الشيخ عبد الرحمان الجيلالي: ذاكرة الأمة

بقلم: أ.د. مولود عويمر-

في ليلة الجمعة 12 نوفمبر 2010م توفيّ العلامة الشيخ عبد الرحمان الجيلالي عن عمر ناهز قرنا وعامين. نحاول في هذا المقال عرض أهم محطات في حياته العامرة، وبيان جهوده في خدمة التاريخ الجزائري، وكذلك سرد بعض ذكرياتي معه.

مسار وأعمال:

ولد الشيخ عبد الرحمان الجيلالي ببولوغين (الجزائر) في 9 فبراير 1908م. حفظ القرآن، ودرس ألوانا من الثقافة الإسلامية: اللغة العربية والأدب والفقه وعلم الكلام على علماء الجزائر أمثال: الشيخ محمود البوزيدي والشيخ أبو القاسم الحفناوي والشيخ المولود الزريبي والشيخ عبد الحليم بن سماية والدكتور محمد بن أبي شنب. كما تعلم اللغة الفرنسية بمفرده.

اشتغل الشيخ عبد الرحمان الجيلالي عدة وظائف دينية في شبابه كمجوّد وحزّاب في بعض مساجد العاصمة الكبرى، ثم عمل أستاذا بمدرسة الشبيبة الإسلامية إلى جانب عدد من قادة الإصلاح أمثال محمد العيد آل خليفة، فرحات بن الدراجي، باعزيز بن عمر، جلول البدوي...ومن هذه المدرسة الرائدة تخرجت نخبة من رجال الثقافة والسياسة.

وانخرط أيضا في العمل الجمعوي لخدمة أفراد مجتمعه، فساهم في تأسيس جمعية الهداية الإسلامية بحي العناصر في عام 1934م لتعليم القرآن واللغة العربية. وانضم إلى الجمعية الإسلامية لمقاومة الكحول، وقدم عدة محاضرات في النوادي والمساجد عن أخطار الخمر البدنية والدينية والاجتماعية.

وكان يعتمد في محاضراته على المراجع الدينية الأساسية والبحوث الحديثة في مجالات الطب والاجتماع. وفي هذا السياق ألقى محاضرة في نادي النهضة بالبليدة في ماي 1933م استشهد فيها بموقف ولي عهد السويد الذي أعلن لمواطنيه أنه أقلع عن شرب الخمر ودعاهم إلى الإقتداء به في ذلك.

وتحدث الشيخ عبد الرحمان الجيلالي أيضا عن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتحريم الخمور بسائر أنواعها. وتكلم عن عدد من الدراسات الحديثة التي أثبتت علميا أضرار الخمر المختلفة.

الدعوة والإعلام

أدرك الشيخ الجيلالي قيمة الإعلام مبكرا، فالتحق بالقسم العربي لإذاعة الجزائر، وارتبط بهذه المؤسسة لمدة طويلة ولم ينفصل عنها إلا في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وقدم خلالها أحاديث كثيرة حتى انتشر اسمه في كل أرجاء الجزائر.

وأنا طفل صغير سمعت في بلدتنا الكبار يتحدثون عن دروسه بإعجاب وتقدير حتى أن بعضهم لا يفرق بينه وبين الشيخ عبد القادر الجيلاني، مؤسس الطريقة الصوفية الشهيرة: القادرية.

نرجو أن ينشر هذا التراث السمعي البصري الغني وذلك بتفريغ الأشرطة ثم إصداره في شكل كتب كما هو معمول به في بلاد الغرب والشرق.

أما فيما يتعلق بالكتابة الصحفية، فقد كتب مقالات تاريخية وأدبية في عدة جرائد ومجلات: النجاح، الإقدام، البصائر، الشهاب، هنا الجزائر، الأصالة، الثقافة، الشعب... الخ. وركز في مقالاته وبحوثه على أعلام الجزائر (المكي بن عزوز، محمد البشير الإبراهيمي، مبارك الميلي، عبد الحليم بن سماية...) وحواضرها (الجزائر، بجاية، تلمسان، قسنطينة، المدية...) ليبيّن إسهامات هذه البلاد في الثقافة العربية الإسلامية في العصور القديمة والحديثة.

عمل الشيخ عبد الرحمان الجيلالي بعد الاستقلال باحثا بالمتحف الوطني للآثار بداية من عام 1965م، وفي عام 1970م عيّن أستاذا للفقه المالكي بمعهد تكوين الأئمة بمفتاح (ولاية البليدة)، ثم التحق بجامعة الجزائر في سنة 1983م كأستاذ لعلم الحديث.

وتفرغ كذلك للدعوة وإلقاء المحاضرات في عدة ملتقيات دينية وتاريخية عبر التراب الوطني. نذكر من بين محاضراته،: "لمحة عابرة إلى ما كان من العلاقات التاريخية بين الجزائر واسبانيا الأندلسية."؛ دور سيدي عبد الرحمان الثعالبي في انتظام النضال الحربي والسياسي في الجزائر في القرن التاسع الهجري (15 م). متى بدأ طبع المصحف الشريف؟ وترجمته؟ نعم، لقد حفر بكتاباته ومحاضراته وأحاديثه مكانا مرموقا بين الفقهاء والمؤرخين.

كتب ومقالات:

ألف الشيخ الجيلالي مجموعة كتب وهي: تاريخ الجزائر العام، ذكرى الدكتور محمد بن أبي شنب، مسرحية المولد، تاريخ المدن الثلاث، سكة الأمير عبد القادر...

يمثل كتاب "تاريخ الجزائر العام" أهم ما ألفه. وصدر الجزء الأول منه في عام 1953م عن المطبعة العربية.

ورحبت الحركة الإصلاحية بكتاب "تاريخ الجزائر العام"، فكتب عنه الشيخ محمد علي دبوز سلسلة من المقالات في جريدة البصائر. فهذا الكتاب يمثل في نظره "سفرا مهما لا تحصى فوائده، ولا تعد عائدته، وقد أسدى به للجزائر يدا تشكره، وأهدى منه لأبنائه منة عظمى، بما صور لهم من ماضيهم المشرق، ورسم لهم من مجدهم التليد، ورفع الستار عن جدودهم فرأوا أي سماء كانت تسبح فيه الجزائر، وأي عز كانت تجرر أذياله و أي عظمة كان عليها قطرنا الحبي في شخصيته، وأي مدى بلغه في الحضارة والرقي حتى صار في قديمه مهوى الأفئدة من الدنيا، ومحل الإعجاب في العالم".

وعلى الرغم من كل هذا الجهد الكبير والحرص الشديد من طرف المؤلف، فلم يسلم الكتاب من الأخطاء، فكتب الشيخ دبوز عشر مقالة للتوسع فيما اختصر عليه الشيخ الجيلالي اختصارا مخلا، وتصحيح العديد من المعلومات، والتدقيق في بعض الأحداث التاريخية.

وسارعت جريدة المنار إلى بيت الشيخ الجيلالي وحاورته في مضمون هذا الكتاب ودوافع تأليفه وهو مازال قيد الطبع. قال لهذه الجريدة أن دافعه الأساس من كتابة هذا التاريخ هو غموضه وتشعبه وتشتته. وأنه لحد الآن لم يدرس دراسة واضحة فأردت أن أطهره من هذه العيوب كلها التي جعلت الناس يجهلونه.

وسيردد هذا الكلام في عام 1990 عندما صرح لجريدة السلام قائلا: » لأنني رأيت الجزائر مهضومة التاريخ كتبت تاريخ الجزائر« .

وأضاف الشيخ عبد الرحمان الجيلالي في الحوارين السابقين أنه كان يقصد من تأليف ذلك الكتاب بث الوعي القومي لدى الجزائريين وهم يقرؤنا هذا التراث الذي يؤكد لهم أنهم ينتمون لأمة تملك "تاريخا ماجدا تستطيع أن تفتخر به."

وكانت طريقة الشيخ الجيلالي في كتابة التاريخ تعتمد على سرد الأحداث حسب تسلسلها التاريخي، وذكر مشاهير الجزائر في ذلك العصر، ووضع جدول تاريخي يلخص ما ورد في الكتاب. توقف الجزء الرابع عند بداية الثورة التحريرية.

واعتمد في هذا الكتاب على المصادر والمراجع العربية والفرنسية. وقد ساعدته زوجته أم غالب على جمع المادة والترجمة. كما استعان بالمعلومات التي سجلها من المحاضرات التي سمعها، كمحاضرة الدكتور محمود قاسم عميد كلية دار العلوم (جامعة القاهرة) ألقاها بمركز الإعلام العربي بالجزائر يوم الأربعاء 9 مارس 1966م. واستعمل كذلك شهاداته للكتابة على الشخصيات التي عاصرها أمثال: الدكتور محمد بن العربي وعبد الحليم بن سماية ومحمد بن أبي شنب... الخ.

رحبت مجلة الشهاب الإصلاحية بصدور كتاب "ذكرى الدكتور محمد بن أبي شنب"، ودعت » كل جزائري يجري في عروقه دم الشهامة والغيرة الإسلامية. إلى اقتناء هذا الكتاب ومطالعته.

أما رواية المولد فقد لقيت رواجا كبيرا، ومثلت كمسرحية عدة مرات، وبثتها بعض الأقسام العربية لإذاعات دولية في لندن ونيويورك وباكستان ومصر.

وترك كتبا مخطوطة، منها: شرح على كتاب الجوهر المرتب في العمل على الربع المجيب للشيخ المكي بن عزوز، تاريخ الموسيقى العربية، الإستشراق الغربي والثقافة الإسلامية،...الخ.

ونتمنى أن ترى مخطوطاته النور هذه السنة، وتصدر ضمن الكتب المبرمجة في إصدارات تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية أو ضمن مشاريع ثقافية أخرى.. الخ.

لقاءات وذكريات:

ومازلت أتذكر يوم الأربعاء 6 ديسمبر 2005م الذي التقيت فيه هذا العالم الشهير بالمركز الثقافي الإسلامي الكائن بشارع علي بومنجل. فقد جلس الشيخ الجيلالي في الصف الأول مع العالم الجليل الشيخ عبد الرحمان شيبان ينصتان إلى محاضرتي بعنوان: "الوعي التاريخي عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين".

وبعد المحاضرة، سمعت بدوري لمناقشات وتعقيبات أساتذتي: عبد الرحمان شيبان وعبد الرحمان الجيلالي وسعيد شيبان ومحمد حمداوي (مدير المركز الثقافي) ومحمد العلمي السائحي والطاهر بن عيشة وسعدي بزيان. تدخل الشيخ عبد الرحمان الجيلالي فأثنى على محاضرتي ثناء جميلا، فوصفني بأوصاف أكبر مني بكثير.

تحدث بعد ذلك عن تجربته الشخصية في كتابة التاريخ، وبدايات اهتمامه بالبحث التاريخي حينما كان معلما بمدرسة الشبيبة الإسلامية. فقال إنه كان يجد صعوبة في تدريس تاريخ الجزائر لقلة المراجع، فالكتاب الوحيد المؤلف باللغة العربية آنذاك هو "مختصر تاريخ الجزائر العام" للمؤرخ التونسي عثمان الكعاك (1903-1976م). فعزم على تأليف كتاب تاريخ الجزائر العام مستعينا بكراريسه التي كان يحضر فيها دروسه للطلبة.

وبهذه المناسبة الفريدة التقطنا صورة تذكارية جماعية مع الشيخ عبد الرحمان الجيلالي والشيخ عبد الرحمان شيبان وبعض الطلبة الذين أصروا على القعود والاستفادة من الشيخين الجليلين، ولكن للأسف لم نتمكن من إخراجها لسبب تقني. وهكذا ضاعت صورة تذكارية نادرة جمعت بين الجيلين الحاملين لهم الإشعاع الثقافي في البلاد.

وأحب أن أختم هذا المقال بفقرة اقتبستها من مقال كتبه الشيخ الجيلالي عن الشيخ المكي بن عزوز وهو يعدد خصاله ويشيد بجهوده ويدعو إلى الوفاء لذكره، وهي عبارات تنطبق عليه اليوم: »فرحمك الله ... حيث أحييت ذكر الجزائر في أقصى المشرق وأظهرت للمنصفين العقلاء أن فيها قوما لو قيسوا بكثيرين لربوا عنهم وما هم عنها بغافلين... إن هذا الرجل أحيى هذا القطر بعلمه فمن الواجب على القطر أن يحي ذكره ويخلده بعد موته«.


*أ.د. مولود عويمر: أستاذ تاريخ الفكر المعاصر بجامعة الجزائر 2

آخر التغريدات: