شيخ المؤرخين الجزائريين كما أعرفه

بقلم: فوزي مصمودي-

أصيبت الساحة الأكاديمية والحقل العلمي بالجزائر والوطن العربي في العمق، يوم السبت 11 صفر 1435هـ الموافق 14 ديسمبر 2013 بفقدان أحد أركانها العتيدة وقاماتها السامقة ومراجعها التاريخية، العلاّمة الدكتور أبو القاسم سعد الله (1930 ــ 2013) الذي وشّحه الأستاذ أحمد بن السايح ولأول مرّة بلقب (شيخ المؤرّخين الجزائريين) وهذا ضمن مقال موثّق بيومية (النصر) ع: 4694 بتاريخ 14 ديسمبر 1988 جاء بعنوان (أبو القاسم سعد الله هذا المجمعي الجديد)، وآخر بيومية «الشعب» في عددها 7896 ليوم الثلاثاء 21 مارس 1989...

في جو حزين ويوم مشهود، دون (بروتوكولات) ـ حسب وصيته ـ ودّعت الجزائر ابنها الوفي وأحد رجالاتها العظماء في اليوم الموالي، بحضور لفيف من الباحثين والمؤرخين والمثقفين والإعلاميين وطلبته ومحبيه الذين وفدوا من كل أنحاء الوطن، فامتلأت بهم مقبرة مدينة قمار مسقط رأسه بولاية الوادي. وقد شهدتُ ـ كما الآلاف من المشيّعين ـ هذه الجنازة المهيبة رفقة أعضاء من الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية لولاية بسكرة.

كان لي شرف التعرّف على هذا العالم الرمز من خلال مؤلفاته الغزيرة التي كان يفيض بها على الأمة، والتي تتلمذتُ عليها منذ مرحلة الدراسة الثانوية، والتي اعتدت أن أقتنيها آنذاك من ملحقة الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ببسكرة Sned (المؤسسة الوطنية للكتاب لاحقا) والتي كانت قريبة جدا من بيتنا ومن ثانوية الدكتور سعدان حيث كنت أدرُس، وفي غيرها من مكتبات عاصمة الزيبان بسكرة.
لكن احتكاكي المباشر بشخصه الكريم كان أثناء إنجازي لكتاب (تاريخ الصحافة والصحفيين في بسكرة وإقليمها 1900 ـ 1956)، من خلال عديد المراسلات التي كانت بيني وبينه، والتي مازلتُ احتفظ بها إلى اليوم واعتز بها وبوجودها ضمن أهم مقتنيات مكتبتي.

وقد أبدى لي حينها ــ رحمه الله ــ العديد من الملاحظات السديدة والتوجيهات القويمة، التي أخذت بها، وكم كانت غبطتي غامرة بعد أن خصّني بتصدير قيّم لهذا الكتاب، فزاده قيمة علمية وأفضى عليه صبغة أكاديمية، وهنأني بعد صدوره عن الجمعية الخلدونية وبدعم من وزارة الثقافة عام 2006.
كما التقيت به عديد المرات بالمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 بالأبيار، كلما زرت مديره السابق الصديق الدكتور جمال يحياوي، إلا أن التزاماته الأكاديمية ومشاريعه البحثية كانت تحُول بيني وبين البقاء معه مدة طويلة.

وضمن سلسلة محاور الملتقى الوطني (بسكرة عبر التاريخ) التي درجت الجمعية الخلدونية ــ التي كنت رئيسا لها من 1997 إلى 2011 ــ على تنظيمه بصفة منتظمة منذ عام 2000 إلى اليوم، اختير العلامة الموسوعي الشيخ عبد الرحمن الأخضري (1514م ــ 1575م) ليكون محور الطبعة الخامسة أيام 21، 22 و23 ديسمبر 2004، وكتقليد سنوي اعتدنا أثناء الافتتاح الرسمي للملتقى تكريم إحدى الشخصيات التي قدّمت للثقافة والفكر والأدب.

وخلال التحضيرات العملية لهذه الطبعة وقع الإجماع من قبل إدارة الملتقى على البحّاثة الدكتور أبي القاسم سعد الله، ليكون شخصية الملتقى وليكرّم بالمناسبة، وقـد طبع الملتقى ضمن العدد الخاص رقم (06) ديسمبر 2006 من (المجلة الخلدونية) التي كنت أرأس تحريرها، وتتصدّره صورة المكرّم الدكتور أبو القاسم سعد الله.

أما في الطبعة السادسة الموالية لسنة 2006، فقد كان الملتقى ذا صبغة دولية وتناولت (الفاتح عقبة بن نافع الفهري) وكان بالرعاية السامية لرئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة. وقد حضر الدكتور سعد الله بنفسه وألقى كلمة بالمناسبة، شكر من خلالها الجمعية على تكريمه في الملتقى الماضي بقوله: «...إني معتز بتكريمكم الذي حصل منذ سنتين ومعتز بهديتكم الثمينة الخاصة...».

«كما أثنى على مستوى هذا الملتقى والطرح العميق للأساتذة المحاضرين  أحسست أن المشاركين في هذا الملتقى قد حاولوا تجاوز الاسترضاء ودخلوا في معالجة قضايا تاريخية لا تدور إلا بين متخصصين مهرة...».

كان رحمه الله شاهدا في هذا الملتقى على تكريم الأديب الناقد الدكتور عبد الله ركيبي والعالم المجاهد الشيخ عبد القادر عثماني، وكان رئيس اللجنة العلمية في الملتقى المرحوم الدكتور موسى لقبال. وقد قمنا في الجمعية بطبع فعاليات الملتقى في مجلد فاخر عام 2010 وضم جميع المحاضرات والمداخلات، بما فيها كلمة الدكتور سعد الله.

محطات لها تاريخ

أما المحطة الأخرى لي مع هذا الرمز، فكانت خلال المهرجان الشعري محمد العيد آل خليفة في دورته (21) المنعقدة ببسكرة يومي 22، 23 أفريل 2008 حيث تم تكريم الدكتور سعد الله ولم يتسن له الحضور حينها، وقد طلبت منّي إدارة المهرجان أن أقول كلمة التكريم في حق هذه الشخصية الفذّة، وبالرغم من قلة بضاعتي فقد كتبتُ كلمة وألقيتها على أسماع الحضور، ولأن جميع فعاليات هذا المهرجان لم تجمع ولم تطبع، فقد آثرتُ أن أنشر ولأول مرة تلك الكلمة بمناسبة ذكرى وفاته، من خلال يومية «الشعب» الغراء المحترمة، حيث كتبتُ حينها: تكريم العظماء وتبجيلهم من التقاليد السامية التي تنتهجها الأمم المتحضرة والشعوب الراقية، وتحرص على تكريسها في المجتمع فتنقلها عبر الأجيال، ولاسيما إذا كان هؤلاء العظماء من الذين اجتهدوا وأسهموا في صناعة تاريخ ومجد هذه الأمم، كما أنّ التكريم من وسائل الاعتراف بخدمات هؤلاء وعطاءاتهم الفيّاضة.

ومن هذا المنطلق والقناعة الرّاسخة يشرّف مؤسسة محمد العيد آل خليفة أن تكرم واحدا من قامات الجزائر وأبنائها البررة، رجلا كرّس حياته في البحث والتنقيبِ والدراسة، وإثراء المكتبة الوطنية والعربية بكم هائل من المصنفات والكتب والأبحاث والمحاضرات والمقالات، مراجع لا يمكن لأي دارس للتاريخ والأدب والفكر أن يستغني عنها، كان مصدرها أستاذُ الجيل الشاعر والقاص والبحاثة والمؤرخ والرحالة والموسوعي المجاهد الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، الذي استحق نظير إنجازاته ودراساته الرصينة لقب (شيخ المؤرخين الجزائريين) هذا المعلّم الذي عرفته المحافل الدولية والجامعات الجزائرية والعربية والأمريكية أستاذا محاضرا وباحثا متحرّيا ومشرّفا لوطنه.

ونعتقد جازمين أن مسيرته العلمية التي تخطّت السبعين عاما، لا يمكن أن تُختصر في دقائق معدودات، ولكن نستسمح أستاذنا عذرا ونقرّ أنه لا يمكننا أن نَفِيه حقّه.

مسيرة وإنجازات

فقد ازدانت بمقدمه بلدة قمار بولاية وادي سوف بتاريخ 01 جويلية 1930، ليتمكن بعدها من إجادة حفظ القرآن الكريم كاملا، فأكسبه ذلك طلاوة في لسانه وبلاغة في بيانه، وفي عام 1947 شدّ الرحال إلى جامع الزيتونة بتونس الذي تخرّج فيه عام 1954 بشهادة التحصيل، بعدها عاد أدراجه إلى أرض الوطن، ليدرّس في مدرسة (الثبات) بالحرّاش بالجزائر العاصمة تحت إدارة الشاعر الشهيد الربيع بوشامة.
وقد تذرّع بالسفر إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج في أكتوبر 1955؛ ليستقر بالقاهرة ويلتحق بدار العلوم، التي تخرّج فيها بشهادة الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية.
كما كانت له محطة أخرى في جامعة ولاية مينوسوتا شمال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1960، قضى خلالها خمس سنوات طالبا، واختتمها بافتكاك شهادة الماجستير في التاريخ والعلوم السياسية، وشهادة الدكتوراه في نفس الاختصاصين عام 1965 بأطروحته (الحركة الوطنية الجزائرية 1830 ـ 1954).

وفي عام 1967 التحق بالجامعة الجزائرية أستاذا، كما عيّن بعدها أستاذا زائرا بعديد الجامعات، منها جامعة آل البيت بعمّان بالأردن، وجامعة: ويسكنسن، أوكلير، منيوسوتا، ميتشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية، وبجامعة الملك عبد العزيز بالمملكة السعودية، وبجامعة عين شمس ومعهد البحوث والدراسات العربية بمصر...

كما قام بعدة رحلات إلى عدة مناطق داخل الجزائر وخارجه، وكتب عنها فصولا في كتابه (تجارب في الأدب والرحلة) وقد مكنته هذه الرحلات من إتقان عدة لغات أجنبية، كالفارسية والتركية والانجليزية والفرنسية والألمانية.

وفي مجال الاحتكاك بالمنابر الإعلامية وخلال دراسته بتونس بدأ يخوض غمار النشر في جريدة (النهضة) و(الأسبوع) التونسيتين، و(البصائر) الجزائرية، هذه الأخيرة التي نشر على صفحاتها أول قصيدة حرّة بالجزائر وكانت بعنوان (طريقي) مزدانة بصورة له وهو في ريعان شبابه ضمن العدد (311) الصادر الجمعة 30 رجب 1374 هـ الموافق 25 مارس 1955، كما نشر في آخر عدد تصدره (البصائر) في سلسلتها الثانية قصيدة (الطين) في عددها (361) الجمعة 25 شعبان 1375 هـ، الموافق 6 أفريل 1956. كما كتب بمجلة (الآداب) البيروتية لمنشئها الأديب الكبير سهيل إدريس... وغيرها من المنابر الأدبية، كما أسهم في تأسيس رابطة القلم الجديد.

وفي القاهرة شارك في تأسيس اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين، الذي كان الرافد الطّلاّبي لجبهة التحرير الوطني، وفي عام 1974 كان عضوا ضمن اللجنة التحضيرية لتأسيس اتحاد الكتاب الجزائريين.

وفي ميدان الشعر نجد دواوينه تَنْبُض بالوطنية والصدق، والحس المرهف الذي اكتسبه من مطالعاته لأدبـاء المهجر، ونلمس ذلك في دواوينه: (النصر للجزائر، ثائر وحب، الزمن الأخضر) وحتى في مجموعته القصصية (سعفة خضراء).

وهو الدّارس والباحث في مسيرة الكثير من عظماء الجزائر، والتي جاءت متسلسلة كأنها أحجار كريمة مرصّعة في عِقْد فريد، منها كتاب: شاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة، القاضي الأديب الشاذلي القسنطيني، رائد التجديد الإسلامي ابن العنّابي، شيخ الإسلام عبد الكريم الفكّون، رحلة ابن حمادوش الجزائري، حياة الأمير عبد القادر لشارل هنري تشرشل (ترجمة)... وغيرها.

كما انفرد بتحقيق وإبراز أول رواية عربية جزائرية كُتبت عام 1849 أي قبل أكثر من ستين عاما على صدور رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل التي طبعت عام 1914، والتي يؤرّخ النقاد على أنها أول رواية عربيـة، وقـد عُنونت هذه الرواية المغيّبة بـ(حكاية العشاق في الحب والاشتياق) لمحمد بن إبراهيم.
أما في مجال تحقيق كتب التراث، فالدكتور أبو القاسم سعد الله فارسلا يُشق له غبار، حيث أخرج لنا الكثير من الدّرر والنفائس المخطوطة التي كادت أن تُنسى عبر تجاعيد الزمن، فإلى جانب رواية حكاية العشاق، هناك: أشعار جزائرية (1988) تاريخ العدواني (1996) رحلة ابن حمادوش الجزائري الشهيرة بـ لسان المقال (1983)، منشور الهداية في كشف حال من ادّعى العِلم والولاية لعبد الكريم الفكون (1987) ورسالة الغريب إلى الحبيب لأحمد أبي عصيدة البجائي، مختارات مجهولة من الشعر العربي للمفتي أحمد بن عمار....

إلا أن أبرز إضافة إلى المكتبة الوطنية الجزائرية تميّز بها على المؤرخين والباحثين فتتمثل في موسوعته الضخمة (تاريخ الجزائر الثقافي) في عشرة مجلدات فاخرة، وقد طبعت عدة مراتٍ كان آخرها طبعة وزارة المجاهدين عام 2005 ضمن أعماله الكاملة، التي قدّم لها رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، وصدرت في (21 مجلدا).

كما تضمّنت موسوعته تلك ؛ دراساته الرصينة وأبحاثه العميقة حول الحركة الوطنية الجزائرية، في ثلاثة أجزاء، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر في ثلاثة أجزاء، محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث (1982). كما له تأملات وأفكار ترجمها في كتبه: أفكار جامحة (1988) قضايا شائكة، منطلقات فكرية، في الجدل الثقافي، شعوب وقوميات (1985)... وغيرها. وقد طبعت جميع هذه المؤلفات ضمن (الأعمال الكاملة) للدكتور المشار إليها آنفا.

إلى جانب أبحاثه ومقالاته المنشورة في مجلة: المعرفة، المجاهد الثقافي، الثقافة، التاريخ، الأصالة... بالجزائر، ومجلتي مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعَمّان... مع مواكبته للصحافة الوطنية والعربية، ولعديد المؤتمرات الأكاديمية والملتقيات التاريخية التي تعقد في الجزائر وفي خارجها، ولم تمنعه هذه الإنجازات والأعمال الضخمة والارتباطات العلمية والأكاديمية المتشعّبة من تدوين مذكراته التي جاءت في مجلد ضخم، اختار لها عنوان (مسار قلم).

دون أن نغفل مواقفه الوطنية الثابتة تجاه الكثير من القضايا والمحطات الهامة في مسيرة الجزائر، لاسيما ثوابتها الراسخة، كيف لا وهو ابن بار لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحد الذين ارتووا من معين الحركة الوطنية الجزائرية.

آخر التغريدات: