رائد تعليم المرأة الجزائرية وراعي الموهوبين عبد الحميد بن باديس

بقلم: علي محمد الغريب-

القصد إلى البناء، والسعي لإنارة العقول والقلوب، وحسن تعبيد الناس لربهم: صفات لا تحتاج إلى جهد كبير لتلمسها والتعرف عليها؛ حين نقرأ سيرة الإمام عبدالحميد بن باديس(1889-1940 ) رحمه الله تعالى؛  فقد ظهر في مرحلة يترنح فيها المجتمع الجزائري؛ بفعل ممارسات الاستعمار الفرنسي، الذي كان يسعى ليلا ونهارا لطمس الشخصية الجزائرية وهضمها،  وإذابتها في شخصيته؛ فيسقط جزءا من الجسد المسلم في دول المغرب العربي.

ميلاده:

ولد الإمام عبدالحميد بن باديس رحمه الله في عام 1307هـ الموافق 1889م في الجزائر، لأسرة عريقة في العلم والنفوذ الاجتماعي، فأحد أجداده المشهورين هو الشيخ عبدالمعز بن باديس أحد الذين قاوموا المد الشيعي في عصره وقد ذكره ابن خلدون في تاريخه للدولة الصنهاجية.

والده:

وكان والد بن باديس على وعي ودراية جيدة بأبعاد الصراع الحضاري الذي تواجهه الجزائر، فلم يعلّمه في المدارس الفرنسية جرياً على عادات العائلات الميسورة؛ وإنما أرسله ليتعلم في الكتاتيب ويتلقى القرآن والعلوم الشرعية على الشيخ المقرئ محمد بن المدّاسي، فحفظ عليه القرآن وجوده، وعمره لم يتجاوز الثالثة عشر سنة.

طلبه للعلم:

وفي قسنطينة تلقى العلوم العربية والإسلامية والأخلاق على يد الشيخ  حمدان الونيسي، وأظهر براعة واضحة واستعدادا كبيرا في طلب العلم نال بهما إعجاب أساتذته.

الرحلة في طلب العلم:

على أن المرحلة المهمة في حياة ابن باديس كانت مرحلة تلقيه العلوم في جامع الزيتونة بتونس، وقبل استقراره بتونس لتلقي العلم هناك كان قد هم باللحاق بشيخه الونيسي الذي ارتحل إلى المدينة النبوية، وكان عمره لم يتجاوز الـ 19 عاما، لكن والده منعه من السفر؛ فكان الاستقرار في تونس حيث جامع الزيتونة وعلمائه الكبار، أمثال: الشيخ محمد النخلي، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وغيرهم، وظل يأخذ عن شيوخه حتى استوفى الكثير مما عندهم من العلوم الإسلامية، طيلة أربع سنوات، إلى أن أجازوه للتدريس، فمكث بعد تخرجه سنة أخرى للتدريس فيها، وكانت تلك عادة متبعة في كثير من الجامعات الإسلامية.

ابن باديس المربي:

ومن أهم ما تميزت به شخصية الإمام ابن باديس: حضوره التربوي البارز، فقد كان يدرك أن التربية هي أساس الإصلاح، وأنه يجب على الشعب الجزائري أن يتربى على دينه وقيمه بالتزامن مع مكافحة المستعمر الفرنسي، الذي يسعى بكل السبل لمحو الشخصية الإسلامية وتثبيت الروح النصرانية في الوجدان الجزائري.

الرجوع للأصول:

وكان الرجوع بالشعب الجزائري إلى ينابيعه: هو الهدف الأعلى الذي انطلق منه ابن باديس فها هو يقول: (الرجوع بالشعب إلى عقائد الإسلام المبنيّة على العلم، وفضائله، المبنية على القوة والرحمة، وأحكامه المبنية على العدل والإحسان، ونظمه المبنية على التعاون بين الأفراد والجماعات، والتآلف والتعامل والتعاون، وأن لا فضل لأحد على أحد إلا بتقوى الله، ومن اتقى الله فهو أنفع الخلق لعباد الله).

ابن باديس، و رعاية الموهوبين

وكان من أهم ما يشغل ابن باديس هو رعاية الموهوبين من شباب الشعب الجزائري؛ فهم الجيش المقاتل في معركة الصراع الحضاري، وهم المصدات والحصون المنيعة في وجه محاولات الانفلات بالمجتمع الجزائري، وقطعه عن  سياقه العربي المسلم، وهو الابتلاء العظيم إذا أُهملوا أو لم ينتبه لهم المربون؛ فكانوا من أهم ما يشغل فكره فوضع لهم البرامج والخطط ليصوغ روحهم وفكرهم على هدي الإسلام وحضارته المتينة.

احترام شخصية المتعلمين:

وكان رحمه الله يشجع تلاميذه من الشباب على إبداء آرائهم في المسائل المختلفة التي يدرسونها، واستخدام تفكيرهم لفهم ما أشكل منها، وكان يحرص طوال مسيرته التربوية على: احترام شخصية المتعلمين وتقوية عزائمهم، رافضًا بشدة أساليب التقنيط والتحقير التي كانت تُمارَس على المتعلمين؛ لخطورة ما يترتب علــى ذلك مــن جمـــود وانحطــاط.

يقـول موضحا رؤيته:(إن النفوس عندما تشعر بحرمتها وقدرتها على الكمال، تنبعث بقوة ورغبة وعزيمة لنيل المطلوب، وعندما تشعر بحقارتها وعجزها، تقعد عن العمل، وترجع إلى أحط دركات الهبوط).

ويبيّن خطورة التحقير والتقنيط على نفوس الأفراد والجماعات فيقول: (إن التحقير والتقنيط وقطع حَبْل الرجاء، قتلٌ للنفوس، نفوس الأفراد والجماعات، وذلك ضد التربية والاحترام والتنشيط.. وبعث الرجاء إحياء لها، وذلك هو غرض كل مربّ ناصح في تربيته).

رائد تعليم المرأة

أدرك ابن باديس أن الاكتفاء بتحذير الأسر من عواقب التعليم الأجنبي: لن يكون مجديا، لذلك دعى لتعليم المرأة؛ لتعرف دينها وتعرف أصول التربية؛ لينهض المجتمع الجزائري بجناحيه، ليؤسس البيت المسلم على العلم والوعي، فيقول: (البيت هو المدرسة الأولى والمصنع الأصلي لتكوين الرجال، وتديّن الأم هو أساس حفظ الدين والخُلُق. والضعف الذي نجده من ناحيتهما في رجالنا، معظمه نشأ من عدم التربية الإسلامية في البيوت، بسبب جهل الأمهات وقلة تدينهن).

مجانية تعليم البنات

وكان من أول الخطوات العملية التي اتخذها ابن باديس في هذا السبيل: أنه لما تأسست جمعية التربية والتعليم حرص ـ رحمه الله ـ أن يتضمن قانونها الأساسي: مجانية تعليم البنات، سواء كن قادرات على دفع مصاريفه، أم عاجزات عن دفعها؛ وذلك تشجيعا لهن على الإقبال على الدراسة.

حث أولياء الأمور

علاوة على ذلك فقد كان يتصل شخصيا بأولياء الأمور، ويحثهم على إرسال بناتهم إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم ويطلب من الدعاة أن ينشر أهمية تعليم النساء بين الناس، فقد كان مؤمنا بدور المرأة المسلمة في البناء والنهضة فيقول: (علينا أن نكمّل النساء تكميلاً دينيًا، يهيئهُنَّ للنهوض بالقسم الداخلي من الحياة، وإعداد الكاملين ومساعدتهم للنهوض بالقسم الخارجي منها، وبذلك تنتظم الحياة انتظامًا طبيعيًا تبلغ به الإنسانية سعادتها وكمالها).

التربية الصالحة

ويرى أن تكوين المرأة المتدينة الواعية هو: من أهم شروط تكوين الرجال الصالحين القادرين على تحمل المسؤوليات فيقول: (إذا أردنا أن نكوِّن رجالاً: فعلينا أن نكوِّن أمهات دينيات، ولا سبيل إلى ذلك إلا: بتعليم البنات تعليمًا دينيًا، وتربيّتهنّ تربية إسلامية، وإذا تركناهنّ على ما هنّ عليه من الجهل بالدين؛ فمحال أن نرجو منهن أن تُكَوِّنَّ لنا عظماء الرجال. وشرّ من تَرْكِهِنَّ جاهلاتٍ بالدين، إلقاؤهنّ حيث يُرَبَّيْنَ تربيةً تنفّرهنَّ من الدين، أو تحقِّره في أعينهنَّ، فيصبحن ممسوخات لا يلدن إلا مثلهنّ).

ويؤكد الشيخ ابن باديس على عدم اختلاط البنات بالذكور في التعليم، لأن في ذلك مفسدة لهم، وعليه: (فلا يجوز اختلاط النساء بالرجال في التعليم، فإما أن يُفْرَدْنَ بيوم؛ وإما أن يَتَأَخْرَنَ عن صفوف الرجال).

ابن باديس شاعرا:

وكان الإمام بن باديس ـ رحمه الله ـ  فضلا عن كونه مربيا ومفكرا كبيرا؛ فقد كان شاعرا يرتجل الشعر في المناسبات المختلفة.

ونورد له نصا شعريا بعنوان "اشهدي يا سما" ارتجله في حفل أقامته جمعية التربية والتعليم بقسنطينة في رمضان 1356هـ ونشرته جريدة البصائر في العدد 92 في شوال 1356 الموافق 1937م

اشهدي ياسما

اشِهِدي يَا سَمَـا وَاكْتُبَنْ يا وُجـودْ

إنَّـنَـا للِحـمَـا سَنَكُونُ الجُـنُـودْ

فـنَـزيحْ البَـلاَ وَنَـفُـكُّ الْقُيُـودْ

ونَنيلُ الـرِّضـا مِنْ وَفَّى بِالعْهُـودِ

ونُـذيقُ الـرَّدَى كُـلَّ عـاتٍ كَنُودْ

وَيَـرَى جـِيلُـنَا خَـافـقَاتِ البُنودْ

ويَـرَى نجْمُنَـا لِلْعُـلاَ في صُعـودْ

هَكَـذَا هَـكَـذَا هَـكَـذا سَنَعُـودْ

فاشْهَدي يَا سَمَا واكتُبْن يا وُجـودْ

إنَّـنَـا للـعُـلاَ إنَّـنَـا للخُـلُـودْ


مراجع:

        عبدالحميد بن باديس وجهوده التربوية / محمد مصطفى حميداتو/ سلسة كتاب الأمة.

        عبدالحميد بن باديس العالم الرباني والزعيم السياسي/ عالم الأفكار/ مازن صالح المطبقاني.

        مواقف الإمام الإبراهمي ـ الثورة الجزائرية 1954ـ1962/ عالم الأفكار/ بدون مؤلف.

آخر التغريدات: