لمحات من سيرة سلطان الدعاة الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله

بقلم: مهدي جيدال-

لا نزال نمتع أعيننا، ونشنف أسماعنا بما نقرأه أو نسمعه من سير أعلام الجزائر ودعاتها العاملين المصلحين، الذين أفنوا حشاشة أعمارهم في تبليغ دين الله تعالى والذّب عن حياضه، ومن أولئك الفحول رجل بذل الكثير، وقيل عنه القليل، وإن شئت فقل: غُمط حقه حيا وميّتا، عالم وقف بجانب إخوانه العلماء في وجه طغيان فرنسا الصليبية، ورفع في جزائر الاستقلال لواء التصدي لرواد الإلحاد وتياراتهم التغريبية، فحلٌ نافح وكافح بلسانه وقلمه نصرة للهُوية الجزائرية العربية الإسلامية الأصيلة، وطنيٌّ تشرفت به الوطنية الصادقة الحقة، وازدانت به مساجد الجزائر بدروسه وخطبه الحية، إمامٌ اتسم بالرجولة العلمية والغيرة الإسلامية، داعية عُرف بأصالة ملبسه وأناقة مطلعه وحسن سمته، فأضفوا عليه هيبة ووقارا يشهد له بذلك كل من اكتحلت عيناه بطلعته، ذلكم هو الإمام الجليل، والداعية الإسلامي الكبير، الفقيه المالكي، والخطيب الألمعي، العالم الوقور، والكاتب الهصور، الإصلاحي المجاهد الشيخ: عبد اللطيف بن علي السلطاني القنطري ولادة ونشأة، نزيل مدينة القبة، أمين مال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رحمه الله وأعلى مقامه في عليّين.

مولده وأسرته:

أبصر الشيخ عبد اللطيف الدنيا في 01 ربيع الأول سنة 1320هـ/ لـ 8 جوان 1902م، بمدينة القنطرة، وهو من أسرة مشهورة بالعلم هناك، فوالده هو الشيخ علي السلطاني أحد أعيان وفقهاء القنطرة في زمانه(1).

ومن النابغين في آل السلطاني بالقنطرة الشيخ الأمين سلطاني الأخ الشقيق للشيخ عبد اللطيف، خرّيج الزيتونة ومن حملة شهادة التطويع، قضى حياته في القنطرة مربيا ومعلما لشِيبها(2).

طلبه للعلم ورحلته للزيتونة:

لكل شيء بداية، وأولى البدايات مع كتاب الله جلّ وعلا تلقيانا وحفظا، ليستفتح الشيخ حياته العلمية متنقلا بين الكتاتيب في بلدته، ليشد رحله بعدها تجاه مدينة سيدي عقبة حيث تولى تدريسه في هذه الزاوية الرجل الصالح الخيّر التقي الشيخ الهاشمي بن المبارك رحمه الله (راوية مذهب الإمام مالك كما وصفه بذلك الشيخ محمد العيد آل خليفة)، وبعد انصرام حولين في سيدي عقبة يمم أمره تجاه الزاوية العثمانية في طولقة خاتما رحلته في ضبط القرآن هنالك وفيها أجاد حفظ القرآن رسما وقراءة وتجويدا، ثم عكف على الدروس العلمية من نحو وصرف وفقه وعقائد على الشيخ عمر بن الشيخ علي(3).

آب بعدها إلى القنطرة وتولّى فيها تعليم القرآن للصبيان ليوافق رجوعه هذا عودة أخيه الأمين سلطاني من تونس حاملا شهادة التطويع، فخفق قلب هذا الشاب القنطري لطلب المزيد واللحاق بركب والده وأخيه في زيادة التحصيل العلمي، فكانت رحلته إلى منارة العلم والعلماء بجامع الزيتونة في تونس، وعلى نهج الأُول من أساطين علماء الجزائر درج الشيخ سلطاني، لينهل من معين علماء الزيتونة.يذكر رحمه الله أنه لما عزم على السفر إلى تونس لم يخبر أحدا من أهله وفارق القنطرة في آخر ربيع الآخر (سنة 1341 هـ/نوفمبر 1922م) والتحق بجامع الزيتونة، واستمرت دراسته هناك سبع سنوات متتالية، ولمّا أتمها تقدم للمشاركة في الامتحان النهائي لنيل التطويع وكان هذا في عام 1348هـ(4).

مع جمعية العلماء معلما وداعيا وإداريا:

قفل الشيخ عبد اللطيف راجعا إلى مراتع صباه مستفتحا عهدا جديدا من حياته، ليخط نضالا آخر ينضاف إلى نضال العشرات من الزيتونيين في بناء النهضة العلمية الجزائرية. يقول الشيخ عبد اللطيف: (كاتبني أبو النهضة الجزائرية، المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس ـ رحمه الله ـ راجيا مني أن ألتحق بالتعليم، وأنخرط في سلك معلمي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فلبيت، إذ هي المُشرفة على التعليم الحر، و الموجهة له في المدارس والمساجد الحرة في ذلك الوقت، وجمعيةُ العلماء في سنتها الأولى من تأسيسها، فلبيت الرجاء)(5) واتصال الشيخ عبد اللطيف بالشيخ ابن باديس يعود إلى عهد قبل هذا، فقد نشر الشيخ عبد اللطيف مقالا في مجلة الشهاب بتاريخ: 30 ربيع الثاني 1346هـ/27 أكتوبر 1927م، ثم لما زار الإمام ابن باديس عين مليلة اِلتقاه الشيخ عبد اللطيف وألقى كلمة بحضرته(6).

عاد الشيخ مرة أخرى إلى القنطرة، فاشتغل بالتعليم في (مدرسة الهدى). ويذكر عن هذه العودة فيقول: (عدت مرة أخرى إلى القنطرة بلدتي نهائيا ... فاشتغلت بالتعليم مرة ثانية في مدرسة الهدى، وأدخلت في التعليم تعليم البنات، مع الاشتغال بتوسيعها بإعانة شباب القنطرة الناشط، فتم ذلك في سنة 1945م، وفتحت رسميا في حفلة رائعة في ينار 1947م بحضور رئيس جمعية العلماء الشيخ: البشير الإبراهيمي، وعلماء تلك الناحية: بسكرة باتنة عين التوتة، ومنهم الشاعر الكبير المرحوم الشيخ: محمد العيد آل خليفة، وحيّا القنطرة ومدرستها بقصيدة تحفة في بابها من شعره البليغ(7).

يقول الأستاذ محمد الحسن فضلاء: وهذه الطائفة المختارة من الأساتذة والمعلمين (أي في مدرسة الهدى بالقنطرة) قد قضوا على آثار الطرقية وطقوسها وأذكارها المنتشرة في القنطرة، وتطلعاتها إلى نشر ترّهاتهم الباطلة وبدعهم المنكرة، فأحدثوا ضجة وطنية كبرى في البلاد، وحركة علمية زاخرة، كان من نتائجها بعثات نفرت في سبيل العلم إلى الجامع الأخضر، والزيتونة، والمشرق العربي ضمن بعثات جمعية العلماء)(8).

وفي سنة (1366هـ/ 1946م) انتخب عضوا إداريا في المجلس الإداري لجمعية العلماء مع إسناد المراقبة له في عمالة قسنطينة، ثمّ مدرسا بمعهد الشيخ عبد الحميد ابن باديس في قسنطينة وهذا في أكتوبر1948م. حيث انتدبه الشيخ البشير الإبراهيمي مشايخ آخرين(9)، ثم عُيّن في سنة (1370هـ/1950م) ناظرا للمعهد المذكور، وقد عرف الشيخ عبد اللطيف بحزمه في أموره منذ السنوات الأولى في جمعية العلماء المسلمين، ويُذكر عنه قصصا وطرائف في ذلك منها أنه كان يقف عند باب المعهد مراقبا للطلبة عند دخولهم، فإذا جاء أحدهم حاسر الرأس يُمنع من الدخول، وإذا كان وقت الصلاة جاء يلاحظ من يصلي ومن لا يصلي(10).

وفي سبتمبر 1951 م انتخب أعضاء المجلس الإداري للجمعية الشيخ عبد اللطيف أمينا عاما لمالية جمعية العلماء (وبالمال يمتحن الرجال ).يقول الشيخ أحمد حماني رحمه الله: وفي سنة 1951 م انتخب أمينا عاما لمالية جمعية العلماء بمساعدة أخيه وزميله في الكفاح الشهيد أحمد بوشمال رحمهما الله،...فقام الرجلان بضبط المالية وتنظيم مشاريع الجمعية، وقد تمخضت ونمت وتنوعت، وقد مكن ذلك الجمعية أن تؤسس مطبعة لإخراج (البصائر) و( الشاب المسلم) – بالفرنسية-، والاستغناء عن تحكم الأجانب في طبعهما، وقد كلف شراء المطبعة بسبعة ملايين فرنك، وهو مبلغ عظيم في ذلك الزمن، كما أن ميزانية معهد عبد الحميد ابن باديس تجاوزت العشرين مليونا.

وقد اختار العلماء هذين الرجلين-عبد اللطيف وأحمد-لهذه المهمة-لما عرفا به من حزم ويقظة وضبط ودقة وصرامة وعزم، ومنحوهما التفويض الكامل في التصرف، فصدقا – بعلمهما وتصرفهما – ما تعشم فيهما(11).

ثم اختير بعدها بالإجماع مديرا لمركز جمعية العلماء في العاصمة(12). وبقي يشغل هاته المهام إلى أن أوقف عمل الجمعية سنة 1956م.

عندما نادى منادي الجهاد ....في ركب الثورة المباركة:

لا يختلف منصفان في دور العلماء أثناء الثورة المباركة، من شحذ لهمم الشعب وتحريض لهم على الجهاد بالنفس والمال، وحضهم على الصبر والمصابرة من على المنابر في المساجد، وفي أفراح الناس وأتراحهم، وعند كل فرصة تتاح لهم للقاء العامة، ناهيك مشاركتهم النوعية والفعلية في التنظيم أو في الجبال تحت لواء جبهة التحرير آنذاك.

وكما تحدثنا عن عبد اللطيف المعلم والمربي والإداري في صفوف جمعية العلماء ينبغي التعريج على عبد اللطيف المجاهد والمناضل في ثورة التحرير المباركة منذ اندلاعها، إذ كانت البداية مع البدايات الأولى للثورة حيث كان التنسيق يتم بين جمعية العلماء والمجاهد عبّان رمضان رحمه الله المسؤول آنذاك في العاصمة، يقول الرئيس بن يوسف بن خدة رحمه الله (رئيس الحكومة المؤقتة): في معرض حديثه عن عبان رمضان : (... فلعبّان مهام أخرى متعددة، كانت له اتصالات كثيفة مع عدة شخصيات كفرحات عباس وأعضاء من جمعية العلماء، وقد صاحبته في اتصالاته الأخيرة بجمعية العلماء، فاتصلنا بالشيخ عبد اللطيف القنطري المعروف والشيخ خير الدين وعباس التركي... أذكر بهذه المناسبة أنني كنت دائم الاتصال في ذلك الوقت بالشيخ عبد اللطيف سلطاني الذي كان يقيم في عمارة في ساحة أول ماي حاليا وكان غالب سكان الحي هم من الأوروبيين، [فـ]كنا نختار دائما الأحياء الأوروبية للإقامة فيها، حيث يقل التفتيش والحراسة على عكس الأحياء الشعبية)(13).

وكانت تعقد بعض الاجتماعات المهمة في منزل الشيخ، ولعل من أهمها تلك الاجتماعات التي حُضّر فيهال مؤتمر الصومام المنعقد في أوت 1956م.

وقد تولى إمامنا بعد مؤتمر الصومام مهمة جمع المال للثوار وهذا بطلب من (لجنة التنسيق والتنفيذ)، وأفسح المجال هنا للإمام الفقيه الشيخ أحمد حماني رحمه الله ليُدلي بشهادته عن رفيق دربه في الإصلاح والكفاح فيقول: (... وأثناء حرب التحرير أدى واجبه كإخوانه، وربما جهل الكثير من الناس هذا الجانب فظنوا الظنون، فالشيخ رحمه الله كان شديد الاحتياط، لا يثق إلا بمن هو أهل للثقة، ولا يعطي أحدا سره، وأنا اليوم أدلي بهذه الشهادة أُسأل عنها أمام الله، فعلى يده كانت تصل إلى الجبهة تبرعات من بعض المجاهدين بأموالهم، وفي داره نظمت عدة اجتماعات على مستوى عال سنة (1956-1957)م، وحضرها الشهيد عبان رمضان، يشرف عليها بنفسه أو يحضرها نائبه (سي صالح)...وابتدأت هذه الاجتماعات بمجيء الأستاذ عبد الحميد بن أشنهو – رحمه الله – في مهمة من المغرب مندوبا عن قيادة الجبهة هنالك، فلما اتصلت بالقيادة في الجزائر وأعلمتهم بالمهمة اشترطوا علينا أن ندبر نحن مكان الاجتماع، على أن يكون في أحد الأحياء الآتية: نهج ديزلي (العربي بن مهيدي)، أو نهج ميشلي(ديدوش مراد)، أو في الأحياء السفلى من بلكور، أو في ساحة المناورات (شامنوفر)، أو نهج تيليملي، هذه مسؤولية ثقيلة لما فيها مغامرةً باجتماع القيادة، ولا يؤتمن عليها كل واحد، ولهذا ذهبت إلى الشيخ عبد اللطيف – وكان مسكنه في ساحة المناورات أول ماي-، وأعلنت له ما عهد به إلينا، فقبل ذلك، والتزمه، وتكرر منه أثناء تلك الفترة اللقاء مع بعض الولايات كالولاية الثانية... وسلم الشيخ عبد اللطيف – بفضل الله ثم بفضل احتياطه وحذره- أن يمسه سوء، فقد اعتقلت، واعتقل الأستاذ صالح نور، وكنا من أقرب الناس إليه، وأكثرهم اطلاعا على أعماله، فلم يجر له ذكر على ألسنتنا – مع العذاب الشديد-، ثم اعتقل – فيما بلغني – أيام محنة الشهيد الكريم الشيخ الربيع بوشامة أياما معدودات ثم أطلق سراحه، ولو تكلم عنه أو اعترف به لكان مصيره كمصير الربيع رحمهما الله، وأذكر أنه استطاع أن يصل إليّ في زيارة سرية لما كنت في مستشفى باتنة أواخر سنة 1961م، وأن يمدني بتشجيع وتثبيت وحث على الصبر وكنا على أبواب الاستقلال)(14).

لم يخرج الشيخ عبد اللطيف من الجزائر إبّان الثورة وقد أتيح له ذلك، بل بقي صابرا محتسبا، معتقدا أن الخروج من الجزائر ـ بقطع النظر عن الدافع إليه ـ هو من التولي يوم الزحف الذي نهانا الله عنه، مع ما تلقاه من تهديدات من عصابة اليد الحمراء ومنظمة الجيش السري، ولكن الله حفظه وسلمه ليدرك بزوغ فجر الاستقلال(15).

وبعد أن كسر الهلال الصليب... في جزائر الاستقلال:

بعد أن أعز الله الجزائر باستقلالها، ودحر الصائل النصراني بجهاد أبنائها، وطهّر هذه الأرض الطيبة من نجاسة التثليث والصلبان، وأعاد لها عبق التوحيد والإيمان، وأدبر النصارى الفرنسيس، واستوت ضاد يعرب على غين باريس. مضى العلماء والدعاة من جمعية العلماء في مسيرة البناء، ولسان حالهم:

وقمنا نشيد صرح البـــــــــــــــــــلا *** دِ، ونبني سيادتنا الطالــــعـه

حيث شغل مترجمنا رحمه الله عدة مهام رسمية وغير رسمية بعد الاستقلال إضافة إلى عمله الدعوي، فمن الإمامة والخطابة في مسجد (كتشاوة) ومسجد (ابن فارس) إلى التدريس في ثانويات العاصمة إلى غاية تقاعده في جانفي 1971م، إضافة إلى عضويته في لجنة الفتوى التي كان يرأسها الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي حيث وصف أعضاءها بالذكاء واستحضار النوازل، وبالبراعة في تنزيل الأحكام الشرعية على النوازل الفقهية(16).

كما انتدبته وزارة الأوقاف عضوا ممثلا لها للمشاركة في مداولات التشريع في اللجنة الخاصة بدراسة الزواج وانحلاله لدى وزارة العدل(17). وكانت له مشاركة في جمعية القيم (1963-1966 م) ومجلتها (التهذيب الإسلامي)، إذ كان عضوا في المجلس التوجيهي واللجنة الأدبية فيها(18).

رحلاته وصلته بالعلماء والدعاة:

قام الشيخ سلطاني بعدة رحلات خارج الوطن، تجاه المشرق الإسلامي وكذلك تجاه الدول الغربية كانجلترا وفرنسا، ومن هذه الرحلات خرجته إلى تونس التي وقف فيها على الحال الأليمة التي صار فيها جامع الزيتونة المعمور، ولم يكن الشيخ في منأى عن حاضر العالم الإسلامي والحركة الإصلاحية العلمية فيه، فلقد كانت له أواصر أخوية وعلمية مع كثير من رموز العلم والدعوة آنذاك، كمشايخ الزيتونة وغيرهم، من ذلك الدعوة التي وجهها له الشيخ ابن باز – رحمه الله – للمشاركة في (المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة) المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في 1397هـ / 1977(19).

مؤلفاته وآثاره:

المَزدكية هي أصل الاشتراكية.

سهام الإسلام.

في سبيل العقيدة الإسلامية.

مذكرات حياتي.

الغصن الطري شرح مختصر الشيخ عبد الرحمن الأخضري في الفقه ولازال مخطوطا.

مقالاته المبثوثة في الجرائد الإصلاحية والمجلات، وكذا رسائله مع عدة شخصيات إصلاحية وسياسية(20).

ناهيك عما جادت به قريحته في دروسه وخطبه ومحاضراته المسجلة.

وعندها ترجل الفارس... محنته ووفاته:

مافتئ أحرار الجزائر يتنفسون الصعداء، بعد أن نفضوا أيديهم من المحتل الفرنسي وأذنابه، حتى رزئوا بأقوام هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، (جلبوا [إلى هذا البلد الطاهر] لباسا من الشرق وأفكارا من الغرب، وفرضوا لسان العدوّ، وبذروا – كالشياطين – مال الشعب، وأحيوا دعوى الجاهلية المنتنة، وأشاعوا باسم الثقافة الفواحش ما ظهر منها وما بطن)(21)، وبالموازاة مع ما ذكر طفت على السطح بعض الأقلام الصحفية البغيضة التي تطاولت على شعائر الإسلام الظاهرة وعقيدته بالاحتقار والازدراء، وزادوا على الكتابة في الصحف عرض المسرحيات والتمثيليات التي تُعرّض بهذا الدين، وأنه دخيل على هذه الأمة، وغيرها من السهام المسمومة التي رميت بها جزائر الاستقلال عن قوس واحدة.

كانت للشيخ سلطاني مع من ذكر حالهم جولات وصولات في ردّ زيفهم وإفكهم، مع إظهار لأصالة هذه الأمة واعتزازها بدينها الإسلامي ولغتها العربية، قائما بواجب التعليم والتربية، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، بخطبه ودروسه ومؤلفاته رحمة الله عليه، وقد لحقه من مواقفه هذه الأذى الكثير في نفسه ودينه وتاريخه، منها تلك الفرى الصلعاء من كونه يطعن في الشهداء وأنه لم يشارك في الثورة وأن مواقفه تلك وليدة حرمانه من الوزراة كذلك، يذكر الشيخ أحمد حماني رحمه الله حاكيا حال الشيخ سلطاني: كان الفقيد مؤمنا، شديد التمسك بالدّين، صلب الإرادة، قوي العزيمة، متين الخلق، لا يتحرج أن يعلن ما يحسب أنه الحق، يدافع عن رأيه بقوة وحماسة، وربما هاجم من يعترض طريقه بعنف وشدة، ولو كان من أقرب الناس إليه وأمكنهم عنده: أخ أو صديق أو تلميذ أو قريب، لا يبالي، وربما سبب له هذا الخلق حرجا كبيرا في حياته وفي علاقته بالناس العمومية والخصوصية، ومن عرف ذلك في طبعه، وعلم صدقه وإخلاصه تحمله منه و أغطى عنه(22).

إلى أن جاءت محنته الأخيرة بعد أحداث الجامعة المركزية سنة 1982م، التي اعتقل فيها رفقة الشيخ سحنون وآخرين، حيث يذكر الشيخ عبد اللطيف أن دوره في تلك القضية كان مبتغاه الرئيس منه تهدئة الوضع المشحون بين الطلبة والشرطة وليس النية منه معاداة الدولة، ذلك لأن الطلبة الجامعيين لهم ثقة في علمائهم الذين قدموا عريضة للدولة كي تراجع أمر هؤلاء الطلبة، وذكر أن الزعم بأنه معاد للدولة تهمة باطلة ورخيصة الغرض منها الإساءة إلى سمعته(23).ولكن أسيء فهمه كما قال الأستاذ فضلاء: لكن أسيئ فهمه فحكم عليه بعدم مبارحة منزله بالقبة(24)، يقول الشيخ حماني: ( ولكن يجب أن نذكر ... أن هذا التشدد منه والصلابة والصراحة، ربما استغلها بعض الناس – عفا الله عنا وعنهم – في أغراض لا تخدم الدّين ولا الوطن، وما كان الشيخ رحمه الله ولا أحد من إخوانه العلماء العاملين يريد لهذه الأمة إلا ما أمرها به الله من وحدة الصف [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] وتجنب ما نهى عنه من فرقة [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ]، [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ]، فقد كان الفقيد رحمه الله ممن ينشر الهداية الإسلامية بمبادئ كتاب الله وسنة رسوله(25).

وقد أخذت السنون تعمل عملها في جسد الشيخ، مع مالحقه فيها من أذى، فقد جاوز الثمانين ربيعا، ليخبو نور هذه المنارة التي كانت نبراسا يحتذى به سنين عددا، ابتداء من القرارم والقنطرة، وانتهاء في العاصمة، ليسلم روحه يوم الأربعاء 09 رجب 1404هـ/ لـ 11 أبريل 1984م.

ووري جسده الثرى في مقبرة (قاريدي) بالقبة، في جنازة مشهودة، وقد أم الناس في جنازته صاحبه في الدعوة والتعليم والإصلاح الشيخ الأستاذ حمزة بوكوشة- رحمه الله –.


الهوامش:

1- انظر مذكرات الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله (اعتناء: لحسن بن علجية):155.

2- انظر نبذة عن حياة الشيخ الأمين سلطاني (مطبوعة نشرتها الجمعية التاريخية والثقافية لمتحف القنطرة).

3- انظر مذكرات حياتي: 155-162، و من أعلام الإصلاح في الجزائر لفضلاء (1/251).

4- انظر مذكرات حياتي:162-172، وانظر خبر تحصيله لشهادة التطويع في الشهاب (5/395).

5- مذكرات حياتي :171-172.

6- آثار الإمام ابن باديس (4/229)، وكانت هذه الرحلة عام 1348هـ/لـ 1929م.

7- مذكرات حياتي:173-174.

8- المسيرة الرائدة للتعليم العربي الحر (القطاع القسنطيني) (1/103-104).

9- انظر آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (3/214).

10- من شهادة د.عبد الرزاق قسوم في ندوة المكتبة الوطنية حول الشيخ عبد اللطيف سلطاني.

11- مقال للشيخ حماني حول الشيخ عبد اللطيف (مصدر سابق).

12- انظر آثار الإمام البشير الإبراهيمي رحمه الله (2/449).

13- رجال صنعوا التاريخ (لقاء مع الرئيس بن يوسف بن خدة) للطاهر آيت حمو، ص: 75-81.

14- مقال للشيخ حماني حول الشيخ عبد اللطيف (مصدر سابق).

15- انظر المذكرات:186-195.

16- انظر آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (5/309).

17- محطات في تاريخ الحركة الإسلامية ص: 80 و91.

18- انظر مقال: جمعية القيم، الهاشمي التيجاني، مجلة التهذيب الإسلامي، ع:8.

19- انظر المذكرات: 185.

20- وقد تيسر لي جمع كم من مقالاته ومراسلاته الشخصية يسر الله طبعها وإخراجها.

21- مقال بعنوان: انتقام الأفكار المخذولة للأستاذ المؤرخ محمد الهادي الحسني، الشروق اليومي، ع: 3933.

22- مقال للشيخ حماني حول الشيخ عبد اللطيف (مصدر سابق).

23- انظر المذكرات: 199-214.

24- من أعلام الإصلاح في الجزائر لفضلاء (1/256).

25- الشيخ أحمد حماني، أسبوعية العصر (مصدر سابق).

آخر التغريدات: