم العربي في إذاعة الجزائر، بإلفائه فتصدى له الشيخ بجرأته المعهودة. وليس غريبا أن يكون هذا النقيب وهو من غلاة المتطرفين وراء الكيد للشيخ وحبسه ما بين 1959 و1961، بعد أن كان عرف السجن غداة مجازر 8 مايو 1945.

أما خلال فترة الاستقلال فيخبرنا الأديب الطاهر وطار أنه لما عين على رأس الإذاعة (في حكومة حمروش) وجد البرنامج موقفا، فعمل على إعادته مرة أخرى بعد أن سعى لديه الشيخ في ذلك، وكان الشيخ قد استأنف برنامجه الأسبوعي "مسرح الهواة" سنة 1978 وكان برنامجا للتربية والتكوين المسرحي، فضلا عن تشجيع المواهب المبدعة، كما تدل على ذلك أركانه الثابتة مثل "الثقافة المسرحية"، "إنتاج الهواة" و"مسرحية الأسبوع"... وقد شهد لهذا البرنامج أحد مريديه وهو الأستاذ مصطفى بن دهينة من بشار الذي كتب في رسالة إلى الشيخ يقول: "جاء مسرح الهواة ليخدم المسرح الأصيل، وليرفع الذوق السليم، في زمن هبطت فيه الأذواق إلى مستوى الحضيض، في وقت خلت الساحة الثقافية والمسرحية والفنية من روادها، فأضحت مرتعا للمتطفلين ومغنما لكل من هب ودب".

اللعبة الخبيثة!

ولم يمارس شيخنا التكوين المسرحي على الأثير فقط، بل مارسه كذلك بالمعهد البلدي..
ومن الأعمال الطريفة للشيخ فضلاء مسرحية "أكتوبر 1942" التي استوحاها من واقعة تاريخية مجهولة أوردها الشيخ أحمد توفيق المدني في الجزء الثاني من مذكراته "حياة كفاح" وتعكس كل من الواقعة والمسرحية مدى استهانة الممثل الفرنسي بالجزائريين، عشية إنزال قوات الحلفاء في 8 نوفمبر من نفس السنة، بطل هذه الواقعة وضحيتها في آن واحد هو العقيد بن داود، وهو شخصية أسطورية ترمز إلى هوان الضابط الجزائري في صفوف الجيش الفرنسي حيث لا قيمة لأوامره قياسا بأدنى ضابط صف فرنسي، وقد أصبحت مأساته مضرب الأمثال فيقال: "العربي عربي ولو كان العقيد بن داود" وخلاصة الواقعة التي تناولها الشيخ توفيق المدني تحت عنوان: أهى لعبة خبيثة؟ أن ضابطا أساسيا فرنسيا يدعى "فان هيك" كلف بتنويم الجزائريين حتى لا يجد فيهم أنصار حكومة فيشي بالجزائر وهم كثيرون سندا إذا ما بدا لهؤلاء أن يتصدوا لإنزال الحلفاء الوشيك، فاتصل لذلك بالعقيد بن داود وأوهمه أن الحلفاء يرغبون من الجزائريين تشكيل حكومة تتولى شؤونهم بالتنسيق معهم أسوة بالفرنسيين الذين يتأهبون لإعلان حكومة مماثلة برئاسته.

أخذ العقيد بن داود اللعبة مأخذ الجد فاتصل بالقاضي عند الرحمان تْشَنْدَرْلي الذي اتصل بدوره بكل من المدني والأمين العمودي وهكذا اجتمع الأربعة بمكتب القاضي في شارع "لالير" (بوزيرينة) حاليا وطرح عليه العقيد الموضوع على النحو التالي: المطلوب تشكيل حكومة مؤقتة من عشرة أعضاء ومجلس شيوخ من كذا عضوا، بهدف عرض التشكيلتين على ممثل إمريكا للمصادقة، علما أن فان هيك سبق بتقديم حكومة الأقلية الفرنسية صبيحة نفس اليوم (26 أكتوبر).

أحلام اليقظة!

واختصارا نكتفي بذكر المقترح الخاص بالحكومة وتوزيع الحقائب بين أعضائها العشرة بن داود رئيسا، تشندرلي وزيرا للعدل، توفيق المدني وزير للعلوم والمعارف، العمودي رئيسا لمجلس الشيوخ، وتم توزيع بقية الحقائب كما يلي: الداخلية لفرحات عباس، المالية لأحمد بومنجل، مشيخة الإسلام للإبراهيمي، الشؤون الاجتماعية للدكتور بن جلول، التجارة والاقتصاد للدكتور عبد النور تامزالي، الإعلام والاتصال للدكتور أحمد فرنسيس!

وتم بالمناسبة إعداد بيان الإعلان عن الحكومة باللغتين: يلقيه الرئيس بن داود بالفرنسية على أمواج الإذاعة ثم يتلوه المدني بالعربية، لكن بعد أقل من 24 ساعة جاء الأميرال "دارلان" باسم المارشال "بيتان" ونصب نفسه حاكما على الجزائر، وما لبث الحلفاء أن نصبوا رجلهم في شخص الجنرالجيرو الذي ترك مكانه بعد أشهر معدودة للجزال دو غول.

وصحا القاضي تشندرلي من غفوته رفقة المدني والعمودي، فلم يجدوا أثرا لا لبن داود ولا "لفان هيك" وهكذا تنتهي اللعبة الخبيثة حسب تعبير المدني! هذه اللعبة الخبيثة حولها الشيخ فضلاء إلى مسرحية من أربعة فصول بعنوان مثير "المهرجون" من تأليف المؤلف المسرحي الكبير أحمد توفيق المدني، واكتفى الشيخ بكتابته السيناريو والحوار والتمثيل والإخراج.

وجاءت هذه المسرحية في كتاب "التحريف والتزييف" الذي صدر عن المؤلف في معرض الرد على مذكرات الشيخ أحمد توفيق المدني "حياة كفاح" (الجزء الأول والثاني خاصة) وفيها من السخرية الشيء الكثير بهدف التقليل من شأن ما ورد في المذكرات من معلومات تارة وأحكام وآراء تارة أخرى.


(1) صدر عام 1982 عن دار البعث – قسنطينة.

(*) صدر أخيرا عن دار هوية - الجزائر.

آخر التغريدات: