المرحوم عبد الغاني بلمهدي: نعم الرجال الذين يهبون عند الفزع ويفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع

بقلم: محمد مصطفى حابس-

إن مرحلة الشباب هي الفترة الذهبية من عمر الإنسان، وهي التي ترسم ملامح مستقبل المرء وتحدِّده، لذلك حرص الإسلام كل الحرص على التربية وغرس مبدأ الولاء للدِّين الحنيف كعقيدة في المؤمنين، حتى يبقى الإسلام هو مدار حياة المسلم، يعيش به ويحيا له، حتى يلقى ربه. لا لشيء إلا لأن الشباب هم طاقة الأمة وقوتها، وعمادها ومصدر عزتها، وقد جعلهم الله ـ عز وجل ـ من أعظم أسباب بلوغ المعالي والقمم ـ لا تشذ عن ذلك أمة من الأمم، ومن أكبر مقوِّمات بناء مجد الأمة، وصناعة تاريخها، فشباب اليوم هم رجال الغد « وهم الأصل الذي يبنى عليه مستقبل الأمة، ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالحثِّ على حسن رعايتهم وتوجيههم إلى ما فيه الخير والصلاح.

والاهتمام بالشباب والعناية بهم في عالمنا الإسلامي، رغم الصعاب والمحن، أمارة خير في الأمة المسلمة، ودليل فلاح فيها؛ لأن صلاحهم يعد من مسالك صلاح الأمة في حاضرها ومستقبلها، فمنهم يكون العامل والبناء، والمهندس والطبيب، والمعلِّم والمربِّي، والصانع والحرفي، والكاتب والإعلامي، وطالب العلم والعالم الرباني، وغيرهم من صنوف الشباب العامل النافع لبلده وأمته..

هذا؛ وقد عني الإسلام أيّما عناية بهذه المرحلة الحساسة، وأولاها اهتمامًا بالغًا، وذلك حتى تستغل هذه الفترة الاستغلال الأكمل، ويستفاد منها الاستفادة المثلى، في تحمل الأعباء والتكاليف، والقيام بالواجبات والمسؤوليات على أحسن وجه، وقد سجل التاريخُ الإسلامي الحافلُ بالإنجازات، لمسةَ تقدير وعرفان لثلة من الشباب المؤمن، على مرِّ الزمان، آثروا الأخذ بأسباب التمكين، من الإيمان بالله جل وعلا، والاهتمام بالعلم النافع والعمل الصالح، والحرص على معالي الأمور، وعدم الركون إلى الدعَة والفتور.

ولهذا التاريخ الإسلامي، أن يسجل أيضا اليوم لبعض شباب الجزائر، منهم الأخ العزيز المهندس والمربي عبد الغني بلهادي، الذي وافاه الأجل يوم الخميس الماضي، وهو في سن العطاء، هذا الذي عرفناه عنه أنه كان شابا خلوقا من بداية مسيرته في مسجد دار الأرقم بن الأرقم بالجزائر العاصمة، متتلمذا على أئمة المساجد ورجال الصحوة وعلمائها بشغف، حيث تابع دروس الفقه عند الشيخ طاهر آيت علجت حفظه الله، كما تعلم علوم القرآن والقراءات على الشيخ مصطفى أكرور، وتابع دروس الميراث عند الشيخ موسى صاري رحمه الله، وتعلم على مشايخ دار الأرقم أمثال الشيخ أحمد سحنون والشيخ محمد السعيد رحمهم الله، وتعلم علم الحديث والأصول على الشيخ الدكتور محي الدين درويش وغيرهم.

ولما التحق بالجامعة كان ناشطا في الوسط الطلابي مشاركا في المعارض والندوات، إذ تميز عن أقرانه، بمهمة التسجيل المرئي، بكاميرا المسجد، فكان يقوم بالتغطية الإعلامية في تسجيل الندوات والمحاضرات، واستجواب المشايخ والضيوف، أمثال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله والشيخ محمود الصواف رحمه الله، والشيخ عبد المجيد الزنداني، وغيرهم من الضيوف، وقد ساهم في تغطية ملتقيات الدعوة الإسلامية وهو لا يزال يدرس في الجمعة دون كلل ولا ملل، بل كثيرا ما تطوع لتأطير تلاميذ المدارس وتدريسهم نهاية الأسبوع، خاصة إلقاء دروس التقوية لأقسام امتحانات المتوسط والبكالوريا.

تعرفت عليه عن قرب وعجل، في مرحلة شبابه هذه أي في نهاية الثمانينات، يوم كنت أبحث عن مساعد لي في تسجيل حوارات مع رموز الثورة الجزائرية وشيوخ جمعية العلماء، أمثال الشيخ حمزة بوكوشة والشيخ إبراهيم مزهودي والشيخ محمد الصالح رمضان، وغيرهم رحمهم الله جميعا، كما تعرفت على موهبته التقنية يوم كنا نحضر للتجمع النسوي أمام البرلمان الذي دعت له ونظمته رابطة الدعوة الإسلامية ذات يوم 21 ديسمبر 1989، وقد ساعدنا في تقنيات الأجهزة الصوتية الشاب عبد الغاني وبعض الإخوة أصحاب الاختصاص، إذ اشتغلنا الليلة كلها تقريبا لربط أزيد من كيلومتر من الأسلاك مع الموزع الصوتي، لأجده رغم ذلك غدا في الصفوف الأولى مع الشباب في التنظيم والتسيير معنا..معلوم أن التجمع النسوي هذا لم يسبق له مثيل في تاريخ الجزائر إذ افتتحه يومها العلامة الشيخ “أحمد سحنون” رئيس رابطة الدعوة الإسلامية، كان يوما مشهودا في تاريخ العالم الإسلامي، بحيث خرجت فيه حرائر الجزائر بحجابهن ولباسهن التقليدي المحتشم في مسيرة نسوية حاشدة أمام مقر المجلس الشعبي الوطني، تعبّرن فيه عن تمسّكهن بدينهن ووطنهن وعروبتهن، وعن رفض المرأة الجزائرية المسلمة لكل ما يمسّ كرامتها وشخصيتها.

هذا هو ديدن الشاب الأمازيغي عبد الغاني، من شغل لشغل، ومن مرحلة لأخرى، وحتى بعد تخرجه من الجامعة بقي مرابطا في المسجد مشتغلا في حقل الدعوة، ليس كخطيب بل كمسير ومنظر ومساعد، ومرت عليه محنة العشرية السوداء فأخذ نصيبه منها مثل شباب جيله من أبناء الصحوة فلم يبدل ولم يغير، محافظا على العمل التربوي مهما كانت الظروف لأنه قد تبين له ولإخوانه أن الرصيد الاحتياطي الإستراتيجي للدعوة الإسلامية هو ما تخرجه مدارس التربية الأصيلة الفعالة من الرجال الصادقين الأكفاء الذين يهبّون عند الفزع ويفسحون الطريق لغيرهم عند الطمع، مع الذين نذروا أنفسهم لخدمة الإسلام مع العاملين الصادقين المحتسبين لما يصيبهم في سبيل الله ولا يضعفون ولا يستكينون مهما حاصرتهم المحن من كل جانب وتكالب الأعداء ضدهم وتخاذل ” الأشقاء ” من حولهم..

هذا هو ديدن الشاب المسلم عبد الغاني، حتى باغته المرض الخبيث منذ سنتين، فألزمه الفراش، وأخبرني أحد معارفه، أن المرحوم صبر واحتسب، لكنه اشتاق لزيارة بيت الله الحرام، إذ لم يبق له إلا ركن واحد من دينه وهو أداء فريضة الحج، فلما قرر الذهاب للحج هذه السنة، كتب على صفحته في الفايسبوك أنه يرغب في الحج ولكنه لا يملك جواز سفر، فاتصل به محسنون ولبوا رغبته وبحمد الله أدى فريضة الحج ومباشرة بعد الانتهاء من أداء المناسك يبدو أن حالته الصحية تدهورت كثيرا فالتزم بيته مرغما حتى وفاه الأجل، صابرا محتسبا.

آخر التغريدات: