حول مساجين العلماء: هل في سجن “الكدية” ما يذكرنا بـ (الباستيل)؟ …

بقلم: الشيخ عبد الحميد بن باديس-

الباستيل وما أدراك ما الباستيل! وما أحوج الشعوب المستضعفة أن تعرف تاريخ الباستيل ونهاية الباستيل!

هو حصن منيع اتخذه ملوك فرنسا المستبدون سجنا يلقون فيه الأحرار المفكرين، فيقضون أيام في ظلمات اقبائه حتى يأتي عليهم الموت، يلقونهم في غيابات هذا السجن الرهيب دون محاكمة ولا جرم معلوم.

وفي 14 جوليت سنة 1789 هاجم الشعب الفرنسي الثائر هذا الحصن وضربه بالمدافع واستولى عليه ومثل بحراسه شر تمثيل وأطلق سراح من فيه.

كان سقوط هذا السجن رمزا لسلطة الشعب وفوز الأحرار، كما كان قيامه رمزا لاستبداد الملوك وخنق الحرية.

لذلك اتخذ يوم سقوطه عيدا للحرية تجدد فرنسا ذكراه في كل عام. وكانت ذكراه في هذه السنة لمرور السنة 150 بالغة أقصى الفخامة والأبهة، اشترك فيها المستعبِدون، والمستعبَدون ...
ما هي ميزة هذا السجن بين السجون؟

ميزته إلقاء الأحرار فيه دون محاكمة ولا جرم معلوم.

وهذه الميزة لم يبق لها- فيما نعرف- من نظير في البلدان التي تملك أمر نفسها وتسيطر الشعوب فيها على حكومتها.

أما في الأمم المملوكة أو الشعوب التي لا سلطان لها على حكوماتها فما تزال ميزة الباستيل باقية فيها إلى اليوم.

وها نحن في الجزائر نرى ذلك ونتجرع آلامه. ففي سجن "الكدية" بقسنطينة قد ألقي أربعة من أعضاء جمعية العلماء المسلين الجزائريين دون جرم معلوم ودون أن يقدموا للمحاكمة، أربعة من العلماء: الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي والشيخ عبد القادر الباجوري والشيخ علي بن سعد والسيد محمد الكامل، مضت عليهم في السجن سنة وأربعة أشهر مع المجرمين!

ومن عجب المقارنات أن يحتفل بمرور 150 سنة على سقوط الباستيل وهم ينيؤون تحت ما من مثله أسقط الباستيل.

لم يثر هؤلاء العلماء ضد السلطة ولا تداخلوا في أوضاعها الإدارية ولا أسسوا لتقويمها منظمات سياسية. وإنما قاموا بواجبهم الديني في بلادهم سوف (1) وقراها، ينشرون الإسلام ولغة الإسلام وينهضون بإخوانهم في دائرة دينهم وكان أهل تلك البلاد أرق أفئدة وأصفى عقولا وأمتن دينا وأسرع إجابة للحق والخير فانثالوا عليهم يجيبون داعي الله ويقبلون على تعلم الدين ولغة الدين. هذا ما كان والله.

لكن الذين لا يرضيهم مثل هذا- وهم أصناف- بيتوا أمرهم وتعاقدوا على قتل هذه الزيادة الدينية العلمية من تلك الديار فصوروها صورتها وأوقعوا بتلك البلاد الآمنة ما أوقعوا مما سبله عليهم التاريخ. وكتب على صفحات القلوب بأقلام الضلوع وحبر الدموع، وسيق الناس إلى السجون والأعمال الشاقة وسيق هؤلاء الشيوخ على الخصوص بتهمة التآمر على أمن الدولة أو الثورة على النظام أو الاتصال بالأعداء أو ما شئت من مثل هذه التهم التي يتسع لها الخيال، ولم يثبت شيء منها- ولن يثبت- إلى الآن وبعد الآن.
إننا لا نطلب العفو والإفراج عنهم، وإنما نطلب تقديمهم للمحاكمة ونشر قضيتهم أمام العدالة والرأي العام. إننا على ثقة من براء أصحابنا، وعلى ثقة من فضيحة هذه المعاملات الاستثنائية التي لا يرتضيها الحق، ولا تقتضيها- خصوصا في هذه الأوقات- مصلحة.
وإذا كان من تقديم إخواننا للمحاكمة رفع مَّا للظلم عنا، فإن فيه محوا مَّا لكلفة شوهت وجه عيد الحرية.

فإلى المحاكمة إن كنتم تريدون شر العدل وجمال الحرية (2).

عبد الحميد بن باديس



(1) بلد في الواحات بالصحراء الجزائرية.

(2) البصائر: عدد 178 قسنطينة يوم السبت 24 جمادى الثانية 1358هـ - 11/ أوت 1939م ص 1، ع 1 و 2 و 3.

آخر التغريدات: