محمد صلى الله عليه وآله وسلم رجل القومية العربية

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

لا يستطيع أن ينفع الناس من أهمل أمر نفسه. فعناية المرء بنفسه – عقلا وروحا وبدنا – لازمة له ليكون ذا أثر نافع في الناس على منازلهم منه في القرب والبعد، ومثل هذا كل شعب من شعوب البشر لا يستطيع أن ينفع البشرية ما دام مهملا مشتتا لا يهديه علم، ولا يمتنه خلق، ولا يجمعه شعور بنفسه ولا بمقومات ولا بروابطه. وإنما ينفع المجتمع الإنساني ويؤثر في سيره من كان من الشعوب قد شعر بنفسه فنظر إلى ماضيه وحاله ومستقبله، فأخذ الأصول الثابتة من الماضي، وأصلح شأنه في الحال، ومد يده لبناء المستقبل يتناول من زمنه وأمم عصره ما يصلح لبنائه معرضا عما لا حاجة له به أو ما لا يناسب شكل بنائه الذي وضعه على مقتضى ذوقه ومصلحته.

فمحمد – صلى الله عليه وسلم – وهو رسول الإنسانية كانت أو عنايته موجهة إلى قومه، وكانت دعوته على ترتيب حكيم بديع لا يمكن أن يتم إصلاح إنسانيا أو شعبيا إلا بمراعاته فكان " أول دعوته – صلى الله عليه وسلم – لعشيرته، لقوله تعالى : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ » فلما نزلت صعد الصفا ثم ندى "يا صباحاه" وكانت دعوة الجاهلية إذا دعاها اجتمعت إليه عاشيراته – فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها، فعم وخص فقال : "أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أكنتم مصدقي". قالوا ما جربنا عليك كذبا. قال : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرة بن لؤي، يا آل عبد شمس، يا آل عبد مناف، يا آل هاشم، يا آل عبد المطلب، يا صفية، يا فاطمة، سلوني من مالي ما شئتم وأعلموا أنا أوليائي يوم القيامة المتقون، فإن تكونوا يوم القيامة مع قرابتكم فذلك وأياي، لا يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على أعناقكم فأصد بوجهي عنكم فتقولون يا محمد فأقول هكذا – وصرف وجهه إلى الشق الآخر – غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها...- ثم وجه دعوته إلى بقية العرب في مواسم الحج وما يتصل بها من أسواقهم، ثم عمم دعوته لقوله تعالى : « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ »، فكاتب ملوك الأمم وقد عمت دعوته العرب وتهيأ أمرهم لعموم دخولهم في الإسلام، وكان ذلك أيام هدنته مه قريش قبيل فتح مكة. ثم تجد أكثر السور المكية قد وجه فيها الخطاب إلى قريش، وإلى العرب، وعولجت فيها مفاسدهم الاجتماعية وضلالاتهم الشركية، وما كان منهم من تحريف وتبديل لملة إبراهيم، فكان أول الإصلاح متوجها إليهم ومعنيا بهم حتى ينتشلوا من وهدة جهلهم وضلالهم وسوء حالهم وتستنير عقولهم وتتطهر نفوسهم وتستقيم أعمالهم فيصلحوا لتبليغ دين الله وهدى رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم – للأمم بالقول والعمل. ثم لأجل أن يشعروا بأن القرآن هو كتاب هداية لهم كلهم، وأن الرسول لهم كلهم، أنزل القرآن على سبعة أحرفا، فعم جميع لهجاتهم، وكان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – يخاطبهم بتلك اللهجات وينطق بالكلمات منها ليس من لهجة قريش، وكان في هذا ما أشعرهم بوحدتهم بالتفافهم حول مركز واحد ينتهون كلهم إليه ويشتركون فيه.

وقد نبه على هذا المعنى قوله تعالى : « وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلوُنَ » فأخبره أن القرآن شرف له ولقومه – نول بلغتهم ونهض بهم من كبوتهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهيأهم لهدية الأمم وإنقاذها من الهلاك، وقيادتها لعزها وسعادتها – وإنهم يسألون عن هذه النعمة. يقول هذا ليعملوا بالقرآن ويعلموا أن شرفه إنما هو للعالمين.

على أن العرب رشحوا لهدية الأمم التي تدين بالإسلام، وتقبل هدايته، ستتكلم بلسان الإسلام، وهو لسان العرب فينمو عدد الأمة العربية بنمو عدد من يتكلمون لغتها، ويهتدون مثلها بهدى الإسلام. علم هذا فبين أن من تكلم بلسان العرب فهو عربي وإن لم ينحدر من سلالة العرب، فكان ذلك من عنايته بهم لتكثير عددهم لينهضوا بما رشحوا له. بين هذا في حديث رواه بن عساكر في تاريخ بغداد بسنده عن مالك الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : "جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، فقال : هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – فما بال  هذا – يعني الفارسي والرومي والحبشي ما يدعهم إلى نصره وهم ليسوا عربا مثل قومه – فقام إليه معاذ بن جبل – رضي الله عنه – فأخذه بتلابيبه (يعني ما على نحره من الثياب) ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم – مغضبا يجر ردائه لما أعجله من الغضب حتى أتى المسجد تم نادى : "الصلاة جامعة" (ليجتمع الناس)، وقال صلى الله عليه وسلم : "أيها الناس، الرب واحد، والأب واحد، وأن الدين واحد، وليس العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي"، فقام معاذ فقال : فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله ؟ قال : "دعه إلى النار" فكان قيس ممن إرتد في الردة فقتل.

تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد، وتكاد لا تكون أمة من الأمم لا تتكلم بلسان واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوبها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد : ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان وشهدت ما بينهما من اختلاف نظر وتباين قصد وتباعد تفكير، ثم وضعت شاميا وجزائريا – مثلا – ينطقان باللسان العربي ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب في ذلك كله، لو فعلت هذا لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم.

فانظر بعد هذا إلى ما قرره هذا النبي الكريم، رسول الإنسانية، ورجل القومية العربية، في الحديث المتقدم، فقضى بكلمته تلك على العصبية العنصرية الضيقة المفرقة، فنبه على تساوي البشر في أنهم كلهم مخلوقون لله، فربهم واحد، وإنهم كلهم من عنصر واحد فأبوهم آدم واحد، وذكر بأخوة دين الإسلام دين الأخوة البشرية والتسامح الإنساني، ثم قرر قاعدة عظمى من قواعد العمران والاجتماع في تكوين الأمم، ووضع للأمة العربية قانونا دينيا اجتماعيا طبيعيا لتتسع دائرتها لجميع الأمم التي رشحت لدعوتهم إلى الإسلام بلغة الإسلام. وقد كان ذلك من أعظم ما سهل نشر الهدايا الإسلامية وتقارب عناصر البشرية وامتزاجها بعضها ببعض حتى كان تمرة اتحادها وتعاونها ذلك التمدن الإسلامي العربي الذي أنار العالم شرقا وغربا، وكان السبب في نهضة الغرب والأساس لمدنية اليوم. وبذلك أيضا كانت الأمة العربية اليوم تجاوز السبعين مليونا عدا لا تخلو منهم قارة من قارات المعمورة.

كون رسول الإنسانية ورجل القومية العربية أمته هذا التكوين المحكم العظيم ووجهها لتقوم للإسلام والبشرية بذلك العمل الجليل. فلم يكونها لتستولي على الأمم، ولكن لتنقذهم من سلطة المسؤولين باسم الملك أو باسم الدين. ولم يكونها لتستخدم الأمم في مصالحها، ولكن لتخدم الأمم في مصالحهم. ولم يكوها لتدوس كرامة الأمم وشرفها ولكن لتنهض بهم من دركات الجهل والذل والفساد، إلى درجات العز والصلاح والكرامة. وبالجملة : لم يكونهم لأنفسهم بل كونهم للبشرية جمعاء. فبحق قال فيهم الفيلسوف العظيم غوستاف لوبون : " لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب"، نعم لأنهم فتحوا فتح هداية لا فتح  استعمار، وجاءوا دعاة سعادة لا طغاة استعباد.

هذا هو رسول الإنسانية ورجل القومية العربية الذي كان له الفضل – بإذن الله – عليها، ويشهد المنصفون من غير العرب وغير المسلمين له بهذا الفضل، ويتغنى العرب غير المسلمين بكره. وكم دبحت أقلام الكتاب والشعراء من إخواننا نصارى العرب بالشرق من حلل البيان في الثناء عليه والإشادة بفضله.

هذا  هو  رسول الإنسانية ورجل الأمة العربية الذي نهتدي بهديه ونخدم القومية العربية خدمته، وتوجهها توجيهه، ونحيا ونموت عليها، وإن جهل الجاهلون... وخدع المخادعون... واضطرب المضطربون...

وإلى عتاب الكريمة نتقدم بهذه الكلمة في مولده الشريف الذي هو عيد الإسلام والعروبة والإنسانية كلها(1)، عاد الله فيه باللطف والرحمة على الجميع(2).

 

1-كتب الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس هذا  الموضوع المولودي على غرار موضوع "العرب في القرآن" تفنيدا لمحاولات المسخ والتشويه والتغريب.. التي كان يقوم بها الاستعماريون – خداعا وتضليلا – فهو رجل الإسلام والقرآن، يكتب عن العرب من الناحية التي تخدم الإسلام والقرآن..

2- الشهاب : ج3 م12، غرة ربيع الأول 1355 هـ/جوان 1936 م.

آخر التغريدات: