الأعمال الشعرية الكاملة لمحمد العيد آل خليفة

بقلم: محمد الهادي الحسني-

أشكر الأستاذ باسم بلام شُكريْن، شكرا على اهتمامه بجمع ما تفرّق من شعر محمد العيد آل خليفة، شاعر الحكمة البالغة، والوطنية الصادقة، والتديّن الورع، والمعاني الجليلة، والمبادئ النبيلة، والمواقف الشريفة، وشكرا على تشريفه لي بأن عهد إليّ بكتابة كلمة تدرج في هذا الكتاب، مع جزمي بأن هناك من أرباب الأحلام وأصحاب الأقلام من هم أولى مني بذلك.

قرأت اسم محمد العيد آل خليفة أول مرة في عام 1964، وأنا تلميذ في السنة الثانية من التعليم المتوسط بثانوية رمضان عبان بمدينة الجزائر.

كان مقررا علينا كتاب عنوانه “النصوص المختارة”، من إعداد وزارة التربية الوطنية، وكان من بين تلك النصوص قطعة شعرية لمحمد العيد أعجبتني فكرتها الرئيسية التي جادل فيها محمد العيد أولئك الذين ازدروا وضيفته التعليمية، واعتبروها “هموما كلها ووجائع”، وزعموا أن عمره مع النشء ضائع، فكان رد محمد العيد متفائلا، واثقا من أن هؤلاء الشبان “ستطلع للإسلام منهم طلائع”، كلّ فيما يسّره له الله – عز وجل- ولا أكتم أنني كنت أتطلع إلى أن أصير أحد الذين ذكرهم محمد العيد – والخيرة فيما اختاره سبحانه وتعالى.

ثم قرأت مقالا قيّما للأستاذ صالح خرفي في مجلة المعرفة التي كانت تصدرها وزارة الأوقاف، قارن فيه بين عالمين وشاعرين جمعهم – رغم تباعد الزمان والمكان- موقف واحد، هو الدفاع عن الإسلام ومقدساته وحضارته التي تجنّى عليها الكاتبان الفرنسيان جابريال هانوتو وروبير آشيل.

كان العالمان هما محمد عبده (ت: 1905) وعبد الحميد ابن باديس (ت:1940)، وكان الشاعران هما أحمد شوقي (ت: 1932) ومحمد العيد آل خليفة (ت: 1979).

إن الأمر الذي لفت نظر الأستاذ صالح خرفي هو أنّ ردّيْ محمد عبده وأحمد شوقي لم يكونا موقّعيْن باسميهما الصريحيْن، فمحمد عبده وقّع رده باسم “عالم من علماء الإسلام وإمام من أئمة المسلمين”، وشوقي لم تعرف نسبة ما كتبه حتى ظهر في ديوانه المسمى “الشوقيات المجهولة”.

العجب في ذلك هو أن محمد عبده وأحمد شوقي كانا يردان على هانوتو وهما بعيدان عنه، وهو بعيد عنهما، ولا سلطان لبلده على بلدهما، إذ أن مصر كانت خاضعة لبريطانيا، فلماذا يتستران على اسميهما؟
بينما كان ردّا ابن باديس ومحمد العيد يحملان توقيعَيْهما رغم دواعي التستّر عليهما، لقربهما من آشيل المستقوي بدولته فرنسا، وقدرته – إن أراد- أن يؤذيهما. وقد بلغ محمد العيد منتهى الشجاعة وهو يجعل اسم آشيل في عنوان قصيدته، ويصفه بالهذيان “ما بال آشيل يهذي”، ومدح الإمام ابن باديس في ردّه على آشيل، ووصفه بالبطولة، فقال:

“عبد الحميد” رعاك الله من بطل  ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل

دمَغْتَ أقوال “آشيل” كما دمَغَتْ  أبطالَ “أبرهة” الطيرُ الأبابيل

وفي سنة 1965، وفي إطار النشاط الثقافي للثانوية المذكورة، مثّلْنا على مسرح مدينة الحراش مسرحية بلال الشعرية لمحمد العيد، ثم مثّلْناها على خشبة المسرح الوطني في ساحة بور سعيد، بمدينة الجزائر، وقد أدّيت فيها دور ورقة بن نوفل.

ورغم دوري القصير في المسرحية فقد اندمجت فيها، وأحسست روحها تسري في كياني رغم أنني لم أفهم – آنذاك- مقصد الشاعر من مسرحيته التي ألّفها في أثناء طغيان فرنسا في الجزائر، الذي هو كما رفض بلال النزول عن عقيدته وإسلامه – رغم ما سُلّط عليه من عذاب هون ـ، فإن الجزائر ترفض أن تنزل عن مقوماتها من دين ولسان وأرض وعرض مهما أصابها ويُصبْها من الآلام.. وأن عهد الظلم ليس بباقٍّ.

وفي عام 1966 التحقت بالكويت الشقيقة فحصلت على كتاب أستاذنا الدكتور أبي القاسم سعد الله عن محمد العيد آل خليفة، الذي قدّم له الإمام محمد البشير الإبراهيمي. ومذّاك سكنني الاهتمام بشعر محمد العيد إلى يوم الناس هذا.

وعندما طبع ديوانه لأول مرة في سنة 1967 رُحت أقرأ محمد العيد قراءة الفهم، مستعينا بآراء زملائه الذين خُطّت الأقدار في صحيفتي أن أتشرف بمعرفتهم: محمد الصالح رمضان، حمزة بكوشة، جلول البدوي، محمد الطاهر فضلاء، عبد الرحمن شيبان، أحمد سحنون.. ومستعينا بدراسات من سعدت بصداقتهما الدكتورين محمد ناصر، ومحمد ابن سمينة، الذي أخذت إلى بيروت عملَه المسمى “العيديات المجهولة”، لنشره في “دار الغرب الإسلامي” لصاحبها الحاج الحبيب اللمسي، الذي خدم تراث الجزائر والمغرب الإسلامي، ونشره في الأمصار، وقد نشره الحاج اللمسي تحت عنوان “تكملة ديوان محمد العيد آل خليفة”، وقد توليت تصحيح تجاربه هناك، وقد صرت “عيديّ” الهوى، فكنت أردّد مقاطع أو أبياتا من شعره، لما يحمله من معان فحلة في عبارات جزْلة، لأن محمد العيد شاعر فكرة لا شاعر شهوة أو كسرة، ويكفيه شرفا وفخرا أن يطلق عليه اسم “حسّان الحركة الإصلاحية” تشبيها له بحسّان بن ثابت رضي الله عنه.

وأحب أن أنوّه باهتمام الأخ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بمحمد العيد آل خليفة، مقتديا في ذلك بوالده الإمام محمد البشير الإبراهيمي، تقديرا منه لشخص محمد العيد وإعجابا بشعره.
وقد أنحى الإمام الإبراهيمي باللوائم على الجزائريين الذين جهلوا قيمة محمد العيد، ولم يقدروه حق قدره، فخطب فيمن حضر تدشين مدرسة مدينة بسكرة قائلا: “إنكم جهلتم قدر شاعركم، وواطأكم على هذا الجهل الجزائريون جميعا، ولو كان محمد العيد في أمة غير الأمة الجزائرية لكان له شأن يستأثر بهوى النفس، وذكرٍ يسير مَسير الشمس (1)”، ولهذا عدّ من النقص “أن يبقى شعر محمد العيد غير مجموع ولا مطبوع (2)".

وقد قدّر الله – عز وجل- أن يتحقق رجاء الإمام الإبراهيمي في جمع شعر محمد العيد وطبعه في المبادرة التي قام بها الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي عندما عيّن على رأس وزارة التربية الوطنية، فشكّل لجنة لجمع ما أمكن جمعه من شعر محمد العيد ونشره في عام 1967.

ولم ينقطع اهتمام الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بمحمد العيد آل خليفة، وقد حدثني عدة مرات عن ضرورة إعادة نشر ديوان محمد العيد، مرتبا ترتيبا أَلِفْبَائِيًا، مع استدراك لما فات في الطبعة الأولى من تحقيق وتدقيق.

ومن هذا الاهتمام اقتراح الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي على الأستاذ سعود البابطين، صاحب مؤسسة البابطين، إنجاز طبعة لديوان محمد العيد آل خليفة، وقد تقبّل الرجل الفكرة، مشترطا الحصول على إذن ورثة الشاعر، ونزولهم عن الحقوق المادية، لأنه لا يطبع الديوان للتجارة، ولكن لتوزيعه على المكتبات العمومية ومراكز البحث.

وقد طلب مني الدكتور أحمد طالب أن أتصل بورثة الشاعر، فافترَصْتُ فرصة زيارتي لمدينة بسكرة بمناسبة ملتقى الشيخ محمد الأخضر حسين، في أواخر شهر ديسمبر من عام 2007، فاتصلت بابنه، وعرضت عليه الفكرة، فلم يتجاوب معها، ولم يتحمّس لها، وألقى معاذيره التي اعتبرتها “تصغيرا” لمحمد العيد، و”إنقاصا” من قيمته، حيث اشترط إذن شخص وكتابته مقدمة للديوان، مع أن جهد ذلك الشخص أن يقرأ قراءة سليمة قصيدة من قصائد محمد العيد، فضلا عن أن يعقل معانيها ويفهم مراميها، فخرجت من عنده وأنا أردد المثل السائر: “أريها السّهى وتريني القمر”.

لست مؤهلا للحديث عن شعر محمد العيد فنيا، فما عُلّمْتُ الشعرَ، ولكنني أجد في شعره القول الجميل، والعمل الجليل، والرأي الأصيل، والموقف النبيل، فأطرب لذلك واهتز، ألم يقل شاعرنا العربي:

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس خليقا أن يقال له شعر

لأنه لا يثير ذكرى، ولا يشحن عاطفة، ولا يحرك وجدانا، وإنما هو “تقطيع وأوزان” كما قال شاعر آخر.

أنا من المعجبين بجهاد محمد العيد الكبير في سبيل دينه، ولسانه، وأرضه، وعرضه، ووطنه، وشعبه، فاستحقّ وصف “صوت الجزائر” الذي أطلقه عليه المستشرق الألماني وِيلهِيلهمْ هويْنَرْبَاخْ (3)، فـ “شعره سِجِلٌّ صادق لهذه النهضة، وعرضٌ رائعٌ لأطوارها (4)”، بل “هو الوحيد من بين شعرائنا الذي انقطع لخدمة أمته وبلاده بشعره في إخلاص ونزاهة لا يشوبهما أو يكدرهما شيء (5)”، أليس هو القائل والفاعل:

قف حيثُ شعبك مهما كان موقفُه أوْ لاَ، فإنك عضو منه مُنْحسِمُ

فكن مع الشعب في قوله وفي عمل إن كنت بالرجل الشعبي تَتّسمُ

لقد لفت نظري في عمل الأستاذ باسم بلاّم ملاحظته التي سبق لي أن لاحظتها عند تصحيحي “تكملة ديوان محمد العيد آل خليفة”، وعند زيارتي للزاويتين التجانيتين في كل من عين ماضي وتماسين، وهذه الملاحظة هي مدح العيد لأحد شيوخ التجانية (6). وقد شككت في نسبة ما قرأته إلى الشيخ محمد العيد، لأنه يعلم موقف الإمامين ابن باديس والإبراهيمي مما ينسب إلى الشيخ أحمد التجاني عن “صلاة الفاتح”، التي سمّاها الإمام الإبراهيمي “بانْجِيل التجاني (7)”، التي يزعم أن قراءتها مرة واحدة “تعدل ستة آلاف ختمة من القرآن”.

وعلى ذكر “صلاة الفاتح” فإن الشيخ محمد بن الحسن الحجوي، الجزائري الأصل، المغربي الميلاد والوفاة (1874-1956)، صاحب الكتاب القيم “الفكر السامي في تاريخ الفكر الإسلامي”، له رسالة سمّاها “القرآن فوق كل شيء” ينفي فيها كثيرا مما هو منسوب للشيخ التجاني، ومنه ما تقوّل عنه في “صلاة الفاتح”، وهي محققة ومنشورة. وعلى العموم فإن الأستاذ باسم شكّك في نسبة القصيدتين إلى محمد العيد، خاصة أنهما نُظمتا في سنة 1956، وقد كان الشاعر في هذه الفترة تحت الإقامة الإجبارية في بسكرة من سنة 1955 إلى عام 1962.. والقضية تحتاج إلى مزيد تحقيق وتدقيق، وإذا كان أفضل الأنبياء والمرسلين قد كُذب عليه، ووُضع على لسانه الشريف كلام غير شريف، فكيف لا يُتقوّل على الشيخ أحمد التجاني، فينسب إليه هذا المنكر من القول؟
وأمر آخر اكتشفته في الديوان رغم قراءاتي السابقة له، وهو وصف محمّد العيد الإمام الإبراهيمي بالصوفي.. وحتى لا يفرح “الشطّاحون” من الطرقيين المنحرفين، ويشيعون بأن أحد كبار الاصلاحيين “منّا”، وما هو منهم، ولا هم منه، فإن محمد العيد يفسد عليهم “فرحتهم” فيصف هذه الصوفية بـ “السلفية”، فيقول:

ويكشف عن صوفية سلفية إلى وردها الصافي “القُشَيْرِي” ألمعا.

إن شعر محمد العيد لم يكن “شعرا عبدا”، لأن صاحبه لم يكن عبدا، بل كان يملك روحا حرة، وعاش ما عاش داعيا إلى الحرية، مجاهدا في سبيلها، مضحيا من أجلها، محرضا شعبه على إبانة حقنا في بلادنا أمام المرتابين في هذا الحق، وإن لم نُجَبْ إلى حقنا من طرف الباغين فـ:

هلمَّ نعارك فالحياة معارك هلمَّ نقاحم فالحياة مقاحم

هلمَّ نثر في المؤمنين جميعهم سويا له مثل الرعود دمادِم

هلمَّ نبع لله ما ابتاع منهم ففي البيع أرباح لنا وغنائم

رحم الله محمد العيد، وأقعده مقاعد الصدق على ما قال وما عمل، وشكرا للأستاذ باسم على عمله، وخدمته لشعر محمد العيد الذي هو أهل لذاك. (*).


الهوامش:
1- جريدة البصائر في 5-2-1952. ص7.

2- مجلة الشهاب جوان – جويلية 1938. ص 268.

3- جريدة الشعب في 16 مارس 1970

4- مجلة الشهاب – مرجع سابق . ص 268.

5- محمد الصالح رمضان: مجلة لمحات (الجزائر) السنة 4. عدد 5. سنة 1973 ص 29.

7- آثار الإمام الإبراهيمي ج1. ص171

8- مجلة الشهاب، مارس 1934. ص167.

– هذه الكلمة كتبتها بإلحاح من الأستاذ باسم بلاّم لتكون مع كلمة الأستاذ الدكتور رابح دوب كما جاء في غلاف الكتاب قبل طبعه كتقديم لعمله الذي أنجزه تحت عنوان “الأعمال الشعرية الكاملة لمحمد العيد آل خليفة”.. وقد بدا للأستاذ أن يستغني عن هذه الكلمة، ولست أدري لماذا، (؟!) والحمد لله حيث لم أورط فاضليْن آخريْن كان الأستاذ بلاّم طلب مني أن استكتبهما؟ وقد قرآ العمل قبل نشره وقدّما ملاحظات جيدة ليكون العمل أكمل..

وأنصح شبابنا أن يحرصوا على أن يكون رأس مالهم وربحهم هما كلمة “الشرف” التي تخرج من أفواههم أو تسجلها أقلامهم؟

آخر التغريدات: