مُجتَمعُ العَفَافِ والطُّهْرِ في فِكْرِ ابنِ باديس وكتاباتِهِ

بقلم: سمير سمراد-

لم ينقطع الإمام عبد الحميد ابن باديس إلى الإصلاح الديني، لِيُغفلَ بذلكَ بقية ميادين الإصلاح -وإن كانَ الدِّينُ هو أساسٌ لكلِّ إصلاحٍ-، بل طَرَقَ كلَّ بابٍ من أبوابِهِ، وَكانت له فيه مشاركاتٌ عظيمة ومقامات جليلة ومواقف كبيرة؛ ومنه الإصلاح السياسي والإصلاح الاجتماعي، وما مِن نهضة نهَضتها الأمة الجزائرية إلا وكان ابن باديس واضع أساسها ومُشيد بنيانها، وهو بحقٍّ كما قال رفيقه (البشير): «باني النهضات العلمية والأدبية والاِجتماعية في الجزائر»(1)، كلُّ ذلكَ وفق رؤية دينية عميقة، وخطوات مستمدة من الإسلام وتعاليمه الرَّبَّانيَّة، يُجلِّلُ ذلك كلَّهُ علمٌ راسخٌ وَفِكْرٌ ثاقبٌ ورأيٌ صائبٌ وتعليلٌ سديدٌ وتجربةٌ حكيمةٌ-وما أحسنَ العلِمَ يَكونُ معهُ الرَّأيُ الحَسَن!-، في شفقةِ نصوحٍ وحُنُوِّ والِدٍ وَعطفِ أبٍ، فاستحقَّ لذلك أَن يكون أبًا للجزائريين، وأن يكون للجزائر عالمَها الدِّيني وَقائدَها السياسي وَ(فيلَسُوفَها الاجتماعي)، وقد كان الذي حاز هذا اللقب الأخيرَ بين إخوانه وشُهر بِهِ هو الشيخ مباركٌ الميلي، لكن... ما (مباركٌ) إلا تربية شيخه ابن باديس وثمرة توجيهاته وعنايته، نَسَج على منواله واقتفى أثرَهُ، وما كان للتلميذ مِن فضلٍ فلِشيخه منه النصيب الأوفى والحظ الأزكى...وقد سجلت صحيفةُ (المنتقِد) التي أسَّسها ابن باديس بمعونة ومناصرة ثلةٌ من تلاميذه ومنهم (المبارَك)، سجل على صفحاتها تلك الكلمة الخالدة للابن البار والتلميذ المخلِص والعضُد المَتِين: «مَن حاول إِصلاح أُمَّةٍ إسلاميَّةٍ بغير دينها، فقد عَرَّضَ وحدتها للانحلال وجسمها للتلاشي، وصار هَادِمًا لعَرشها بِنِيَّة تشييده»اهـ(2). فهذا المبدأُ الذي بنى عليهِ ابن باديس (نهضتَهُ الاِجتماعية)، و هُوَ هُوَ المبدأ الذي صبغَ به كذلك (فلسفته الاجتماعية).

لقد ظهرت دعواتٌ للإصلاح هنا وهناك في المشرق وفي المغرب، ونادى إلى (النهوض) علماءُ ومفكرون وشيوخٌ منتسبون لجامعات وكليات، منسوبون للعلم والدين، بل تكوينهم كان أساسًا دينيًّا إسلاميًّا، لكن طغا ببعضٍ منهم (سُلطان الفِكْر)-ولِلفِكْرِ طُغيانٌ- وَاستهوتهم (حرية الفِكْر)-حينَ جهلُوا حدَّهَا- وَاستزلَّهم (الاِستقلال في الفِكْر)-حينَ غَفَلُوا عَن مُنتهاهُ-، فتجاوزوا الحدود الدينية، وتخطَّوا الشرع الإسلامي، وتنكَّبُوا الوحي الإلاهي، ولم يلتزموا الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة، وتمرَّدوا على الأحكام؛ أحكام القرآن والسُّنَّة، وهي –دون ما سواها- أحكامُ العدل والقسط، والحِكمة والتَّعليل، والصلاح والإصلاح...فما لبث أولئك أن خرجوا مِن الدِّين إلى الإلحاد، ومَرَقُوا مِن الإسلام إلى الكفر؛ بطعنهم في الدين تارةً، وجحدِهم للمعلوم بالضرورة من دين المسلمين تارةً أخرى...وكانوا معاوِل هَدمٍ وَسُعاةَ فتنة وناشِرِي فساد... ومن أمثلة ذلك حادِثَةُ: (الشيخ الطاهر الحَدَّاد)، المتخرج من جامعة الزيتونة وكليتها، والذي رفع شعار «النهوض بالمرأة نهوضًا صحيحًا وتعليمها تعليمًا مفيدًا، في حدود إسلامها، التي هي بنظر كل عاقلٍ منصف حدودُ الإنسانية الكاملة»(3)، لكن يظهر كتابُ الحدَّاد: «امرأتنا: في الشريعة والمجتمع»، ويَكشف فيه عن مشروعه (الفاسد)، (المفسِد للمرأة وللمجتمع الإسلامي)، وبانَ بهذا أن أمثال (الحَدَّاد) في إصلاحهم المزعوم إنما يريدون بالنهوض: «الذهابَ في تيَّار المدنيَّة الغَربيَّة»، وَما يُخرجُ المرأةَ «عن حدود دينها ووظيفة أنوثتِهَا»، وبان أيضًا أنهم يُريدون إلغاءَ الدِّين من حياة المسلمين، وقطعَ صلة المجتمع بالإسلام، حيثُ دعا (الحَدَّاد) إلى: «إبطال أحكام عديدة من أحكام القرآن الصريحة القطعية الاجتماعية، وتعطيل آيات عديدة من آياته بدعوَى أنها غير لائقة بالنساء في هذا العصر»(4).

لقد تفطن ابن باديس لمكائد أمثال هؤلاء، وكان لهم بالمرصاد، وما فتئ يُنبه المسلمين ويُحذرهم خطر غائلة التغريبين، ويُنذرهم عاقبة الشر والفساد والهلاك الذي يُوقعون فيه أنفسهم بتنكب شرائع دينهم و إهمال أحكام إسلامهم.

ـ لقد كتب ابن باديس في الإصلاح الاجتماعي كتاباتٍ في مُناسباتٍ شَتَّى، كتب -على وجه الخصوص- في إصلاح المرأة، وإصلاح الأسُرة، وتربية البنين والبنات.

كتبَ عن (المرأة) عمومًا، وعن (المسلمة) خصوصًا، وعن (الجزائرية) بوجهٍ أخص.

كتب عن طرق ترقية المرأة والسبيل إلى نهضتها نهضةً صحيحةً(5).

كتبَ في وظيفة المرأة وما يترتبُ على خروجها عن وظيفتها اللائقة بها(6).

ـ وكتبَ في السُّفُور والتَّبرُّج، وفصَلَ بين السُّفُور الإسلامي -على حدِّ تعبيره-؛ وهو كشف الوجه والكفين، وبين السُّفُور الإفرنجي.

لقد قاوم ابن باديس السُّفُور الإفرنجي، وحذَّر الفتنة بالنساء، وجعل لذلك يُقرِّرُ أحكام الشرع وحِكَمَه في «سَدِّ ذريعة افتتان الرجال بالنساء»، بسببِ النَّظرِ وغيره(7)، ويُقرِّرُ أيضًا وسائله في دفع هذه الفتنة، مستدلاًّ بحديث المرأة الخثعمية التي جعل الفضل ابن عباس ينظر إليها وتنظر إليه، فلَوَى رسولُ الله ﷺ عنقه، وقال: رأيت شابًّا وشابَّةً، فلَم آمَن الشيطانَ عليهما(8).

ـ ويكتُبُ ابن باديس في رُجْحَانِ «سَتْرِ وجه المرأة عند رؤية الأجنبي»؛ استنادًا إلى حديث عائشة في سترهن وجوههن في وقت الإحرام عند مرور الرجال الأجانب، ويُقرِّر جواز الكشف عند عدم الفتنةِ أو عندَ أَمنِها، وأَنَّ السَّتْرَ واجبٌ عند تحقُّقها(9)، يقول: «اتِّقَاءً للشر والفتنة»(10)، كما يؤكد ابن باديس –في آخر تقريره- على وجوبِ «غَضِّ البصر وحُرْمَة تجديد النَّظَر»(11).

ـ إن ما سمَّاه ابن باديس سُفُورًا إسلاميًّا لا يعدو أن يكون من المرأة كشفًا لوجهها وكفيها، «دُون شعرها وعُنُقِهَا»، هذا عند أمنِ الفتنةِ -يقولُ-.

ويؤكد ابن باديس على حجاب المرأة، وأنه يكون: بِـ«عدمِ إظهار الزينة –غير الوجه والكفين»، وبِـ«عدمِ إثارة الفتنة بروائح الطِّيب وخشخشة الحُلي ورنين الخلخال».

أما السُّفُور الإفرنجي الذي حاربه ابن باديس فهو على حَدِّ قَولِهِ: «كشفُ الشعَر والعُنُق والأطراف، مع التَّبرُّج بالزينة وما إليها».

لِيدعو ابن باديس آخرًا -وهو المصلح الاجتماعي- إلى تعاون المسلمين واتحادهم لِـ: «منع السُّفُور الإفرنجي»، وكلِّ سُفُور فِيهِ إِغْرَاءٌ وإثارةٌ(12).

ـ وَفي مفاسد الاختلاط والامتزاج بين الجنسين، ودخول الرجال الأجانب على النساء؛ كتب كتابةً ضافيةً في «تحريم الخلوة بالأجنبية خصوصًا على الأقارب»(13)؛ يُحذِّرُ فيها مِن سُوء عاقبة التهاون بهذا الحكم الشرعي وما يؤدي إليه من الهلاك والفتنة في الدِّين والعِرض وخراب البيت وفساد الأسرة واضمحلالها(14).

ـ وكتبَ وهو يُقَرِّرُ «حق النساء في التعلم»: «لا يجوز اختلاط النساء بالرجال في التَّعلُّم، فإِمَّا تُفرَد بيومٍ... وإِمَّا أن تتأخر عن صفوف الرجال»(15).

ـ وكتبَ عن «مشروعية تعلم النساء الكتابة»، وَحرَّض على نشر العِلم بالقلَم في وسط البنات كما عند الأبناء(16)، ولما كان تعليلُ مَن مَنعهن مِن الكتابة أن ذلك لأنه قد يُفسدهن ويتوصلن به إلى الفساد، لم يُفوِّت ابن باديس أن يُقيِّد تَعلُّمَها بأنَّهُ تعلُّمٌ: «على أَساسِ دِينِنَا»(17).

ويكتب ابن باديس في «النِّساء والكمال»، ويدعو إلى (تكميل النِّسَاء)، ولكنه كما قال: (تكميلٌ دينيٌّ)، فإنه هو الذي يبلغُ بالأمة إلى السعادَة والكمال(18).

ـ وابن باديس حينما يشرحُ حديث خروج النساء إلى المساجد، لا يفوته أن يُقرِّرَ ما جاءت به الآيات والأحاديث في هذا الموضوع: مِن نهيِ المرأة عن مسِّ الطيب عند خروجها، وعدمِ إبدائها لزينتها إلا ما ظهر منها، وأن تشُدَّ بِخمارها على رأسها تسترُ شعرها وعنقها، وتجعل فوق ثيابها كلِّها كالملاءَة ونحوِها، وأن لا تضرب برجلها فيُسمع منها خشخشة الحُلِيِّ أو رنين الخلخال، ومشيِها في حافات الطريق لا أن تمشي في وسطه(19)... في جُملةِ آدابٍ وأحكامٍ هيَ شروطٌ لخروج المرأة حتى لا يحصل الاِفتتان بها.

ـ ونجدُ ابن باديس يَقفُ وقفةً في «مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير» عند قوله تعالى: (ﮊ ﮋ ﮌ)[الإسراء:32]، ويُفيضَ في خطر فاحشة الزِّنا وفي قبحها، ويُبَيِّن كيفَ «حَمَى الشرعُ الشريفُ العبادَ مِن هذه الفاحشة بما فرضَ مِن الحجاب الشرعي»، «وبما حرَّم من تَطيُّب المرأة، وقعقعةِ حُلِيِّهَا عند الخروج، وخلوتِها بالأجنبي، واختلاطِ النساء بالرجال»(20). والمسلمُ المسلمُ عند ابن باديس هو الذي يتوقَّى الشرَّ، ويتحرَّى مقتضَى النهي عن الزِّنَا، ويتحرَّى التشريعات الإلهية بالترك والاِبتعاد عنهُ(21).

هذا كُلُّهُ مِن ابن باديس: دعوةٌ للمحافظة على الأحكام الشرعية والآداب الإسلامية التي شرعها الله لنساء المؤمنين(22).

وبعبارة آخرى كان ابن باديس: يدعو للمحافظة على: «الوضعية الإسلامية العفيفة الطاهرة»(23)، ويدعو إلى نشر هذه «الحقائق الشرعية» لتثبيث «التربية الإسلامية»(24)، وليكونَ أبناؤنا وبناتنا ورجالنا ونساؤنا: «مثالَ الطُّهْرِ والعَفَافِ والصَّوْنِ لِلأجيال»(25).

ـ لِذا لَمَّا يَكتبُ ابن باديس عن «خير النِّساء»، نَجدُهُ يؤكد على أن خيريَّة المرأَة، إنما هيَ في (عفافِها)، وأن هذا (العفاف) هو أحد الأركان التي (تنتظم بها الأُسَر) و(يُحفَظُ النَّسل)، وبهذين الأمرَين يكونُ بقاءُ الأُمَم(26).

ـ كما أن ابن باديس حينما دعا إلى تعليم المرأة والبنت وتربيتهما، دعا مع ذلك إلى أن تكون التربية والتعليم للنساء والبنات مِمَّا يُقَوِّي فيهما: (صفةَ العِفَّة)، إلى صفاتٍ أخرى، تنتظم بها الأُسَر ويُحفظ النَّسل(27).

ومن الخلل الذي سرى إلى المجتمعات المسلمة ومن الفساد الذي طرأَ على الحياة الاجتماعية للمسلمين وبات يُهدِّدُ: «الوضعية الإسلامية العفيفة الطاهرة»: ظاهرةُ الحُبّ والتَّعارُف بين الجِنسَين، بين الشباب والشَّابَّات، لقصدِ الزواجِ، وهي عادةٌ غريبة عن مجتمع المسلمين؛ مجتمعِ العفاف والطُّهر، وهِيَ مفهومٌ للزواج غير إسلاميٍّ، دخلت عليهم هذه العادة في فورة الاِفتتان بالمدنيَّة الغربيَّة والانسياق وراء دعوات التَّغريبيِّن، وَتبنَّوا هذا المفهوم على حينِ غفلةٍ عن الحقائق الشرعية والآداب الإسلامية.

نشر ابن باديس في أحد أعداد مجلته «الشِّهاب»[جزء صفر 1354هـ، ماي 1935م، ج2، مجلد 11، (ص 84-89)] كتابةً اجتماعية -هِيَ قصَّةٌ- لأحد كُتَّابِهِ(28)، أقرَّ فيها هذه العادة الدخيلة، بل وجعلها أساسًا للزواج السعيد ولاستقرار الأُسرة، وقال بالحرف: «سيكون زواجًا سعيدًا بأتم معنى الكلمة، لوقوعه على أساس الحب والتعارف، خلافًا للمألوف عندنا من تلفيق الزوجين من روحين قد تكون العلاقة بينهما ضعيفة، وقد تكون معدَمة بالكلية،فينشأ عن ذلك شقاء الأسرة وفساد الأخلاق وتوتر العلاقات في النهاية»اهـ. فعلق ابن باديس في الهامش بقوله: «الزواج في الإسلام مَبنيٌّ على المعرفة والرِّضَا، ولعلنا نكتبُ في الجزء الآتي –إن شاء الله- رُجحانه على الزواج ا لمبنيِّ على الحُبِّ والتَّعارُف»اهـ.

وفِعلاً كتبَ ابنُ باديس مقالاً في هذا الموضوع نشرهُ في [جزء ربيع الأول 1354هـ،3 جوان 1935م، جزء 3، مجلد 11، (ص154-156)]، في ركن (المقالات: معرض آراء وأفكار) وعنوانه: «الزواج: أَيُبنَى على الحُبِّ والتعارف أمْ على المحبَّةِ والمعرِفَة؟»...

ونشر ابن باديس في [جزء محرم 1355هـ، أبريل 1936م، ج1، مجلد 12، (ص11-17)] مقالاً بعنوان: (الشبان المسلمون والزواج)،لكاتبٍ رمز لاسمه بِـ(ع.د)...ولما كان كاتبُه انساق وراءَ فكرة تحبيذ الزواج المبني على الحُبِّ كما عندَ الإفرنج، كتبَ ابن باديس في آخره يقولُ: «سنُعلِّق على هذا المقال أو نكلف من يعلق عليه في العدد الآتي إن شاء الله»... لم يَتيسَّر لابن باديس أن يكتبَ في ذلك بنفسه، ولم يتيسر أيضًا لمن كلفه بذلك من معاونيهِ في تحرير المجلة، وَكما قال: «حالت أعذارٌ بينَ ذلك ومَن كلفناهُ بالتعليق».

لِذا عمدَ إلى نشر مقاله السابِق: «الزواج: أَيُبنَى على الحُبِّ والتعارف أمْ على المحبَّةِ والمعرِفَة؟» [جزء ربيع الأول 1355هـ، جوان 1936م، ج 3، مجلد 12، (ص130-132)]، ليَسُدَّ مَسَدَّ ما كانَ وعدَ به من التعليق على المفهوم الإسلامي للزواج، وَأمضاه بإمضائه المعروف وهو حرف «ع» الذي يرمز لاسمه: (عبد الحميد)، وقد أمضى به الكثير من مقالاته العلمية والاجتماعية.

انتصَرَ ابن باديس لِلفِكرة الإسلاميَّة، وهِيَ الفِكرَة الرَّاقِيَة، وهِيَ أن الزواجَ السَّعِيد يُبنَى على المعرفة وَالمحبَّة، وأَتَى على ذلك بالأدلة الشرعية والحِكَم والتعليلات... لقد بيَّنَ ابن باديس أنَّ هذه الفِكرة الإسلامية مدارها على مراعاة الفضيلة والمحافظة على العفاف، فِكرَةٌ مُستندُها الشرع الإسلامي وأدلَّتُهُ، ولا تخرجُ عن الفقهِ في أَحكامِهِ، ولأجلِ ذلك وضع في آخر مقاله: مستنداتِهِ؛ وهيَ أحاديث نبويَّة من كُتُب السُّنَّة.

هذا مقال ابن باديس في مفهوم الزواج في الإسلام، وهو حلقةٌ من حلقات دفاعِهِ عن الحقائق الشرعية والفضائل الإسلامية، ومُدافعته للمفاهيم الغربية والأجنبية عن الإسلام، والتي لا ترعَى عفافًا ولا تحفَل بطُهرٍ وفضيلَة، مقال ابن باديس هِو تثبيتٌ للتربية الإسلامية التي عاشَ يعمَلُ لها وَيدعُو إليها، وتأكيدٌ على المحافظة على «الوضعية الإسلامية العفيفة الطاهرة»، التي صارت أُممُ الغرب الأجنبيِّ عن الإسلام ترجعُ إليها، وتُقرُّ بأنَّ السعادةَ والكمالَ فيهَا.

مقالُ ابن باديس هذا -كما قالَ هُوَ عنهُ-: «فيهِ البيان الشَّافِي لِحُكم الإسلام وحِكمتِهِ في الموضوع».

الزَّوَاج أَيُبنَى على الحُبِّ والتعارُف أمْ على المحَبَّةِ والمعرِفَة

إنما كمال الإنسان وسعادته بزكاء نفسه، بتخلِّيها عن الرَّذائل وتحليها بالفضائل، ولذا كانت أحكامُ الإسلام كلُّها مبنيةً على اعتبار المصالح ما دامت لا تُصيبُ الفضيلة بسُوء ولا تجرُّ إلى شيءٍ من الرذيلة.

ومن أول الفضائل الإنسانية العفاف، وإنما سعادةُ الحياة الزوجية وهناؤها وسلامتها ودوام ارتباطها – بتحقيق العفاف مِن الجانبين. فكانت مراعاة العفاف والمحافظة عليه في الشرع الإسلامي مراعاة للفضيلة والمصلحة معًا ومحافظة عليهما.

مَنَعَ الإسلام من معاشرة الأجنبيَّة والاِختلاء بها لِما فيهِ من تعريض فضيلة العفاف للخطر، فالتعارف المُتَعَارَفُ عند غير المسلمين ممنوعٌ في الإسلام والحُبُّ الشَّهواني المبني عليه مثلُه، ولكنه شَرَعَ لِمُريد الزواج أن ينظر إلى من يريد التزوج بها إلى وجهها وكفيها، وحَثَّهُ على هذا النظر لأنه مِن أسباب المحبَّة، كما شَرَع لهُ أن يبحث عن دينها وأخلاقها، فإذا كانت ذات دين وخُلُق رجَّحَها على ذوات المال والحسَب والجمال.

وكما كان هذا مشروعًا في حق الرجل، فكذلك هو مشروعٌ في حق المرأة، إذ أوجبَ على وليِّها أَن يستأْمِرَ الثيِّب ويستأذِنَ البِكْر، فتختارُ هِيَ وتبنِي اختيارَها على الرؤية والمعرفة بِدِينِهِ وأخلاقِهِ بالسؤال إن شاءت، أو تكتفِي بِوَليِّها إذا كان محلَّ ثقتِها.

فإذا انبنت بينهُما الزوجية عن الرؤية والمعرفَة بالدِّين والخُلُق، ورضي كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِهِ، كانا حرِيَّينِ وحقيقَيْنِ أن تُوضعَ بينهما المحبَّةُ والأُلفة.

فالزواج الإسلامي مبنيٌّ –كما رأيت- على المعرفة البدنيَّة بالرؤية والمعرفة النفسيَّة بالبحث عن الدِّين والخلُق، وعلى المحبَّة التي تحصلُ بذلك، ويدلُّ عليها رِضَى كلِّ واحدٍ منهما بصاحبِهِ.

ولم يُراعَ في الزواج الإسلامي الحُب الشهواني الذي يُثيرُهُ الاِختلاط، لِما في الاختلاط مِن تعريض الفضيلة للخطَر، ولأن الحُبَّ ثورةٌ وقتيةٌ لا تلبثُ أن تنطفِي، وَأَخْلِق بالزواج المبنيِّ عليهِ أَن تنحَلَّ عُرَاهُ عند انطفائِهِ.

هما أمران: حُبٌّ ثائرٌ مبنيٌّ على تعارُف مُخطِر سريع الخُمُود، ومحبَّةٌ هادئةٌ مبنيَّةٌ على نظرٍ عفيف وعلمٍ بالدِّين والخلُق، تدوم بدوام الدِّين وتثبت بثبات الأخلاق.

أَيُّ هذين أحقُّ أَن تُبنى عليه الزوجية التي يُقصد منها دوام التآلُف والتعاوُن والعمَل لخيرِ الأُسرَة والأمة والبشريَّة؟ لا أحد من العقلاء يتوقَّف في الجواب عن مثل هذا السؤال.

وإذا نظرنا إلى نتائج زواج الحُبِّ والتَّعارُف، فإنَّنا نرَى ما يشكُو منه الكثير من أهلِهِ، وقد قرأنا في الصحف منذ مدةٍ قريبةٍ أنَّ فتيات اليابان رجعنَ عن الزواج المبنيِّ على الحُبِّ والتَّعارُف إلى الاعتماد على خبْرَة الآباء والثقة بهِم. ونشرت مجلة «المقتطف» في عدد مارس الماضي تحت عنوان: «الحب والمغازلة في روسيا السوفياتية» ما يلي: «يقول كاتب أوربي عاد حديثًا من روسيا: إن الحكومة السوفيتية ألغت الحُبَّ من بلادها؛ لأنها تراه مجرد عبث وإضاعة وقت فيما لا طائل تحته»

لسنا نذكر هذه الأُمم لنتأيَّدَ بها بعد ما عرفنا الإسلام وفقهنا أَحكامَه الرَّاقِيَة، وإنما نذكرُها لِنُبيِّنَ كيف تتراجعُ الأُمم الأجنبيَّة عن الإسلام إلى تعاليم الإسلام؛ دين البشريَّة العام. «ع»

مستندات المقال: قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للمُغِيرة بن شُعْبَة وقد خَطبَ المُغيرة امرأةً: «انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإنَّهُ أَحْرَى أَن يُؤدَمَ (تُوضَع المَحَبَّة) بينكُمَا» رواه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه(29).

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكَح الأَيِّم (الثَّيِّب) حتَّى تُسْتَأْمَر، ولا البِكْر حتَّى تُستأذَن»، قالوا: وكيفَ إذنُهَا، قال: «أَن تسكُتَ» رواه البخاري ومسلمٌ وغيرهما(30).


الهوامش:

([1])«آثار الإمام البشير الإبراهيمي» (5/278).

(2) «المنتقِد»، عدد (10)، 14 صفر 1344هـ، 3 سبتامبر 1925م، (ص1).

(3)«آثار الإمام عبد ا لحميد ابن باديس» (5/446)، ط. وزارة الشؤون الدينية، الجزائر.

(4) المصدر نفسه.

(5) المصدر السابق (5/439-442).

(6) «مجالس التذكير من حديث البشير النذير» (ص164)، ط. وزارة الشؤون الدينية، الجزائر.

(7) المصدر السابق (ص171).

(8) المصدر السابق (ص172).

(9) المصدر السابق (ص171).

(10)المصدر السابق (ص173).

(11) المصدر نفسه.

(12)«مجالس التذكير من حديث البشير النذير» (ص173-174).

(13) المصدر السابق (ص178).

(14) المصدر السابق (ص179).

(15) المصدر السابق (ص158).

(16) المصدر السابق (ص160-161).

(17) المصدر السابق (ص161).

(18) المصدر السابق (ص169).

(19)المصدر السابق (ص175-176).

(20)«مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير» (ص127-128)، ط. وزارة الشؤون الدينية، الجزائر.

(21) المصدر نفسه.

(22) «مجالس التذكير من حديث البشير النذير» (ص173).

(23) المصدر نفسه.

(24) المصدر السابق (ص174).

(25) المصدر نفسه.

(26) المصدر السابق (ص164)

(27) المصدر نفسه (ص164).

(28) هو الأديب محمد بن العابد الجلَّالي، تلميذ الإمام ابن باديس ومعاونه في تحرير وإدارة مجلة «الشِّهاب»، وكان ينشر قصصًا اجتماعية بإمضاء «رشيد»، وهو عند الباحثين قد يكون رائد القصة الصغيرة في الجزائر.

(29) رواه أحمد في «المسند» (18137)، والترمذي في «السنن» (1087)-وحسَّنَهُ-، والنسائي في «السنن الصغرى» (3235)، وابن ماجه في «السنن» (1865 و1866)، عن المغيرة بن شعبة أنه خطبَ امرأةً...فذكرَهُ.

(30) رواه البخاري (5136)، ومسلمٌ (1419).

آخر التغريدات: