سيد قطب (1906/1966) ومالك بن نبي (1905/1973) وحدة الروح وافتراق الأرض

بقلم: د. محمد مراح-

أنا مدينٌ في هذا المقال لصديقي ورفيق مسار رحلة المسرات والأحزان والهموم (عبدين شابو)؛ إذ أهداني وأخينا العزيز الدكتور إبراهيم نويري مقال الشيخ راشد الغنوشي:(بين سيد قطب ومالك بن نبي)، شرّح وحلل فيه فكري المفكرين الكبيرين انطلاقا من مفهوم الحضارة والإسلام، موظفا تجربته الشخصية مع فكريهما، وتقدير موضع كلّ منهما فيما راءه مناسبا في سياق الفكر التغييري الإسلامي المعاصر. أما أخونا عبدين بقوله ورأيه:(قراءتي الأولى دفعتني إلى القول: المقارنة أو المقاربة عملية إلصاق لفكرين خلقا ليتنافرا، والوقائع التاريخية تثبت ذلك (للمناقشة). فجاء هذا المقال تجاوبا وتنفيذا للرغبة، الأمر الذي لا يجدي معه سوى التنفيذ.

أما مضمون المقال – وسبحان الله فهو أحد شواغل فكري في هذه الأيام- فالحق إني أتفق فيه مع الشيخ الغنوشي إلى أبعد حدّ من الموافقة؛ لأنه حلّل فكري العظيمين رحمهما الله تعالى بموضوعية ونظرة الخبير بالمضامين والملابسات، ومركزي كلّ واحد منهما وما فتحه فكره من نوافذ يطلّ منها للمنهج والواقع والأولويات والملابسات والإكراهات والترتيبات اللازمة أي انطلاقا من التجربة والحالة الواقعية التي خبرها كل منهما رحمهما الله تعالى، ولعلّ أقرب بيان لهذا أن فكر سيد رحمه الله ما بعد مرحلة العدالة الاجتماعية والتصوير الفني للقرآن، جاء للتفاعل -سلبا وإيجابا- مع معطيات الواقع السياسي الداخلي مع نظام وطني، وزعيم عربي كبير رفع همّ أمة تتلظى بنار الاستعمار ثاوية تحت نيره أو خارجة شكلا من براثنه.

ينطلق الزعيم عبد الناصر من رؤية فلسفية اعْتَقَدَ أنّها أنسب ما يكون لأوضاع شعبه الذي طحنه استعماران: الإنكليز والملكية المتعفنة، والإقطاعية الطاغية. ومنطق الثورة لا يهادن كما نعرف جميعا، وتتوجس شرّا من كلّ مخالف؛ ترى فيه أداة استعمار. كما لا يمكننا إهمال معطى آخر لم يكن بارزا ولا متداولا بالقدر الكافي في العقود الماضية، لكن الوثائق بدأت تكشف عن أدوار سعودية في مواجهة المدّ الناصري والبعد التحرري الثوري الذي كان يمثله، والتعاطف الجماهيري الكاسح الذي يلقاه من الشعوب العربية، وقد تزامن كل هذا مع نيران الثورات التحريرية وفي قمتها الثورة الجزائرية، التي تدين بفضل لا يقدر لدور مصر وعبد الناصر. في هذا السياق يبدو أن تحركات الإخوان في مصر، وخلافاتهم مع الثورة وزعيمها، لم يكن يسع التقدير إلا إدراجها ضمن سياقات الواقع المذكور، ومنه بالطبع النظر إليها على أنها أداة في يد الاستعمار تسنده الرجعية العربية. وبالطبع فإن هذا التحليل لا يلغي عوامل أخرى كثيرة منها طغيان الزعامة، والاستبداد اللذين تميزت بهما الأنظمة الشمولية عموما.

وبما أن حركة الإخوان كانت شريكا قويا في مراحل النضال ضد الاستعمارين الإنجليزي والملكي، ثم الدور المحوري الفاعل والمؤثر في الثورة وخلع الملك، والتداخل العضوي بين قيادات فكرية وسياسية بين الطرفين (الإخوان والضباط الأحرار). فيبدو أن كل العوامل السابقة وغيرها ممّا لا يطاله تحليلي لافتقادي المعطيات الضرورية للتقدير والنظر، قد هيأ نشوب نيران التصادم العنيف الذي انتهى إلى المآسي التي انتهى إليها كما نعرف، ففات مصر ابتداء والأمة العربية، ما كان يمكن أن تحصل عليه من الانتقال إلى مرحلة الاستقلال الحقيقي الواسع السلس الحيوي المتطلع للمستقبل في كنف الشخصية الروحية والعقدية للأمة؛ واستئناف ما انقطع بعد قرون الانحطاط والاستعمار.

بناء على هذا يمكن تقدير فكر الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في مرحلة الصدام الذي ما كان يمكن أن ينتج إلا ما أنتج انعكاسا للمركز الذي أطلّ منه على الأحداث، ولسنا في حاجة للتذكير أنه فكر نشأ في أرض السجون والاضطهاد والتعذيب والرعب بما للكلمة من ظلال سوداء لا تفسح مجالا لنور غير ما تسلل من حنايا القلب المؤمن والعقيدة الراسخة، والشخصية الصابرة في صلابة وشموخ، ولمناسبة المقال أن مالك بن نبي رحمه الله تعالى لما بلغه إعدام سيد قطب كتب في دفاتره 18/9/1966: (في العالم الإسلامي المثقفون يهربون من المسؤولية، وهذا ما تعنيه بطولة سيد قطب الذي لم يخفض شراعه للعاصفة، وفضل الموت شهيدا على أن يموت خائنا) – مسقاوي(في صحبة مالك بن نبي، ج2 ص:1061).

أما مركز مالك رحمه الله تعالى ففي تفاصيله يختلف كثيرا عن مركز سيد رحمه الله تعالى؛ إذ غطى جلّ نتاجه الحالة الوطنية والإسلامية في استبداد اختياري وشبهه (التخلف والقابلية للاستعمار)، واستبداد قهري استعماري، عاشهما مفكرنا في وضع لا دولة ولا نظام وطنيين يمكن أن ينتج عنهما حالة صدامية في معظم مراحل حياته حتى مرحلتيهما اللتين نشأ عنهما وضع خاص أنتج حالة ثورية، وامتعاض وعدم رضى عن المسار الذي أخذت تتجه إليه دولته الوطنية، وهنا أخذت ملاحظات ثائرة غاضبة، تبرز في بعض ما حفظ عنه رواده وتلاميذه، وما حملته يومياته ودفاتره التي طبعت في السنوات الأخيرة. لكنها بقيت مع ذلك في حالة مستقرة مع فكره الذي يقدر ويحلل الأمور في مسارها الحضاري التغييري، وفق قواعد تغيير فلسفية انتهجه لنفسه، مَدَّته ثقافته المعاصرة الغربية بأغلب تأثيراتها الإيجابية، معمقة فيه بالطبع ثقافته الأصيلة. ولذا فلم يكن متوقعا لفكر مالك رحمه الله تعالى مهما بلغ من النقمة على الأوضاع السياسية أن يتجه لمقولات تقييمية عقدية فقهية؛ ببساطة لأن لا مركزه الثقافي والفكري يسعان ذلك، ولا رؤيته الفكرية التغييرية تتمدد على أرضها؛ أي تباين الرؤية نتاج تباين التخصص والاهتمام والرصيد المعرفي التكويني. لذا يبدو لي أنه يتعذر المقارنة بين الرؤيين لكل منهما على هذا المستوى للتباينات التي يحملها التشخيص المذكور .

لكن بالضرورة نحن في حاجة للإشارة إلى ملاحظات قد تبدو هامة، منها:

– أن سيد رحمه الله لم يكن يصدر عن شخصية سياسية فكرا ولا ممارسة؛ وإنما كان يصدر عن شخصية العالم المسلم المناهض للسلطان الجائر، وأن مقام الرضوان معلق بمواجهة طغيانه بكلمة الحق الجهيرة في وجهه.

– أن الشهيد رحمه الله تعالى لم يكن يُعنى بالتحليل السياسي بمعناه التقني، وتقديرات الأحداث والمواقف السياسية وفقا لقواعد التحليل السياسي المبنية على معطيات الواقع والمصالح والتوازنات والتجاذبات والسيناريوهات، والقرارات والمواقف المتحركة والمتغيرة تبعا لكلّ ذلك، وإنما كان يصدر عن نظرية سياسية قيمية، تصلح إطارا عامّا يتحرك ضمنه الواقع المتغير شديد الاضطراب في وقته على وجه الخصوص، ولذا فهو رحمه الله كان يصدر عن تلك الرؤية في مستواها النموذجي بروح المقاوم الصلب للطغيان، تتراءى أمام خاطره نماذج الشهادة من جيل الصحابة رضي الله عنهم، وشهداء الطغيان عبر العصور الإسلامية التي لم تكد تخلو من ثنائية (عالم وطاغية). فضلا عمّا تعكسه روحه الطاهرة رحمه الله من صفاء ونقاء وإخلاصا لله ولرسوله للمسلمين، ولقضية العودة إلى رحاب الإسلام شريعة وحياة.

أن التشخيص المتاح للحالة المصرية تحديدا في تلك الفترة يبدو أنها انتهت إلى موقفين متناطحين متصادمين في العمق والسطح؛ فصار من العبث منع التصادم العنيف المروع، وهو ما حدث، ولا تزال مصر بل والأمة العربية تتجرع كثيرا أو قليلا من أثارها.

– بالنسبة لمركز مفكرنا المرحوم مالك بن نبي؛ فيلاحظ أن المنهج الوطني الرسمي لدولة الاستقلال قد امتزجت فيه مذاقات شتى: روح نوفمبر والحالة الوجدانية والثقافية التي تعتقت في البيئة الوطنية نتيجة لمسار طويل من الكفاحين السياسي والعسكري للحالة الاستعمارية، وهذه صهرت كثيرا من عناصر التآلف والتساند والتعايش إلى جانب التباينات العميقة في التوجهات الفكرية والأيديولجية إلا أن قوة تحدي المسألة الوطنية المكافحة للاستعمار رسخت بصلابة في الواقع الجزائري الهدف المركزي وهو دحر المستعمر، الهدف الذي بقي خلفية يستند لها أي مشروع وطني. كما أن عناصر الطيف التي احتوتها حركة التحرير الوطني أثناء الثورة، واندماجها في مسار الكفاح الثوري، حفظ بمقتضاها كلّ ملمح موقعا ما بعد الاستقلال، رغم التدافعات والصراعات الكثيرة، والدموية أحيانا، والثأرية، والتهالك على المكاسب، فضلا عن السرطان الاستعماري المزروع في الجسم الوطني، وتمدده الرهيب في أوصال الدولة الوطنية، وكذا الانحرافات الخطيرة التي لم تعدمها مرحلة من مراحل الاستقلال، إلا أن كلّ هذا لم يمنع من أن يضع كلّ طيف بصمة ما في لوحة المشهد الوطني، ولسنا هنا معنيين بالتقييم؛ لأنه ليس سياق حديثنا بالطبع.

على هذا المسار الخاص مضى فكر مالك رحمه الله تعالى النهضوي مرشدا وناقدا وناقما ويائسا وثائرا، غرضا لمراكز الرصد الاستعماري والأعداء الأيديولوجيين في السلطة وخارجها، ولهذا لم نعدم في كتاباته ومواقفه الأخيرة حالة من الثورة والنقمة لا يتصور لها أن ترقى لمواقف ثورية عقائدية. ببساطة الحالة العامة والمزاج الوطني والتجربة الوطنية القائمة والماضية لا تفسح المجال لشيء من ذلك أو تستسيغه، فالبعد الإسلامي في الجزائر كان قد صبغته تجربة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمزيج الإسلام والوطنية بصبغة تتضوع عبقا، وخصوصية جزائرية مميزة.

– تتجلى في تحليلات مالك بن نبي رحمه الله تعالى شخصيته الفكرية والسياسية، وعبقرية المحلل السياسي البارع؛ ومن الملاحظات الهامة فيما أحسب عن فكره رحمه الله، أن كثيرا من رؤاه الفكرية وأدواته التحليلية، بل لبنات بناء مذهبه واتجاهه الفكري الحضاري، قد نبع من مادة الوقائع السياسية وأحداثها، ومتغيراتها، ولؤمها وتفسخها أخلاقيا، وطهرها، سيناريوهاتها واتجاهاتها؛ الوطنية والعربية والإسلامية والعالمية، فضلا عن مجالات حيوية سياسية الكبرى الفاعلة والمنفعلة. ولعلّ أقوى نموذج لمالك المنظر والمحلل السياسي البارع المرموق كتابه (الفكرة الأفريقية الآسيوية)، والصراع الفكري في البلاد المستعمرة، فضلا عن رسالته الخالدة (النجدة الشعب الجزائري يُباد)؛ فقد مزج فيه التحليل السياسي بالشخصية النضالية والفكرية الثرية ثقافة، تسلكه ضمن كبار مثقفي العصر وفلاسفته الذين وسموا ميدان النضال السياسي في سبيل الحرية وقضايا إنسانية كبرى، أمثال سارتر وبرتراند راسل وغيرهما، بعلامات مميزة لرصيد الفكر النضالي العالمي المعاصر في المجال السياسي، من مداخل فلسفية واجتماعية وأدبية وغيرها. ومن المؤشرات الدالة على هذه الخصيصة في فكر مالك بن نبي رحمه الله تعالى أن كثيرا من الأفكار المركزية في فكره، ومفاتيح عطائه الفكري، هي قضايا ومشكلات ووقائع ومفاهيم سياسية بحتة، أذكر منها: تقسيمه الجيو – سياسي للعالم بمعيارية موقع العالم الإسلامي محور(طنجة جاكرتا) ومحور (واشنطن – موسكو) . و(صفين) بوصفها نقطة تكسّر الحيوية السياسية التي بذرها الرسول صلى الله عليه وسلم، ونمّاها أداء الخلفاء الراشدين خصوصا في عهدي الشيخين رضي الله عنها. و(عصر ما بعد الموحدين) بوصفه محطة نزول العالم الإسلامي من قطار الحضارة، ودخوله كهف البيات الشتوي الطويل، تخلفا وانحطاطا. والفكرة الآسيوية الإفريقية بوصفها فرصة ذهبية لطرح طريق ثالث يعدّل القطبية الثنائية إلى قطبية ثالوث يجذب إليه القوى الناهضة الواعدة بنمط سياسي واقتصادي واجتماعي مقاوم للهيمنة والاستغلال، والعمل المنهجي الواثق من تحقيق توازن قطبي عالمي يخدم الإنسان بخصوصياته وأوضاعه الحضارية المتباينة تباين المؤثرات التي حددت تلك الأوضاع.

أما المصطلح المركزي الأهم فهو (القابلية للاستعمار) الذي عليه مدار تحليلاته لأوضاع العالم الإسلامي، وآفاقه المستقبلية، فوجهه السياسي بارز بروز الحالة العينية التي سمي بها.

وقد يكون من المناسب إنجاز عمل إحصائي في فكر مالك بن نبي رحمه الله تعالى، بتتبع المادة السياسية، ثم استخراجها، وتصنيفها وفق منهجية إحصائية كيفية وكمية، ممّا يعد ربما بمفاجئة نوعية دالة لنتائج فكرية عميقة تمنحنا أدوات تحليل حيوية خصبة لفكره، وأفكارا بناءة لنواة منهج في التحليل السياسي من منظور الزاوية الحضارية.

أخيرا لا أعتقد أن المرء سيقول جديدا بشأن الإسلام والحضارة في فكر الرجلين الكبيرين رحمهما الله تعالى. فقد أوفى مقال الشيخ الغنوشي بالمهمة ببراعة. كما نقف على تحليلات عميقة رائعة – حسب ما اطلعت – في كتاب التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي لأستاذنا الدكتور علي القريشي، وكذلك تحليلات ثرية في كتاب المجاهد الأمين المخلص الأستاذ عمر كامل مسقاوي (في صحبة مالك بن نبي).

كما أرى أن المقارنة بين المفكرين رحمهما الله تعالى عدا مسألة (الحضارة): مفهوما وصلة بالإسلام غير موضوعية؛ لأنها غير ذات موضوع؛ أي الاختلاف الجذري في القضايا والموضوعات التي انصب عليها اهتمام كلّ منهما، وقد يكون من السطحية حشر مصطلحات النهضة والتغيير ليبحث في سياقاتها ما من شأنه إنشاء مقارنات مثمرة منهجيا، وتوجيها للفكر الإسلامي إثراء مستقبليا. والخير والجدوى في تقديري تجاوز المقارنة العبثية بين الفكرين، والاتجاه لإثراء المستقبل بما يتبين أنه في حاجة إليه، كلّ من مركزه الفكري وبالتالي من مداخله الخاصة.

آخر التغريدات: