ويسألونك عن جمعية العلماء … فقل!؟

بقلم: أ.د. عبدالرزاق قسّوم

إنهم يتساءلون: ما محل جمعية العلماء المسلمين من الإعراب في الجملة النحوية الجزائرية المفيدة؟ وما مكانتها، على الخارطة الوطنية في عملية البناء، والتنمية الرشيدة؟

عندما يسألونك فقل، إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هي الجزائر في بُعدها الجغرافي العميق، ونُبلها التاريخي العريق. وهي العربية، العروبية، في عمقها الحضاري الدقيق، وتطورها العلمي العالمي الأنيق، وجمالها الأدبي الرقيق.

فجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هي النبض السليم، للإسلام، في نصه الفصيح، وفهمه الصحيح، وسلوكه الإنساني الصريح.

إن هذه الجمعية، التي ساقها الله، إلى الجزائر، عندما أصابها القحط الاستعماري، وغشيها الجدب الانكشاري، قد حَوّلت بإخلاص علمائها، وصدق حكمائها، حَوّلت هذا القحط إلى خصوبة ونماء، والجدب إلى اخضرار وصفاء.

وما كان الأمر باليسر، فقد اصطدمت الجمعية في المسير بكل ما هو عسير، فجابهت الدروشة باسم الدين، والصعلكة باسم الإيديولوجيا، والانتهازية باسم الوطنية، والتضليل باسم الحزبية السياسية.
ولك يا قارئي العزيز، أن تفك معادلة عقلية أطرافها الدروشة، والصعلكة، والانتهازية والتضليل، وقد اجتمعت على غير هدى، لمقاومة الجمعية، تحت عناوين مضللة ومزيفة.

فتارة باسم الحفاظ على السُنة التي تبرر للاحتلال، من الأناسي والجِنّة. وتارة باسم التقدم والعصرنة والحداثة، لتبرير التشرذم، والكثلكة، والدياثة. وأخرى باسم الاحتكار للزعامة، وفرض التسلط والقِوامة، وإفراغ السياسة من الفهامة، والسطو فيها على الإمامة.

وهي كلها، كما دلت عليها حقائق التاريخ والجغرافيا، آلت إلى زوال؛ لأن المعادلة كانت فاقدة للمقدمات المنطقية السليمة، فكانت نتائجها الغثائية الذميـمة والعقيمة.

إن الحقيقة التي تقوم عليها دعائم وأسس البناء لجمعية العلماء، هي الركائز التي غدت اليوم، بمثابة الثوابت، التي هي القواعد المضادة للزلازل والزعازع في البناء الوطني، ومن أهمها:
1- استقلالية جمعية العلماء في القرار الوطني، فهي لا تتحزب، ولا تتعصب، فلا عدوّ لها إلا عدو الوطن، والإسلام، ولا حليف لها إلا حليف الوطن والإسلام.

2- تبنّي المنهج الوسطي المعتدل المتسامح، المنفتح على المخالف، والمصادق للمؤالف، رائدها في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[سورة سبإ، الآية 24].

3- الوعي بقضايا الوطن، ومعاناة الأمة، فهي تقاسم المواطن آلامه وآماله، فتنفخ فيه من روح الإسلام والوطنية النفخة الصحيحة، بالعلم، والتربية، لتوعيته بواقعه، وضرورة تجاوز هذا الواقع بالعلم والعمل.

4- التصدي لكل مظاهر الفساد، بإصلاح العقل، وتقويم السلوك، وتوعية الناس بحقائق الصلاح والإصلاح، لبناء المجتمع الوطني، العربي، المسلم، الأفضل.

5- المقاومة الشرسة للصهيونية المقيتة وحليفها الاستعمار، الذي يدوس على كل الشرائع والقوانين، من أجل السطو على العرض، وتعطيل كل نصوص الفرض.

فهذه العينات من المبادئ والثوابت كفيلة أن تؤلب علينا، أعداء هذه الثوابت، من المنسلبين سياسيا، والمغزوين ثقافيا، والمنهزمين نفسيا، فهم لذلك ينعتوننا بأبشع الأوصاف، ويضعوننا في خانة أشنع الأصناف، وما نقموا منا إلا لثباتنا على الإيمان الصحيح بالدين، والالتزام القويم بالوطنية، والتطبيق الصريح للعربية التي هي وجه الوطن، ولسان الدين، وترجمان الحضارة.

وكان من الطبيعي أن يجلب علينا هذا الموقف الجليل، والنبيل، شتى أنواع الحرمان والعقاب.

فمن التشكيك في انتمائنا الوطني، والتزامنا بنضاله، إلى حرماننا من مقومات القيام برسالتنا، وتبليغ خطابنا في أحسن أحواله، وتجفيف منابع خزينتنا، من خيرات الوطن وأمواله.

فنحن في زعمهم: ظلاميون أحيانا، وإخوانيون أحيانا أخرى، ونحن في منطقهم المعوج إرهابيون، ومتطرفون، وغلاة، وجناة، والحال أنهم أول من يسلّم في باطنهم، أننا براء من كل هذا، بل إننا المَثل الوطني الإسلامي، الذي يجب أن يُقتدى ويُحتذى.

وما أقض مضجع المناوئين لنا، المجاهرين بعدائنا، أن الجمعية –والحمد لله- تزداد انتشاراً وامتداداً، أفقيا وعموديا، محليا ودوليا.

فالجمعية، حاضرة في كل الولايات، وفي معظم البلديات، ينتشر خطابها الذي يبشر بالتسامح والانفتاح، ويدعو إلى الإصلاح والانشراح، تبني لذلك المدارس والنوادي، وهي المغارس للقيم الإنسانية السامية، عن كل تعصب أو عنصرية.

وإذن، فعندما يسألونك عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقل، إنها معجزة الله الخالدة في الوطن الجزائري، وفي الأمة الإسلامية قاطبة، تواسي المعوز فيها، وتنصر المظلوم منها، وتعين على نوائب الدهر.

نقطة القوة في جمعية العلماء –وما أكثر نقاط قوتها- أنها لا تطلب مناصب، ولا مكاسب، وهي زاهدة في الانتخاب أو الحِراب، وهي لا مقصد لها ولا هدف إلا تحقيق الصواب، بأيسر الأسباب.

هذه –إذن- يا إخوتي، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لولاها، لكانت الجزائر مثل جزائر الواق واق، كما قال إمامنا الإبراهيمي.

وإنها لماضيه بكل عزم وحزم، في طريق تحقيق رسالتها، فبالرغم من الأشواك والعقبات المزروعة في طريقها، وهي تتمثل في ذلك كله بقول الشاعر القديم: لا تحسبن المجد، تمراً، أنت آكله لن تبلغ المجد، حتى تلعق الصِبرا.

آخر التغريدات: